Powered By Blogger

أرشيف المدونة الإلكترونية

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 12 ديسمبر 2009

فلسفة هيغل: مضمونها وأنواعها

فلسفة هيجل: مضمونها، أنواعها


تنقسم فلسفة هيغل إلى ثلاثة ميادين معرفية كبرى، كانت محط اهتمام جل الفلاسفة ويتعلق الأمر ب: علم المنطق؛ فلسفة الطبيعة؛ فلسفة الروح؛ وهي ميادين مترابطة في نسق فلسفي متميز يجعل المهتم ينتقل من مستوى إلى آخر ليتمكن من رسم صورة واضحة على هذا النسق الفلسفي। لذلك ففلسفة هيجل هي فلسفة نسقية بامتياز. وتشترك هذه الميادين الثلاث في موضوع واحد، أي انها تدرس نفس الموضوع لكن في مستويات مختلفة وينعلق الأمر ب: "الفكرة الشاملة" أو "الفكرة المطلقة" أو إن شئنا القول "العقل" في صور متنوعة: "العقل" محضا في المنطق، و"العقل" في حالة تخارج في فلسفة الطبيعة، و"العقل" حين يعود إلى نفسه في فلسفة الروح.
فعلم المنطق هو دراسة الفكرة الشاملة لذاتها، معرفة نفسها بنفسها، وهي الحقيقة عينها، لأن الحقيقة " …هي أن الفكرة الشاملة لا تتضمن شيئا آخر يفكر فيه سوى الفكرة الشاملة نفسها …"، وقد أضفى هيغل ها هنا غطاءا لاهوتيا – إن صح القول – على موضوع الفلسفة، لأن " ... موضوعات الفلسفة هي نفسها موضوعات الدين: فالموضوع في كليهما هو الحقيقة. بذلك المعنى السامي الذي يكون فيه الله هو الله وحده، هو الحقيقة .. " .
ولا ينبغي أن يفهم أن وحدة موضوع أقسام "فلسفة هيجل (الفكرة الشاملة) تلغي التمايز / الإختلاف، بل على العكس تماما تقر به، فالفكرة المطلقة في علم المنطق هي الفكرة بشكل مجرد إطلاقي، تعي ذاتها بذاتها، وتعقل الأمور في نفسها، حيث أ = أ، "العقل" هو "العقل"، لكن في "فلسفة الطبيعة"، الفكرة المطلقة / الشاملة تخرج من ذاتها إلى الآخر. إنها "العقل" في حالة تخارج، نقيض حالتها الأولى وبالتالي ف "العقل" يغدو "لا عقل" أو "اللامعقول". أما في فلسفة الروح فتعود إلى نفسها، حيث الوحدة بين العقل واللاعقل، ويجمل ولترستيس هذا التمايز قائلا: "... المنطق يدرس الفكرة كما هي في ذاتها، وهذه هي الكلي (القضية). أما الطبيعة فهي الفكرة في الآخر، وهي ضد الفكرة في ذاتها، وهذا هو الجزئي (النقيض). أما الروح فهي وحدة المنطق والطبيعة وهذا هو المركب (الفردي)…".

وقبل مناقشة كل دائرة من هذه الدوائر، فإننا نسوق هنا ملاحظة جوهرية، ألا وهي أن هذه التفريعات / التقسيمات الثلاثية التي يعتمدها هيغل كطريقة في جل كتاباته بدون استثناء، إنما نابعة من قضية منطقية أساسية: القضية / نقيض القضية / التركيب.
ويعطي هيجل مفاهيم أخرى أكثر دلالة: الكلية / الجزئية / الفردية. ذلك أن الكلية تأخذ معنى الإيجابية (الشمولية)، والجزئية معنى السلبية، أما الفردية فهي المركب، ويعلق لينين عن تلك القضية قائلا: << ... ما يتبع انبساط الكلي والخاص (الجزئي) والمفرد، هو إلى حد ما مجرد و "عويص" >> و يضيف أن الشيء الاساسي عند هيجل هو أن "يسم الانتقالات" حيث في بعض الشروط: الكلي هو الخاص، والخاص هو الكلي " ليس فقط على "مستوى الترابط (ترابط لا ينفصم لكل المفاهيم والاحكام)، بل "على مستوى الانتقالات" أيضا (انتقال من مستوى إلى آخر) و على مستوى "تماثل المتناقضات".
أولا - المنطق عند هيجل: موضوعه، أقسامه:
<<… المنطق هو علم الفكرة الخالصة، بمعنى أنه علم
الفكرة في وسطها الفكري الخالص ... >>
موسوعة العلوم الفلسفية ص 79 فقرة 19.
لا يكتفي هيجل ها هنا بالقول أن علم المنطق يدرس الفكرة الشاملة وفقط، وإنما "علم الفكرة في وسطها الفكري..." وهنا أساس التمايز بين المنطق الهيجلي والكلاسيكي الذي يحصر موضوع المنطق في "دراسة الفكر كفكر"، إن هيجل يتبدى لنا ضد الشيء في ذاته "الذي ليس سوى شئ في ما – بعد الفكر" وهي هنا لا تنطبق على الأشياء في ذاتها" كما يقول لينين: << عادة يفهم المنطق على أنه "علم الفكر"، "فقط شكل المعرفة" هيجل يدحض هذا المفهوم. ضد الشئ في ذاته" الذي ليس سوى شئ في ما – بعد الفكر". أشكال الفكر في هذه الحال لا تنطبق على "الأشياء في ذاتها" ولكنها معرفة حمقاء تلك المعرفة التي لا تعرف الأشياء في ذاتها، ثم أليس الفهم شيئا في ذاته؟>> (دفاتر عن الديالكتيك ص 133). ويضيف هيجل أن "… موضوع المنطق هو بصفة عامة، عالم ما فوق الحس، ودراسة هذا الموضوع تعني البقاء لفترة في هذا العالم " (الموسوعة ص 84 إضافة رقم 2 للفقرة 19)، لنلاحظ كيف قلب هيجل موضوع المنطق الذي ساد منذ اليونان مرورا بالقرون الوسطى إلى حين مجيئه. إن نظريته في المنطق - إن صح التعبير - لا تتجاوزها أية ثورة فكرية في عصره بل تظل متميزة، وكذلك الامر في جل ميادين المعرفة التي بحثها والتي يظل المنطق لديه العصب والركيزة الأساسية فبفضل "المنهج الجدلي" دخل إلى تلك الميادين من بابها الواسع، وقد عبر ماركس عن ذلك واعترف قائلا: <<… حين كنت أكتب الجزء الاول من "رأس المال" كان أول أبناء الجيل الجديد، أولئك الأدعياء المتهورون التافهون يتباهون أنهم ينظرون إلى هيجل نظرتهم إلى "كلب ميت" … لذا بادرت وأعلنت صراحة أنني لست إلا تلميذا لهذا المفكر العملاق…>> (كارل ماركس: "رأس المال") وبعده جاء لينين ليعلن: "لا يمكن فهم "رأس المال" وخصوصا فصله الأول فهما كاملا بدون دراسة وفهم كل منطق هيجل. إذن، ما من ماركس فهم ماركس بعد مضي نصف قرن عليه!!".
والمنطق عند هيجل "علم الفكر: بقوانينه وأشكاله المتميزة" تلك القوانين التي لا تنبثق إلا من خلال تأمل الواقع الفعلي، أرضها الواقعية، وهذه المقولة سيطورها فويرباخ ثم ماركس فيما بعد ليعطيا لها معناها المادي. ويتضمن المنطق عند هيجل باعتباره لحظة المباشرة:
I الوجود: والوجود لا يبدأ إلا من "اللا شيء" من العدم، يعطي لنفسه كل قواه للظهور. تماما كما يبدأ المكان في فلسفة الطبيعة من الفراغ. وهو بدوره ثلاثة أقسام:
أ_ الكيف: وينقسم بدوره إلى ثلاثة أفرع عبارة عن مثلثاث، حيث الفكر عند هيجل عبارة عن سلسلة من التصورات، وهو نوعان: الفكر بالمعنى الواسع الذي يشمل التصورات العقلية الخالصة أو المقولات ونقول المقولات المنطقية تميزا لها عن ما عرف اليوم بالمقولات الإقتصادية (التي ظهرت مع الإنجليزي ريكاردو). والخلايا الأولى للفكر هي مجموعة من مثلثات صغيرة تتفرع إلى أضلع:
الضلع الأول وهو مباشر، والضلع الثاني وهو متوسط والضلع الثالث، وهو الجامع بين الضلعين الأول والثاني.
وليس بإمكاننا أن نعرض كل هذه التفاصيل لكون موضوعنا ليس موضوع دراسة المنطق الهيجلي، بل إن في نيتنا فقط أن نعطي مجرد نظرة عامة حوله.
ب – الكم: شأنه كذلك شأن الكيف ينقسم إلى: الكم الخالص الذي يمر بمرحلة الكم الخالص ذاته ليصل إلى تحديد الكم مرورا بالمقدار المنفصل والمتصل، والمرحلة الأخيرة هي التي تنقلنا إلى العنصر الثاني من الكم الذي هو: الكمية، وتمر كذلك عبر مراحل ثلاث لتنقلنا إلى العنصر الثالث من الكم الذي هو الدرجة... وهكذا إلى أن نصل إلى المستوى الثاني من منطق هيجل: الماهية بفضل آخر عنصر من الوجود: اللامتناهي الحقيقي.
II – الماهية: (لحظة التوسط) هي دائرة التوسط: فلا نستطيع أن نصل إليها إلا من خلال الآخر أي من خلال الوجود الذي هو الحقيقة الواقعية أو الوجود بالفعل. وتتفرغ عنها مثلثاث أخرى تتفرع عنها أقسام أخرى إلى أن نبلغ فكرة التفاعل التي هي مركب (الجوهر والعرض) و (السبب والنتيجة) التي تنبثق منها لحظة المركب.
III - الفكرة الشاملة: وهي مركب المتوسط والمباشر، أي الوجود والماهية، يتفرع عنها الفكر الذاتي والفكر الموضوعي والفكرة. وعلى غرار سابقاتها مثلثاث تخرج منها مثلثاث أخر.
وإذا كان المنطق قد بدأ بدراسة "الفكرة المطلقة" من حيث هي هي - كما أشرنا – فإنه قد انتهى بها، ذلك أن آخر مثلث في الفكرة الشاملة هي "الفكرة المطلقة" التي تمثل داخل هذه الدائرة، مركب "الحياة: (الكلي أو القضية) و "المعرفة" (الجزئي أو النقيض) وقد انتهى بها لأنها كما يقول ولترستيس (ص 404) فقرة 408: <<المقولة التي تكشف عن نقيضة تحتاج إلى تجاوزها داخل دائرة الفكر الخالص، بحيث ننتقل إلى مقولة أعلى، فهي ليست تجريدا من جانب واحد، وإنما هي الكل العيني، هي الحقيقة النهائية. ومن ثمة فإننا ننتقل من دائرة الفكر الخالص، أي من دائرة المنطق إلى دائرة الطبيعة>>. فكما سبق وأن أشرنا في البداية أن فلسفة هيجل تدرس "الفكرة المطلقة" في جميع فروعها، انتهى بها المنطق لتبدأ بها الطبيعة، وحتى آخر قسم، بل آخر مثلث في مركب الطبيعة والمنطق (فلسفة الروح)، الذي هو الفلسفة تنتهي بهذه الفكرة، وذلك لسبب بسيط على حد تعبير هيجل، هو أنه لا شيء يدرك الفكرة المطلقة سوى الفكرة المطلقة ذاتها، ويعلق إنجلس على ذلك قائلا: << ... في كتابه المنطق استطاع أن يصنع بدوره من هذه النهاية بداية، بمعنى أن النقطة النهائية هنا، ال "فكرة المطلقة" - وهي ليست مطلقة إلا لأنه لا يعرف البثة ما الذي يقول لنا عنها - "تستلب" في الطبيعة، أي تتحول إليها (إلى الطبيعة)، وتعود من جديد فيما بعد إلى نفسها في الروح أي في الفكر والتاريخ. ولكن في نهاية كل فلسفة، لا يمكن لعودة كهذه إلى نقطة الانطلاق أن تتم إلا عبر وسيلة واحدة، ألا وهي: افتراض أن نهاية التاريخ هي أن تتوصل البشرية تماما إلى معرفة هذه ال "فكرة المطلقة"، وأن تعلن أن هذه المعرفة لل "فكرة المطلقة" قد بلغت نهايتها في فلسفة هيجل. ومن هنا يعلن بمثابة حقيقة مطلقة كل المحتوى المعتقدي لمنظومة هيجل، الأمر الذي يناقض منهجه الديالكتيكي...>>.
ثانيا - فلسفة الطبيعة عند هيجل:
إذا كانت "الفكرة المطلقة" في المنطق تعرف نفسها بنفسها، وتكتفي بذلك وهي المقولة التي بدأ بها هذا الفرع النظري بحثه، وانتهى بها، فإنها باعتبارها نهاية بحث المنطق، تمثل بداية "فلسفة الطبيعة"، لكن الأمر يختلف جوهريا، فإذا كانت في المنطق، هي "الفكرة" منظورا إليها من الداخل، فإن في هذه الدائرة الوسطى "فكرة مطلقة" منظور إليها من الخارج، أي أنها في حالة تخارج.
إن الطبيعة تمثل النقيض المباشر للكلية (القضية) أي للمنطق، وبما أنها كذلك، فإنها جزئية وسلبية. ويعتبرها إنجلس ولينين "المنهج الجدلي" مطبقا على الواقع الفعلي، ذلك أن أسس ومبادئ هذا المنهج معروضة في "المنطق" كأفكار، لكنه في الطبيعة يتخذ طابع التجسيد طابع الحلول والتموضع، وقد حاول هيجل أن يطبقه على الميكانيكا والفيزياء والعالم الحيواني، عالم الكائنات الحية (أو العضوية)، إنه متجسد في الأشياء وليس في الأفكار المجردة (كما في المنطق)، نراه في الكائنات العضوية، وفي كل أجزاء الطبيعة متمكنا بذلك من صياغة قوانين المعرفة العلمية، التي ستشكل أسس العلوم الطبيعية والبيولوجية و الجيولوجية...، وهذا هو واقع الحال في فلسفة الروح، يطبع المنهج الجدلي على عالم التنظيمات الإجتماعية والسياسية والقانونية... مستنبطا الدولة من المجتمع المدني، وهذا الأخير من الأسرة، كما استنبط فكرة الحيوان من النبات في الطبيعة. والقول بأن هيجل قد أسس وساهم في بناء نسق المعارف العلمية واع بنفسه "فليس ثمة علم واحد لم يتأثر بفلسفة هذا العبقري".
إن فلسفة الطبيعة تبدأ بمقولة المكان الفارغ، كما بدأ المنطق بالوجود مستنبطا من الفراغ / العدم، فالمكان في الطبيعة عدم، تجريد وفراغ كاملين، فهو"ليس له في ذاته أي طابع ولا مظهر ولا سمة ولا تحديد من أي نوع إنه اللاصورة" عبارة عن "فراغ متصل ومتجانس خال تماما من أي تمايز داخله". نتحدث عن المكان كجزء من مثلث ضلعاه الآخران: "الزمان" و"المادة" وهو الحد الأدنى في الطبيعة، أما حدها الأقصى، فهي نهايتها، انتقالها إلى الروح حيث تعود "الفكرة الشاملة" إلى ذاتها / نفسها. وباعتباره كذلك (أي فارغة من أي محتوى) فإنه (أي المكان) نقيض الفكرة، إنه نقيض القضية، يسير في سيرورة من العمليات إلى أن يعقل ذاته. حين بلوغه الكائن الحي الذي يعتبر نهاية "فلسفة الطبيعة" هذا الكائن المستنبط من النبات طبعا، وكي نوضح هذا الأمر فإن بإمكاننا القول على نحو ما جاء في الجزء الثاني من الموسوعة (فلسفة الطبيعة) أن الطبيعة تنقسم إلى ثلاثة لحظات:
1 – الآليات أو الميكانيكا: أو ما يسمى فيما بعد ب "علم الميكانيكا".
2 – الطبيعيات أو الفيزياء: علم الفيزياء والطبيعة.
3 – العضويات: وهي ثلاثة مراحل: * الكائن الحي البيولوجي (علم البيولوجيا) * الكائن الحي النباتي * الكائن الحي الحيواني. إن الكائن الحي أو الذرة الحية، هي مفتاح المرور إلى "فلسفة الروح".
ثالثا – فلسفة الروح: موضوعها، أنواعها:
لا تشكل "فلسفة الروح" استثناءا من نسق هيجل الفلسفي، ولو كان ذلك واقع الأمر ما كان بالإمكان الدخول في هذه التفاصيل حول المنطق وفلسفة الطبيعة. إن فلسفة الروح هي على غرار اللحظات السابقة عليها، تمثل "المركب في المثلث"، إنها مركب القضية التي هي المنطق، ونقيضها الذي هو الطبيعة، تبحث أيضا "الفكرة الشاملة" والمنهج الجدلي هنا مجسد في الواقع، في عالم التنظيمات الإجتماعية والسياسية والقانونية، (الدولة والاسرة والمجتمع المدني) وعالم النفس والذهن والوعي، وعالم الفن والدين والفلسفة.
فالإنسان وجود روحي، أو كائن حي عاقل ذو فكر خالد، وهو جزء من الطبيعة، إنه إجمالا وجود مادي محسوس، ووجود روحي / فكراني. ومن المعلوم أن الفكر عند هيجل هو المحدد هو أصل كل شيء في هذا العالم، والروح هنا تبحث هذا الوجود الفكري في الإنسان قبل أن تبحث الإنسان ذاته، وهذه هي مملكة الروح. إن هذا القسم من فلسفة هيجل يبحث في تجلي الفكر أو المطلق في الإنسان، وذلك لا يتم إلا بواسطة عملية جدلية طويلة وشاقة، وهيجل هنا يبدأ من أبسط المراحل من أدناها، كي يبلغ تحققه الكامل تدريجيا، بفضل المنهج الجدلي. وتنقسم فلسفة الروح إلى ثلاث دوائر كبرى: * الروح الذاتي * الروح الموضوعي * الروح المطلق.
I – الروح الذاتي : يدرس الروح الذاتي بالأساس العقل البشري من الناحية الذاتية أي كعقل فردي أو عقل الذات الفردية في مستويات ثلاث:
- النفس: ويهتم بهذا المستوى ما يسمى بعلم الأنثروبولوجيا وهو ثلاثة أقسام: النفس الطبيعية، وتأتي من الفراغ كما يأتي الوجود في المنطق من العدم أو كما يأتي المكان من اللاشيء من الفراغ هو أيضا، ذلك أنها أول مقولة في الروح الذاتي لا بد أن يبرهن على ذاته من خلال ذاته، إنها عبارة عن فراغ متجانس للفكر. وتدخل فيها: الخصائص الطبيعية لهذه النفس كشيء إيجابي أو كقضية تمثل التحويلات الفيزيائية نقيضها أو جانبها السلبي ثم الحساسية (تظهر من خلال التمييز الداخلي الضمني بين الوجود المباشر للنفس وبين مضمونها) كجانب إيجابي وسلبي في آن معا. والوعي الحسي هو الوعي الذي تقدم لنا فيه الحواس موضوعات خارجية.
النفس الشاعرة أو الحاسة: تمثل النفس الجانب السلبي المتقلب أما الإحساسات فتمثل الجانب الإيجابي، لكن هذه الأخيرة تدرك نفسها أنها جزء من النفس عامة، لهذا السبب تكون لدينا النفس الحاسة أو الشاعرة، والشاعرة هنا بمعنى التي تشعر. وهي أولا في مباشرتها ذلك أن النفس موجودة في كل موجود قبل أن يشعر بها فمثلا الجنين في داخله نفس، والأم هي التي تحس بذلك وليس الجنين، وكذلك حالة التنويم المغناطيسي، فالمريض لا يشعر، ولكن المنوم هو الذي يشعر،لأن نفس المريض مندمجة في نفس المنوم. وعندما يشعر المرء بالنفس فهذا مستوى آخر من النفس الشاعرة إنه جانبها المتوسط للنفس الحاسة في مباشرتها والعادة. وفي هذا التوسط يدرك الأنا نفسه. أما العادة كمركب المستويين أعلاه فهي الكلية الصورية للأنا عليها أن تتجلى في جزئيات، ولا تظهر إلا ككلية في صورة عددية أي تكرارا لوحدات الإحساس، والشعور، والنشاط ..
- النفس الموجودة بالفعل إن النفس المتحققة هنا هي الأنا أو الذات الفردية، إنها بتعبير آخر تلك المرحلة من مراحل الروح التي تتحقق فيها النفس من أن مضمونها ليس شيئا غريبا عنها. وهنا ينتقل هيجل من الأنثروبولوجيا إلى الفينومينولوجيا أو الوعي.
- الوعي ويدرسه بالأساس علم الفينومينولوجيا: وقد قدم هيجل أفضل عرض في كتابه "ظاهريات الروح" أو ما يسمى ب "فينومينولوجيا العقل"، ويتناول في هذا الكتاب ستة محاور كبرى: - الوعي – الوعي بالذات - النطق - العقل - الدين - المعرفة المطلقة. الترجمة التي أشرنا إليها لا تشتمل إلا على الفصلين الأوليين (الوعي والوعي بالذات). والوعي "وعي بالموضوع من جهة وبنفسه من جهة أخرى، أي بما ينزل عنده منزلة الحق وبالمعرفة المتحصلة لديه عن هذا الحق". ويضيف هيجل في إطار تعريفه للوعي (المرجع الأخير ص 73) قائلا: " ...ذلك أن الوعي يدرك شيئا ما، وهذا الموضوع هو الماهية، أو هو الشيء في ذاته، ولكنه أيضا الشيء في ذاته بالنسبة إلى الوعي... فنحن نرى أن الوعي له الآن موضوعان: أحدهما هو الشيء الأول في ذاته وآخرهما هو الكون للوعي لهذا الشيء في ذاته. هذا الموضوع الأخير يبدو للوهلة الأولى أنه انعكاس للوعي في [مرآة] نفسه: تمثل منه لا لموضوع بل لمعرفة بالموضوع الأول ليس إلا. بيد أن الموضوع الأول ... يتغير في خلال هذه الحركة، فلا يعود هو الشيء في ذاته بالنسبة إليه، بحيث يغدو ذلك الكون له لهذا الشيء في ذاته هو الحق" (الموسوعة ص 73). والوعي في هذا القسم ثلاثة أنواع:
1-الوعي الأصلي، 2-الوعي بالذات، 3-العقل:
1-الوعي الأصلي: يمر بثلاثة مراحل: - الإدراك المباشر للموضوع الفردي ويشكل ما يسميه هيغل: الوعي الحسي. (وهو موجود، ينسب صفة وجوده إلى الموضوع فقط، ولم يدرك أي شئ عن الموضوعات الأخرى. ولو أنه يدرك ذلك لأصبح شيئا آخر غير الوعي الحسي. ويسمى الوعي بالحواس، وعي يرتكز فقط عما يدور حوله دون غيره). وما دام الوعي الحسي يقتصر فقط على ما هو محسوس ظاهري في الشىء، فإنه بذلك ناقص وسلبي، يستدعي ظهور نوع آخر من الوعي، ألا وهو الإدراك، وهو كذلك حسي. وبذلك فالمرحلة الثانية هي الإدراك الحسي. لكنه يكشف أيضا عن تناقض ذاتي (بين الكلي والفردي) ومن هنا تظهر ضرورة وجود نوع أعلى منه. هو الفهم.
- يظهر الفهم كما قلنا من تناقض الإدراك الحسي. والفهم ليس هو العقل لأن الفهم يضع تعدد الحس على أنه مظهر في جانب، كما يضع الكلي في جانب آخر بوصفه الحقيقة الواقعية. وهي المرحلة الأخيرة من الوعي الأصلي.
2-الوعي الذاتي: إن الوعي الأصلي ينظر إلى الموضوع على أنه مستقل عن الذات (وجود غريب لا يمكن النفاذ إليه: أي سلب الذات أو اللا ذات) أما الوعي بالذات فهو نوع جديد. على نقيض الوعي الأصلي يرى في الموضوع نفسه ولا ينظر إليه على أنه مستقل أو غريب. والذات هنا ذات وهي نفسها. والوعي الذي يدرك الذات (كالإنسان) هو وعي بالذات أو الوعي الذاتي. ذلك أن الحيوانات على سبيل المثال لا تمتلك وعيا ذاتيا لأنها لا تدرك ذاتها بوصفها ذات. والوعي الذاتي يتطور في ثلاثة مراحل أيضا: * الميل الفطري أو الرغبة الغريزية * الوعي الذاتي المعرفي * الوعي الذاتي الكلي
وفي المرحلة الأخيرة فقط يدرك الوعي الذاتي ذاته بوصفها وحدها الوجود المستقل وينفي ويلغي استقلال الآخر. والعبد ليس وعيا ذاتيا لأن حريته مسلوبة وبالتالي استقلاله الذاتي ملغي (وكل استلاب للذات، يعني إلغاء لها، انعدامها وهنا وجب نبذ العبودية والرق) ووعيه يبقى في مرحلته الأولى أي في مرحلة الوعي الأصلي فحسب.
3 – العقل: إن مبدأ العقل هو مبدأ هوية الأضداد. حيث الموضوع متميز عن الذات، لكنهما متحدان، إن العقل هو وحدة الوعي الأصلي والوعي الذاتي، أي وحدة الحالة التي يكون فيها الموضوعي الذاتي مستقل ومتميز عن الذات ونقيضه الذي يصبح فيه الموضوع متحد مع الذات في هوية واحدة. هذا فالعقل كمبدأ وحدة الضدين، يتضمن تمييز الموضوع عن الذات ومتحد معها في وقت واحد إنه "الهوية في التباين" أو "الوحدة في الإختلاف".
- علم النفس / الذهن: وتعني كلمة الذهن عند هيجل: الوجود الروحي بصفة عامة (الذي يبدأ في تطوره من الأنثروبولوجيا ويستمر على طول فلسفة الروح كلها). والوجود الروحي بصفة خاصة (بوصفه أعلى مرحلة من مراحل الروح الذاتي). إن الذهن هو موضوع علم النفس من وجهة نظر هيجل (وربما لا يبقي أي أساس قيمي لهذه النظرة في علم النفس المعاصر) وهو ثلاثة أنواع:الذهن النظري أو المعرفي: إنه الذهن في مباشرته ومضمونه موجود في البداية عثر عليه موجودا، والعقل يتصرف هنا في شيء موجود، أي أنه (العقل) حين يجد شيئا موجودا أمامه بالفعل، فإنه لن يتوانى عن معرفة هذا الشيء الذي وجد أمامه قائما. وهذا الشيء الموجود هو الذهن النظري، يتطور وفق ثلاثة مراحل:
الحدس: مرحلة المباشرة في الذهن النظري ، وهو ما يؤسس المعرفة الحدسية، التي يعتبرها، البعض بمثابة الحقيقة، لكن بالنسبة لهيجل الحدس هو أدنى مرتبة في الذهن النظري فصحيح أنه قد يتضمن حقيقة، لكنها حقيقة لا حقيقية، أي الحقيقة في صورة اللاحقيقة، إنه (الحدس) مجرد انطباع ذاتي للفرد والحدس يمارس عن طريق: الإنتباه، والشعور.
التمثيل: أي تمثيل الشيء الذي يظهر كمعرفة، يسير في مراحل ثلاث كذلك: - الإسترجاع - الخيال – الذاكرة. والذاكرة تمثل مرحلة انتقال من التخيل المحض إلى الفكر الأصلي.
التفكير: الإنتقال إلى هذه المرحلة هو انتقال يتم عبر مزج الحدس والتمثيل، فالحدس كلي والتمثيل جزئي.
والفكر عند هيجل هو وحدة الفكر نفسه والوجود (ذلك أن هيجل هنا ينتقد كانط الذي يقيم فصلا بين الفكر والوجود) أي وحدة الفكر ذاته مع الآخر. ويلخص هيجل نظرته للفكر في قوله: "نحن نعرف أن ما يدل عليه الفكر موجود، وأن ما هو موجود لا يكون كذلك إلا بمقدار ما يكون فكرا" وليس غرابة أنه ينظر إلى الفكر هنا كشيء حقيقي، كشيء هو الحق وليس الباطل، هو أن أصل الكل هو "الفكرة الشاملة" عينها.
- الذهن العملي أو الإرادة: إن الفكر هو أصل كل شيء، كما أن الكلمة في المسيحية هي أصل العالم، أصل كل شيء (هي الله متجسدة في عقول البشر) وما دام الفكر عند هيجل هو الذات أي أن موضوعه هو الذات لا غير، فإنه لا يرى في العالم شيء ماديا، بل شيء خلقه هو بفكره، والفكرة هنا هي "الله متجسدة في عقل هيجل" (وللمزيد من نقد الفكرة عند هيغل، يمكن الإستعانة بأطروحات فويرباخ في كتابيه: "أطروحات من أجل إصلاح الفلسفة" و "مبادئ فلسفة المستقبل" بالاضافة الى نقد فلسفة الحقوق عند هيجل لكارل ماركس). والذهن العملي هو الإرادة، هذه الأخيرة التي تتطور وفق ثلاثة مراحل:
الحس العملي أو الشعور: وهي لحظة الذاتية في هذا القسم.
الدوافع والإختيار: وهي الموضوعية، أو النقيض - السلب.
السعادة: وهي الذاتية والموضوعية "كلية لأنها الأنا"، حيث الانا هوية خالصة أو كلية خالصة (مبدأ الهوية أنا = أنا).
إن الإرادة ليست هي حال المعرفة بل هما متمايزتان، والفرق بينهما هو أن المعرفة ليست محدودة بنفسها، في حين أن الذكاء بوصفه إرادة محدد مضمونه. والإرادة مباشرة ومضمونها في المباشرة شيء موجود عندها بالفعل. ولا بد لهذا الموضوع أن يكون كليا، ولا يمكن أن يكون كذلك إلا بالسعادة لأنها الإشباع الكلي الذي تنشده الإرادة.
الذهن الحر: والروح الحر أو الذهن الحر هو أن تجعل الإرادة من نفسها موضوعا لذاتها، ذلك لأن الإرادة بما هي كذلك إرادة حرة، لأن الحرية تعني عدم التحدد عن طريق الآخر، أي ألا يحددها الآخر. إن الذهن الذي هو مرحلة انتقالية إلى الروح الموضوعي يعرف أن موضوعه هو ذاته هذه الاخيرة المحددة تحديدا ذاتيا (حرة) وهي بهذا لا متناهية ما دامت حرة.
II - الروح الموضوعي:
تمثل فلسفة الحق جوهر هذا المستوى الثاني من فلسفة الروح، وقد خصص كتاب "أصول فلسفة الحق" كاملا لهذا المستوى. لذا فالروح الموضوعي يبدأ بآخر فكرة وصل إليها الروح الذاتي، ألا وهي الإرادة، وموضوعه على غرار الأقسام السابقة من فلسفة الروح هو: دراسة وبحث الفكرة الشاملة بما هي كذلك.
إذا كان الروح الذاتي هو الروح منظورا إليها من الداخل، فإن الروح الموضوعي هو الروح / الفكرة منظورا إليه من الخارج، أو هو في حالة تخارج. الخروج إلى عالم تخلقه هي نفسها، وليس عالم الطبيعة، لأن هذا العالم موجود مسبقا؛ بل عالم التنظيمات الإجتماعية والسياسية والأخلاقية، عالم التقاليد والعرف والحقوق والواجبات الأخلاقية. إنه الحق في جانبه الصوري وجانبه المتعين، جانبه الموجود واقعيا، المادي، ومركبهما. الحق الذي يؤسس الأخلاقية الفردية والأخلاقية الإجتماعية أو الحياة الإجتماعية.
وتنقسم فلسفة الحق إلى ثلاث ميادين كبرى: الحق المجرد: ويتضمن : الملكية والعقد والخطأ.
الأخلاق الفردية أو أخلاق الضمير: ويتضمن: - الغرض – النية والرفاهية – الخير والشر.
الأخلاقية الإجتماعية أو الحياة الإجتماعية (الحياة الأخلاقية) أو الSITTLICHKEIT وتتضمن : - الاسرة – المجتمع المدني – الدولة. ويشكل هذا القسم الاخير جوهر الفكر السياسي الهيجيلي.
الروح المطلق:
وهو مركب الروح الذاتي والروح الموضوعي، وينقسم كمبحث إلى ثلاث ميادين كبرى:
1 – فلسفة الفن: وتتشكل من مجمل مساهمات هيجل في فلسفة الفن وأساسا محاضراته الشهيرة في الفن والتي تنقسم إلى:
الفن وأنواعه: الفن الرمزي والفن الكلاسيكي والفن الرومانتيكي
الفنون الجزئية: والتي يعالج فيها: فن المعمار الرمزي وفن النحث الكلاسيكي وأخيرا الفنون الرومانتيكية والتي تنقسم بدورها إلى: فن التصوير والموسيقى والشعر.
2 – الدين: حيث يعالج الدين عامة والديانة المحددة التي تتفرع الى ثلاث اقسام: الديانة الطبيعية والديانة الرفدية والروحية وأخيرا الديانة المسيحية المطلقة. وهو الجزء الذي يشكل اساس فلسفة الدين وهو نتاج المجهودات التي تبلورت فيما بعد لدى هيجل في محاضرات في تاريخ الفلسفة التي نشرت بعد وفاته والتي ألقيت في السنوات ما بين 1930 و 1931.
3 – الفلسفة: والتي يعين لها مهمة دراسة الفكرة المطلقة تلك الفكرة التي بدأ بها في علم المنطق، فالفلسفة بالنسبة لهيجل هي فلسفة تبحث عن المطلق تبحث عن الفكرة التي ترى أن المطلق هو موضوعها لذلك يقول ولترستيس: "فالفلسفة هي معرفة الفكرة نفسها لأن ما يعرف هو الفكرة، وما يعرف أعني العقل الفلسفي قد انفصل عن الحسي، فهو فكر خالص أو هو الفكرة" (نفس المرجع فقرة 758). وكما قال هيجل "إن الفلسفة دائرة مغلقة تدور حول نفسها" (الموسوعة). إن الروح المطلق هو ما يشكل جوهر فلسفة التاريخ والدين والاخلاق والحقوق لدى هيجل، وإجمالا الفلسفة السياسية.
إن الفلسفة الهيجيلية تبدو كبناء متناسق البنيان، ولا يمكن الحديث عن جزء منه دون الالمام بالبناء النسقي ككل، إنها فلسفة نسقية بامتياز، وهذا ما حاول هذا العرض أن يقدمه.


ذ، العلوي رشيد
طالب باحث – كلية الاداب والعلوم الانسانية بنمسيك الدار البيضاء

الجمعة، 11 ديسمبر 2009

حكومة العالم الخفية الجزء الاخير (إيطاليا وألمانيا) والخاتمة

أبرز أعمال الروتشيلديين
في إيطاليا وألمانيا

(( .. فالتنظيم سرِّي حتى بالنسبة إلينا نحن العريقين
في الجمعيات السرِّية)).
(مازيني)


روتشيلد يلغي الكنيسة الكاثوليكية
كان أمشيل يتابع تنفيذ الهدف (الشيطاني) الأساس (لليد الخفية)، وهو إلغاء الكنيسة الكاثوليكية عن طريق بونابرت، القائد الأعلى للقوات الفرنسية في إيطاليا. وفي سبيل ذلك خان كلُّ الماسونيين وطنَهم وساعدوا الفرنسيين.
وقد نجحت خطة روتشيلد ((وأخذ اللواء بيرثير البابا بيوس السادس (1717 – 1799) سجيناً من روما إلى فالنس في فرنسا حيث توفي. فيا لَخِسَّة الفرنسيين الذين لم يرسلوا البابا، السيئ الحظ، وهو في الثمانين من عمره، إلى مستشفى فرنسي فلا يقضي أيامه الأخيرة في دير وهو في وطنه))(
[1]). ولكن الأمر، كما كشفه روبسبيير في خُطبته الأخيرة فكلفه حياته، هو أنَّ الأجانب – عملاء أمشيل – يحكمون فرنسا.
نقرأ في دائرة المعارف البريطانية (المؤمركة Americanized Encyclopaedia Britannica): ((بعد اتفاقية سلام تولينتينو Tolentino في شباط 1797، مرض بيوس السادس فأمر نابليون بألا تُجرى انتخابات لخلف له، كما أمر بإلغاء الحكومة البابوية. وشرع السفير الفرنسي في روما مع عملائه في طبخ الثورة. واتخذ إعلان الثورة ذريعة فورية لإنهاء الحكم البابوي وإعلان الجمهورية الرومانية. وبعد مضيِّ ثمانية أشهر، وتحت حماية الإمبراطور الروسي، انتُخب بيوس السابع (بابا) في البندقية، ونجح في كسب ودِّ بونابرت، وتبع اعتلاءه كرسي البابوية (1800) الاتفاقية البابوية (Concordat 1801)، فأعيدت الكاثوليكية ديناً للدولة الفرنسية))(
[2]).

سر ((الألتا فينديتا Alta Vendita)) (1814 – 1848)
يقول الخبير جورج ف. ديلون: ((إن التوجيه الأعلى لكل الجمعيات السرية العالمية كانت تمارسه الألتا فينديتا (السوق العالي)، أو أعلى محفل للكاربوناري الإيطالية التي كانت توجه جميع نشاطات الجمعيات السرية من سنة 1814 إلى سنة 1848)). ولا يمكن تفسير هذا السر، الذي يتمثل في الدور المفاجئ الذي قام به المحفل الإيطالي من قيادة لكل الجمعيات السرية والمحافل الماسونية التي يرأسها عدد من الرؤساء المتوَّجين، إلا بتذكُّر كارل روتشيلد الذي بقي في ذلك الوقت في إيطاليا. وقد ذكر كثير من المؤرخين، وأبرزهم السيدة نستا وبستر، أن إيطالياً من أصل نبيل باسم مستعار هو نوبيس كان يقود الألتا فينديتا. وكان ساعده الأيمن، إن لم يكن رئيسه، اليهودي بيكولو تيغر، الذي كان يجوب أوروبا كلها متنكراً بثوب مرابٍ مالي متجول حاملاً التوجيهات للكاربوناري وعائداً محمَّلاً بالذهب لصندوق أموال نوبيس.
لقد أفشى ديزرائيلي اليهودي الثرثار جزئيّاً هذا (السر)، لما كتب عن سيدونا (ليونيل روتشيلد): ((لما كان سيدونا في التاسعة عشرة من عمره سكن فترة مع عمه (كارل) في نيبلس (نابولي) ثم قام بزيارة طويلة إلى أقرباء والده في فرانكفورت (العمِّ أمشيل)))، ((وقضى بين باريس ونيبلس سنتين. لقد كان من المستحيل أن تسبر غوره من شدة تحفظه. وهو يلاحظ كل شيء –على الرغم من حذره الشديد – لكنه يتجنَّب المناقشة الجادة.. فهو رجل بلا مشاعر)). أوليس هذا هو وصف هؤلاء المجرمين من الألتا فينديتا من أمثال نوبيس وبيكولو تيغر، الذين يتحركون دائماً كالشياطين، ساعين لالتهام بعض المسيحيين؟
ومما جاء في الكتاب أيضاً:
((رتب سيدونا في مؤتمر عائلي، عُقد في نيبلس مع رؤساء الأسَر التي تحمل اسمه، موضوع تنظيم ثروته الواسعة وإدارتها)). ((... وغاب سيدونا وقطع علاقاته خمس سنوات!!!)). ((وكانوا يعرفون وجوده من طلباته للدفع فقط)).. ((وسكن لفترة في ألمانيا ثم استقر في نيبلس. وهو شخصية تلفت الأنظار نحوها، واستفاد بذلك من بلاط مدين له)). أفلا يكون سيدونا هو نوبيس الغامض؟
ويؤكد ريفيز أن فرديناند الأول، ملك نيبلس، أُجبر على قبول الشرط الذي أملاه كارل روتشيلد
((بإعادة صديق اليهود مديتشي وزيراً للمال))(
[3]).


مازيني
اليهود أنفسهم أكثر أعداء السامية سوءاً، فبحبهم للافتخار والزهو يفضحون نذالتهم وخِسَّتهن. تقول النيويورك تايمز، التي يمتلكها اليهودي أدولف أوشس Adolph Ochs، عن إيرنستو Ernesto ناثان اللعين: ((والده من أبوين يهوديين، وكان محافظاً لمصرف الروتشيلديين في فرانكفورت. وكان مازيني الإيطالي الوطني يشارك في المنزل الذي وُلد فيه إيرنستو، وقد نشر الأخير أعمال الأول. وتوفي والده في 1859 وأصبح منزل والدته ملجأ للوطنيين. وغدا إيرنستو مدير إدارة صحيفة (شعب روما) التي أسسها مازيني... وفي 1907 اختاره مقاومو الإكليروس محافظاً لمدينة روما، مخالفين في ذلك تقليد تعيين المحافظ من الأُسَر الرومانية العريقة. ولم يُقابَل محافظ بذم يفوق حواجز الشفقة مثل الذي قوبل به ناثان الذي كان ماسونياً رقي إلى صدر أعظم، ثم أصبح صدراً أعظم ممتازاً))(
[4]). ومن هنا يتضح أنَّ الصحيفة تقرِّر أن أحد الروتشيلديين – ناثان – ذهب إلى روما (ليفسد) مازيني وغيره من الوطنيين.
وفي خطاب ناثان الآتي (انظر: شيطان القرن التاسع عشر) يؤكد ((خطة الجحيم The Plan of Hell)) التي ذكرها اليهودي ليمان، فهو يقول: ((إن الجماهير التي تحررت من وهم المسيحية ومفهومها للإله لم تحدِّد معتقدها بعد. إنها متعطشة إلى مثل أعلى، ولكن لا تعرف من تعبد، وستستجيب ((للنور الحق))، للتجلي العالمي للعقيدة اللوسفرينية (الشيطانية) Luciferian(
[5]). وهذا التجلي يظهر من الحركة العامة لردِّ الفعل الذي سيتبع نهاية الإلحاد والمسيحية اللذين سينتهيان ويُقضى عليهما في وقت واحد)).
((كان مزيني يدعو للمسيحية والوطنية على الرغم من أنه التحق بالكاربوناري حيث تنبَّهت إليه الألتا فينديتا التي تؤمن بأن العقل لا الجسم يجب أن يكون هدف الهجوم))(
[6]).
وقد شكَّ مازيني في أن الأسرار حجبها عنه رؤساء الألتا فينديتا، وراودت ماليغاري المخاوف نفسها، فكتب من لندن إلى الدكتور بريدنستين هذه الكلمات المعبرة: ((نحن في تنظيم من الإخوان في كل أنحاء المعمورة، رغائبنا ومصالحنا مشتركة، نهدف إلى تحرير الإنسانية، ونرغب في قهر كل صنوف الاستبداد، بيد أن هناك شيئاً بالكاد يُشعر به مع أن يثقل كاهلنا. من أين أتى؟ أين هو؟ لا أحد يعرف، أو على الأقل لا أحد يخبر. فالتنظيم السري حتى بالنسبة إلينا نحن العريقين في الجمعيات السرية)).
هذا التنظيم السري هو (اليد الخفية). فهي تكره مازيني وماليغاري لأنهما مسيحيان ووطنيان، ولا تريد أن تحرر الإنسانية من الاستبداد اليهودي بل تهدف إلى استعباد اليهود للبشرية.

بسمارك
سقط نابليون فأصبح الروتشيلديون بحاجة إلى سفاح آخر، فصنعوا أوتو بسمارك Otto Bismark.
تزوَّج والده وليم من لويزا مينكين Louisa Menken (أسرة يهودية)، وهي بورجوازية صغيرة من أصل مغمور، وأخذها إلى مقره الريفي الذي احتله الجيش النابليوني سريعاً، بل إن المارشال سولت – وهو يهودي بحسب رواية ديزرائيلي – اتخذ منه مقراً لقيادته.
ومن الثابت تاريخيّاً أن (لويزا كانت معرضة للانتهاك)، فشمبانيا المارشال اليهودي الباريسية، والقوة الآسيوية (المقنعة) وإيمان كليهما المطلق بفكرة (إسرائيل فوق الجميع)، كلها عوامل أكثر جاذبية لقلب اليهودية من (بيرة) زوجها الألماني الإقليمي وذكائه. ولم يُخفِ سولت إعجابه العظيم بالسيدة بسمارك – مينكين وابنها (رجل الدم والحديد) مستقبلاً(
[7]). وسُولت هذا هو أحد (الثلاثمائة عضو) في (اليد الخفية)، وقد احتل أعلى المراكز في فرنسا حتى وفاته في سنة 1851، وخان كل حاكم مسيحي عمل معه.
ذكرنا ب مكان آخر، أنَّ ليونيل علَّم ديزرائيلي خطط الشيطان، وكان يصحبه معه دائماً إلى باريس، حيث قدمه جيمز روتشيلد الثالث، وهناك تعرَّف إلى الوزير البروسي اليهودي الكونت أرنيم، وأصبحا صديقين بفضل ليونيل، وربما كان اليهودي سولت، عضو مجلس الوزراء الفرنسي، يتحدث كثيراً عن ابنه أو ابن عشيقته اليهودية مينكين (السيدة بسمارك). وهكذا قررت العصابة اليهودية احتضان بسمارك، الذي كان بحاجة ملحَّة للمال، فهو منذ سنة 1839 يعاني أزمةً عمَّت البلاد.
وكان الروتشيلديون وديزرائيلي وسولت وأرنيم يراقبونه ويسعون إلى استغلاله. وفي سنة 1839 كشف بسمارك – كديزرائيلي – عن اتجاهات ثورية انقلابية، بيد أن جيمز طلب منهما أن يلعبا لعبة ((المحافظة)) (كانت هي المنتصرة وقتذاك) حتى يتسللا إلى المجتمع الراقي ويقبضا على السلطة. وهكذا غيَّر بسمارك وديزرائيلي اتجاهاتهما الثورية ولبسا قناع الأفكار المحافظة. وقد تزوج اليهودي أوسكار أرنيم أخت بسمارك الحبيبة إليه (مالفينا) في 1844، وكان أوسكار عصواً في الرايخستاغ، بينما كان بسمارك تحت تأثير أخته الدائم.
قد يجد بعض القراء تناقضاً بين تحذير المسيح (من أن اليهود ينفِّذون شهوة الشيطان للقتل) وواقع كون بسمارك وديزرائيلي يهوديين وهما زعيما الحركات المحافظة(
[8])، لذا أذكِّر هؤلاء بأنه في الوقت ذاته كان اليهود: كارل ماركس وفرديناند لاسال وإنجلز وغيرهم يتزعمون الحركة البلشفية، كما أنَّ بسمارك وديزرائيلي (اليهوديين) زجا بلديهما في حروب متعددة.
كتب اليهودي راثينو Rathenau، دكتاتور ألمانيا سابقاً: (ثلاثمائة رجل يعرف كل منهم الآخرين، يتحكمون في قدر أوروبا ومصيرها، وينتخبون خلفاءهم من بطانتهم، وهؤلاء اليهود الألمان يقبضون على وسائل تقضي على كل دولة لا تذعن لمخططاتهم)(
[9]).
على هذا فراثينو إنما يعيد قول ديزرائيلي: (يُحكَم العالم بأشخاص مختلفين اختلافاً شديداً عمن يتخيلهم الناس الذين لا يعلمون بواطن الأمور). وهذا يعني أن الحاكمين ليسوا القياصرة والأباطرة والرؤساء وإنما هم (الثلاثمائة يهودي) الذين يشكلون (الحكومة العالمية) المعروفة بـ(اليد الخفية).
وبعد أربعين سنة من إعلان ديزرائيلي، وقبل أربعين سنة من قول راثينو، قال بسمارك القول ذاته بصيغة أخرى، فأشار إلى (أن الرجال العظماء مدينون بشهرتهم، إن لم يكن للحظ فعلى الأقل للظروف المواتية التي هم أنفسهم لا يدركونها).
وربما كان سولت اليهودي وأحد الثلاثمائة، الأب الحقيقي لبسمارك، ولاسيَّما أن السيدة بسمارك كانت عشيقة سولت، وربما اختار سولت بسمارك خليفة له كأحد الثلاثمائة الذين يتحكمون في مصير أوروبا. والشيء ذاته ينطبق على ديزرائيلي وعدد من اليهود الذين لعبوا دوراً كبيراً في الشؤون العالمية.
وقد اعترف بسمارك بعلاقة والدته بسولت فقال:
((ليست قدراتها ولا مواهبي هي التي صنعت مني رجلاً عظيماً، ولكن الحقيقة أنَّ أمي كانت عشيقة سولت، أحد الثلاثمائة، فساعدني)).
((ليس هناك خطأ أكثر خلطًا من الزعم بأن الثورات تسببها عوامل اقتصادية. فالعوامل الاقتصادية تساعد، بلا شك، على إرساخ كارثة ولكن نادراً ما تتسبب في صنع كارثة))(
[10]).



خاتمة

{وَأعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ..}
[الأنفال: 60]



نشرت ((دار النفائس))، خلال السنوات الثلاث الماضية، عدداً من الكتب تناولت فيها تاريخ فلسطين القديم، ومعتقدات اليهود الدينية، من خلال التوراة والتلمود، ومنظماتهم السرية، ومخططاتهم ضد البشرية، ونفوذهم الدولي.
وكان لقرَّاء هذه الكتب آراء متباينة في موضوع نشرها. بعضهم تحمَّس لها وأيَّد نشرها وشجَّعنا، فله الشكر. وبعضهم انتقدنا، وله الشكر أيضاً، لأنه لفتنا إلى بعض الأمور. والمنتقدون قسمان: ناقد مخلص وآخر مغرض. ومع أن مبيع هذه الكتب يرجح كفة المؤيدين، فإن ذلك لا يمنعنا من تبيان وجهة نظرنا في أهم الانتقادات البنَّاءة.
فهناك من يرى أن نشر الكتب التي تتناول اليهود وتُظهر إمكاناتهم يثبط الهمم ويضعف المعنويات، ويجعل الناس مستسلمين (لقدر لا بدَّ منه، ومن يتساهل من أصحاب هذا الرأي يُطالب بحصر الكتب المماثلة في فئة من المواطنين يحددها بالطبقة الواعية. رأينا يختلف: نحن نرى أن معرفة العدو على حقيقته هي الخطوة الأولى في طريق الانتصار عليه، هي كمعرفة الطبيب للمرض، لا يبقى بعدها سوى استعمال الدواء المناسب. صحيح أن التهويل بقدرة العدو يؤثر في معنويات الشعب، وهو هدف كل حرب نفسية يقوم بها العدو، لكن التهوين من قدرته أمر لا يقلُّ خطورة عن التهويل، وعدم معرفة العدو على حقيقته جريمة لا تُغتفر، نتيجتها المفاجأة بعدو لم نعدَّ له الإعداد الكافي، وهذا ما حصل عام 1967 ويعرفه جميع الناس.
كنا نضع نصب أعيننا، ونحن ننشر هذه الكتب، إعلان الحقيقة، مهما كانت مُرَّة، مع التنبيه دائماً، في كل كتاب وفي عدَّة مواضع، إلى كل مغالاة نراها، مع اعتقادنا بأن مستوى القارئ العربي يعفينا من هذه المهمة في أغلب الأحيان. وأكدنا دائماً وجوبَ إعطائنا قضية النفوذ اليهودي حجمها الحقيقي. ورد في خاتمة كتاب (أحجار على رقعة الشِّطْرَنج): ((لذلك يجب أن تُعطى قضية النفوذ اليهودي حجمها الطبيعي))، فالتقليل من شأن العدو لا يختلف عن المبالغة في قدرته، كلاهما يؤدي إلى نتيجة واحدة. والعدُّو القوي قد يدفع فئة من الناس إلى الاستسلام، لكن هذه الفئة إذا ما فوجئت بعدو قوي تكون هزيمتها مخزية، أما الفئة الأهم في كل أمة فهي التي تقبل التحدي فتستعد لعدوها، لتواجهه بعتاد وعناد أقوى مما عنده.
أما أنَّ هذه الكتب يجب أن تُحصر بالطبقة الواعية، ولا شك أن أنصار هذا الرأي أقل الناس وعياً، فهذا يدفعنا إلى أن نسأل: مَن هي الطبقة الواعية؟ وما هي مقاييس تحديدها؟ ومن له حق تعيينها أو اختيارها؟ نحن نرى أن الطبقة الواعية تظهر من خلال التجربة. إن نشر الحقيقة بين الناس، كل الناس، يؤدي إلى بلورة الطبقة الواعية، فمن الناس من يقرأ عن العدو ليمضي الوقت، ومنهم من يقرأ وينسى، ومنهم من يقرأ فيفهم ويتَّعظ ويشعر بواجبه، فيتقدم تلقائيّاً ليشكِّل مع أمثاله الطبقة الواعية، إن صحَّت التسمية.
الانتقاد المهم الثاني مصدره المتديِّنون المسلمون بشكل خاص. يقولون إننا نهاجم اليهود ولا نفرِّق بين يهودي وصهيوني، ومن خلال ذلك نتعرض لليهودية مع أنها دين سماوي. ولنوضح هذه النقطة، نسارع إلى القول بأننا نؤمن بموسى وعيسى وغيرهما من النبيين على أنهم جميعاً رُسل رب العالمين، ولم يَدُر في خلدنا يوماً أن نهاجم أي دين سماوي.
إننا، من خلال ما نشرناه، نريد أن نوضح للناس أن اليهود تحوَّلوا منذ زمن مُغرق في القدم، إلى عصابة سريِّة مغلقة وضع أنظمتها بشرٌ حاقدون هم الحاخامات، ولا تمتُّ تعليماتها إلى رب العالمين أو إلى أي من أنبيائه الصالحين بصِلة(
[11]).
يقول بنيامين فريدمان في دراسة له موجَّهة إلى الأميركيين تحت عنوان ((يهود اليوم ليسوا يهوداً))(
[12]): ((لقد غسل أسلوب {الكذبة الكبرى} للاحتيال الشرير الذي لم يعرف تاريخ البشرية المدوَّن مثيلاً له, أدمغة مسيحيي الولايات المتحدة الأميركية ليغرس فيها الاعتقاد المخادع بأن من يزعمون أنفسهم {يهوداً} في كل مكان من عالم اليوم، يتحدَّرون من سلالة {القبائل العشر الضائعة} في تاريخ {العهد القديم}، وفق ما تزعمُه خُرافة {التشتت في زوايا الأرض الأربع}. والحقيقة أنَّ من يزعُمون أنفسهم يهوداً، المتحدِّرين تاريخيّاً من سلالة الخَزَر، يشكلون أكثر من 92 بالمائة من جميع من يسمُّون أنفسهم {يهودًا} في كل مكان من العالم اليوم. والخزر الآسيويون الذين أنشئوا مملكة الخزر في أوروبا الشرقية، أصبحوا يسمُّون أنفسهم {يهودًا} بالتحول والاعتناق([13]). سنة 720م، وهؤلاء لم يطأ أجدادهم قطُّ {الأرض المقدسة} في {تاريخ العهد} هذه حقيقة تاريخية لا تقبل جدلاً)).
وقد اختارت هذه العصابة أفضل جزء وأقدسَهُ من أرضنا لتسلبنا إياه وتقيم عليه مركزها الرئيس. اختارت فلسطين، وما أدراك ما فلسطين، فيها المسجد الأقصى، الذي يقول الله عزَّ وجلَّ فيه: {باركنا حوله}، وفيها كنيسة القيامة، وبموقعها الجغرافي تفصل بين آسيا العربية وأفريقيا العربية. وقامت بالقوة الغاشمة وبمساعدة المستعمرين وتآمر العالم السكوتي بتشريد شعب فلسطين، وإحلال مهاجرين يهود مكانهم في أرضهم وبيوتهم...
إنَّ إسرائيل خنجر، عمل بعض اليهود الصهيونيين بجد ونشاط على غرزه في جسد العالم العربي، وصفق لهم كل يهود العالم وانهالت معوناتهم، وما زالت تنهال باستمرار، على إسرائيل، تلك المعونات التي لولاها لما استمرَّ وجود الدولة (اللادولة). ليقف معنا اليهود الذين يدَّعون أنهم غير صهيونيين، وليساعدونا على إنهاء ما يسمى (دولة إسرائيل)، فيجدوا عندنا ما وجد آباؤهم في جميع الأقطار التي كان يحكمها آباؤنا. وسيعود (عصرهم الذهبي) كما يسمونه هم. فهم يعلمون، ونحن نعلم والعالم كله يشهد، أن اليهود لم يجدوا أرحم من أجدادنا باليهود في كل تاريخهم الممتلئ بالاضطهاد.
إذن، قضيتنا مع إسرائيل قضية واضحة محددة. لقد سلبنا الإسرائيليون أرضنا وقتلوا رجالنا ونساءنا ويتَّموا أطفالنا، ودَّنسوا مقدَّساتنا، فكانوا أكثر من مستعمرين، حتى اسم الأرض ثقل عليهم فغيَّروه ولم يتحمَّلوه.
ولئن استطاعوا البقاء بالقوة في أرضنا إلى هذا التاريخ فلا يعني ذلك أبداً إمكانية استمرارهم في الوجود جسماً غريباً في الجسد العربي، وها هي حرب رمضان(
[14]) تعطي برهاناً قوياً لكثير مما ورد في مقدمتي لهذا الكتاب.
لقد أُعِدَّ الكتاب للنشر قبل حرب رمضان، وشاءت الظروف أن أتلوا مقدمته على أحد الأصدقاء، ولما وصلت إلى آخرها وقلت: ((إن قوة العرب الذاتية أكبر من كل تصور... والعرب عاطفيون، والعاطفة سلاح ذو حدَّين، فكما يتصف أصحابها بالتسرُّع، و{طيب القلب} وربما السطحية في مناقشة الأمور.. فهم يجودون بأرواحهم رخيصة في سبيل ما يؤمنون به، وثأراً لكرامتهم إذا ما ثلمت.
إنَّ اتحاد العرب، وتوحيد جيوشهم، وتقديم الكفاءة في كل بلد عربي على الولاء، وتوظيف طاقات الأمَّة العربية في المعركة، يحوِّل واقع الهزيمة إلى نصر، واستجداء السلاح إلى تصنيعه، والندب على {حائط مبكى العموم} في هيئة الأمم إلى فرض الشروط على مجلس الأمن...)).
ضحك صاحبي وقال: لا شك أنك تحلُم... وكم تمنيت أن تبرهن الأيام صدق كلامي، فالمناقشة في الأمور المماثلة تبقى وجهة النظر فيها نظرية بلا برهان، حتى تؤكد الأيام.
وجاءت حرب رمضان.. وأنا هنا لا أريد أن أدخل في تفاصيل معاركها، ولا كيف بدأت أو كيف انتهت، ولا أريد أن أحلِّل نتائجها، فمجال ذلك في كتب أخرى، إنَّ ما يهمني منها هو الجزء الذي يعطي برهاناً على صدق ما ذكرت في مقدمة الكتاب. فمن جملة ما أثبتته هذه الحرب:
1- أثبت الجندي العربي أنه مقاتل من الطراز الأول، مستعد للتضحية، قادر على إتقان استعماله لأدقِّ الأسلحة الحديثة بسرعة ومهارة، وهذا ما دعا أحد كبار المراقبين العسكريين، الذين كانوا في سورية أثناء الحرب، إلى القول: ((إنَّ الجندي السوري مقاتل ممتاز وإن كان يحتاج إلى مزيد من التدريب، أما الطيار السوري فهو بطل عالمي))، والنتيجة التي كانت تسفر عنها المعارك بين (الميغ17) و(الفانتوم) أكبر دليل على ذلك. لم يتغير السلام ولا الإنسان الذي يستعمل السلاح، وإنما تغيرت نفسيته وظروفه.
2- ظهرت النواحي الإيجابية في صفة (العاطفية)، فوقفت الشعوب في كل قطر عربي وقفة واحدة واندفعت وراء قادتها، رغم ما يوجد من هوَّة بين الحاكم والمحكوم في معظم هذه الأقطار. وكذلك التقت الحكومات العربية، على اختلاف مذاهبها ورغم الخصومات التي سبقت المعركة، على صعيد واحد، وتنافست فيما بينها في ما تقدمه للمعركة {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ اْلمُتَنَافِسُونَ} [المطففين:26] وإذا بزعيم (الرجعية)، كما كان يُدعى في بعض الأوساط التي أسهمت بنصيب وافر بانقسام العرب، أكثر الناس تصلباً في القضية الوطنية وأكثرهم بذلاً وسخاءً في تمويل المعركة، واستيقظ الذين ناموا على خلافاتهم على وحدة الصف ووحدة الرأي، أكسبتهم احترام جميع شعوب الأرض وحكوماتهم.
3- اقتنع مَن كانوا يتطرَّفون في اتهام المخالفين لوجهات نظرهم بخطأ مواقفهم السابقة، حتى خاف بعضهم من الاتهام. وبدا من سلوكهم كثير من التعقل، وظهر بينهم اتجاه قوي يدعو إلى حل الخلافات ضمن حدود الاحترام المتبادل لوجهات النظر المتباينة.
4- ظهرت إمكانيَّة العرب وطاقاتهم من خلال استعمال جزئي لما يملِكون من طاقات. فإذا بتخفيض بسيط لإنتاج النفط مع حظر تصديره إلى بعض الدول يقلب جميع مفاهيم العالم الاقتصادية والسياسية، وإذا بالكبار الكبار سابقاً يسعون لكسب وُد من كانوا يعتقدونهم صغاراً.
5- ظهرت أهمية الوحدة العربية من خلال وحدة الصف في أثناء المعركة والنتائج التي أسفرت عنها تلك الوحدة. والحقيقة أنَّ الوحدة العربية الكاملة هي أمل كل عربي، فبالإضافة إلى وحدة اللغة والتاريخ والدين والتكامل الاقتصادي وغير ذلك، فللعرب مصلحة تزداد كل يوم إلحاحاً في الوحدة. صحيح أن واقع التجزئة، بالإضافة إلى عوامل أخرى كثيرة ومعروفة، خلق بعض التناقضات بين الشعوب العربية، غير أن هذه التناقضات وما نشأ عنها من حواجز، حالت حتى الآن دون الوحدة، تنهار الواحدة تلو الأخرى. وربما كانت حرب رمضان أكبر برهان على ضرورة الوحدة وأهميتها في وقت يظهر فيه العدوُّ الرضوخ والرغبة في السلام، أملاً منه في أن يتكفل الزمان بإعادة الفرقة والتصارع إلى الحلبة العربية، وربما سجَّل التاريخ لهذه الحرب بداية وحدة حقيقية بين جميع الشعوب العربية.
6- هذه النتيجة أذكرها لأهميتها البالغة، رغم أنها لا تدخل ضمن الإطار الذي حددته لنفسي في هذه الخاتمة، وهي عودة العرب ليأخذوا دورهم الطليعي في تلاحم إسلامي، تجلَّى بأروع مظاهره في مؤتمر لاهور. فقد ذهب العرب إلى المؤتمر هذه المرة مسلَّحين بأشياء فقدوها سابقاً، وذهبوا إلى المؤتمر هذه المرة وهم منتصرون، ولو أنه نصر غير كامل، بينما كان شبح الهزيمة يلاحقهم أينما ذهبوا. ذهبوا وهم متفقون بينما كانت الفرقة تتحكم فيهم. ذهبوا هذه المرة وهم مؤمنون بأهمية العودة إلى عقيدتهم وضرورتها، بينما كان قسم كبير منهم يكفر بعقيدته ويحمِّلها الجزء الأكبر من الهزيمة ليجد في ذلك مبرراً للارتباط في ذيل (دين) جديد.!
وفوق كل هذا، هم هذه المرة يدركون أهمية ثرواتهم الضخمة وهم على استعداد لتوظيفها في خدمة أهدافهم.
لقد كان العرب منذ سنوات، كما قال المفكر الإسلامي الهندي أبو الحسن الندوي في إحدى محاضراته في لبنان مخاطباً الحضور ويقصد العرب: ((لقد كنتم لنا مصدر كل خير في الماضي، ويؤسفني أن أقول لكم الصراحة: أنتم الآن مصدر كل شر...))
أما اليوم فقد تغيرت الصورة، وبدت في الأفق بوادر تغيُّر قد يكون، كما قال غسان تويني(
[15]) عن مؤتمر لاهور: ((وقد نكون عشنا خلال ثلاثة أيام مفترق طرق تاريخيّاً لا ندري بعد أهميته، وقد يُقال عنه غداً: إنه فاتحة عصر ذهبيٍّ جديد)).
وقد قطع المسيحيون العرب الطريق على محاولات تدويل القدس وتحريك المسيحيين ضد اللقاء الإسلامي، فبرز التفاهم الإسلامي المسيحي بأجلى مظاهره، بذهاب وفد مسيحي برئاسة رجل دين إلى المؤتمر، تعبيراً عمليَّاً عن تأييد المسيحيين الكامل للِّقاء الإسلامي، وبتساؤل نقله إلى المؤتمر رئيس وزراء لبنان عن لسان رئيس الدولة المسيحي الوحيد في الدول العربية(
[16])، قال: ((هناك ثلاثة أديان تهتمُّ بالقدس، واحد منها لا يعترف بالدينين الآخرين ولا يحترمها، والثاني يعترف بأحدهما ويحترم الثالث، أما الدين الثالث فيعترف بالدينين الآخرين ويحترمهما... فالسؤال: لمن تكون مسؤولية حماية قدسية القدس؟)).([17])
7- أثبتت الحرب أن إسرائيل لا يمكنها أن تعتمد على نفسها، وأنَّ وجودها مرتبط في تبنِّي دولة كبرى لها ودعمها، ومع أن الحلول المطروحة الآن قد تعطي إسرائيل ضمانة دولية وحقاً في الوجود، فإن ذلك لا يمكن أن يبدِّل منطق التاريخ، وتبقى القضية قضية سنوات تزداد أو تنقص. فقد صرح بومبيدو، رئيس جمهورية فرنسا الراحل(إحدى دول العدوان الثلاثي على مصر عام 1956) بعد حرب رمضان بأشهر(
[18]) وفي أثناء مفاوضات السلام، بقوله: ((لا أستبعد عقد اتفاق سلام بين إسرائيل ومصر وبلدان مجاورة أخرى، ولكن ما يجعلني متشائماً هو أنَّ مثل هذه الاتفاقات لن تحظى باعتراف سكان البلدان المعنية أو قبولهم، ومن المحتمل أن تبدو نوعاً من الهُدنة الطويلة أكثر مما هي سلام نهائي)).
ولعل من المفيد والمقنع بوجهة النظر هذه ، ذكر هذا المقطع من رسالة وجَّهها الشيخ بيار الجميل، زعيم حزب الكتائب اللبناني، وهو الحزب المتهم ببُعده عن التحمُّس للعروبة، قال الجميل: ((..إسرائيل كما هي تشكِّل إساءة مزدوجة. فقد أساء وجودها إلى العرب وإلى اليهود بآن واحد. فهي، عدا عن كونها قائمة على أنقاض وطن آخر لشعب آخر، فقد ورَّطت اليهود في مغامرة لا أستبعد أبداً أن تنتهي بمأساة أخرى لشعب شبع مآسي وظلمات))(
[19]).
هذا الكلام ليس ضدَّ اليهود ولا مصدره المتطرفون ضدهم، لكنه كلام كله صدق وكله حكمة وعقل. ولئن تنبَّه زعماء اليهود العقلاء، وغير المتطرفين إلى حقيقة وضع إسرائيل، وسعَوا إلى تأمين ضمان دولي لها، فإن ذلك لن يؤدي في النهاية إلى قبولها من المجتمع العربي. إن حلَّ مشكلة اليهود واحد لا ثاني له، هو التنازل الطوعي عن اسم إسرائيل وإعادة سكان فلسطين الأصليين إليها، ونزوح الدخلاء من اليهود غير الشرقيين عائدين إلى بلادهم أو إلى بلدان أخرى يختارونها، وإنشاء دولة ديمقراطية يعيش فيها اليهود الشرقيون كغيرهم من الطوائف؛ عندها فقط سيهنأ اليهود الذين سيبقون في عيشهم مع العرب المتسامحين، وإلا فإن النهاية ستكون فعلاً مأساة جديدة لشعب شبع مآسي.
وكما قلنا في مقدمة الكتاب: ((وعندها سيحمد العالم الذين أوجدوا إسرائيل أن جمعوا اليهود في فلسطين، وستطل روح مؤلف كتابنا هذا من السماء ضاحكة من كل جهد بذلة الصهيونيون، وأضاع هو الوقت في تسطيره هذا الكتاب)).
إلى هنا تنتهي خاتمة الكتاب، كما وردت في طبعته الأولى، ولم أشأ تغيير ما كتبت في ظل حرب رمضان لعام 1973 التي أحيت آمالاً وصنعت أحلاماً، بينما يعاد طبع الكتاب في أوائل العام 2004 في ظلام الحملة (الصهيوصليبيبة) على العرب والمسلمين، وتداعيات احتلال العراق، وبروز الاستعمار من جديد.
ولا شك في أن القارئ الذي انتهى من قراءة الكتاب سيدرك أهمية المعلومات التي تضمنها، على الرغم من تاريخيتها،لأن الأحداث تتكرر في الوقت الحاضر بأشخاص آخرين، والمخططات تعدَّل، ولا تحيد عن أهدافها. ولا شك في أن القارئ سيتساءل أيضاً عن مدى سيطرة اليهود وتجار الحروب وتحكُّمهم في أموال العالم وثرواته، ولماذا ننشر ما مضى ونتغافل عن الحاضر وهو أكثر أهمية وفائدة(!) وهو على حق في تساؤله، ولكن عذرنا أننا نسعى وراء ذلك فلا نجد العارفين ببواطن الأمور، أو القادرين على كشفها. ومع جهلنا بالأشخاص الذين يديرون سياسة العالم من وراء الستار ومخططاتهم، فإننا نلمس نتائجها مما يجري على رقعة العالم بعامة، والعالم العربي والإسلامي بخاصة.
ونستطيع أن نقول بثقة كبيرة إنه لا حلَّ لمشكلات العالم المختلفة وبخاصة الاقتصادية، التي تتفاقم يوماً بعد يوم، إلا بنزع السيطرة المالية من (الأيدي الخفية) التي تتحكم بثروات العالم وتوجه سياساته من وراء ستار.
إنهم يقدمون إلى الناس ورقة لا قيمة لها عندما يريدون أن ينزعوا قيمتها منها، لأنها في الحقيقة لا تساوي ثمن ورقها.
ولا بدَّ من أن ينتهي في التعامل المالي بين الدول: سجلنا لكم، أو سجلنا عليكم، كذا دولاراً. يجب أن نعطيهم نفطاً أو غيره، فيعطوننا ذهباً نشتري به ما نشاء، وممن نشاء، ونوظِّفه حيث نشاء. وعلينا أن نضمن لأنفسنا سلامة أموالنا، فلا نصادر، ولا نستولي على أموال بعضنا بحجج ثبت بطلانها، لنبعث الاطمئنان في نفوسنا. وسيلاحظ القارئ أيضاً ما توصَّل إليه اليهود، هو ثمرة سنوات طويلة من العمل والبذل والتضحيات، وهم يحصدون حالياً ما زرعوه سابقاً، ونحن نحصد ما زرعنا... فماذا يزرعون اليوم، وماذا سيحصدون غداً؟ وما نزرع نحن وأي حصاد ننتظر؟
كيف لا يدرك بعضنا أن لسان حال الكيان الصهيوني وتصرفاته تعلن جهاراً: أنا تغلبت على العرب مجتمعين، واستوليت على أرضهم بالقوة، والقوي يفرض شروطه وإرادته، وعلى العرب أن يطيعوا ويتنازلوا.
والتنازلات لا نهاية لها، والمطامع اليهودية لا حدود لها، لذلك لا حل إلا عندما يشعر العدو بأن العرب أصبحوا قادرين على استرداد حقوقهم بالقوة إذا دعت الحاجة إلى استعمالها.
بعد هذا ألا يجدر بنا وبحكامنا ومفكرينا أن نسعى جميعاً لتدارك ما يهيأ لنا فلا نلحق بالأمم البائدة؟
إن سنن الله في خلقه أن يجني الإنسان ما قدمت يداه... وهو الموفق، وعليه الاتكال.


أحمد راتب عرموش
















المؤلف شيريب سبيريدوفيتش
هل قتلوه؟


نعَتْ جريدة ((النيويورك تايمز)) المؤلف الكونت(
[20]) شيريب سبيريدوفيتش، في عددها الصادر بتاريخ 23 تشرين الأول 1926، فقالت تحت عنوان ((وفاة الكونت سبيريدوفيتش في غرفة بفندق ستاتن آيلاند متسمِّماً بالغاز قبل موعد اجتماع سلافي كبير بيوم واحد)).
توفي أمس، متسمِّماً بالغاز، الكونت آرثر شيريب سبيريدوفيتش الذي كان يطمح إلى توحيد ملايين السلافيين المشرَّدين في جميع أنحاء العالم، وذلك في غرفته في (باريت مانور).
وتصادف الوفاة في اليوم السابق لمؤتمر سلافي كان سيبدأ انعقاده يوم الاثنين، بعد عدَّة سنوات من التحضير. وكان المتوفى قد نظم عدداً من المؤتمرات وأرسل كثيراً من النشرات تتعلق بخطته لوحدة سلافية.
وكانت صاحبة (باريت مانور)، السيدة هارييت بولي، قد قرعت باب الكونت أمس فلم يأتها جواب، وعندما شعرت برائحة الغاز أعلمت الشرطة التي كسرت الباب. وبعد التحقيق اتفق الدكتور جورج د.مورث، مساعد الطبيب الشرعي، والدكتور وليم بيتيت على أن الوفاة قضاء وقدر.
والكونت سبيريدوفيتش وجه غريب أمضى وقتاً طويلاً متنقلاً بين أوروبا وأميركا في المهمَّة التي اختارها لنفسه، وهي توحيد المائتي مَليون سلافي في منظمة واحدة، وقد سمى نفسه (منظِّم الاتحاد الأميركي السلافي واللاتيني في الولايات المتحدة).
وقد أرسل الكونت من غرفته في هارلم، في حزيران المنصرم، آلاف النشرات طالباً تأييد منظمته، والاشتراك السنوي فيها دولار واحد. وكان قد أعلن أن الملكة ماري، ملكة رومانيا، ستحضر المؤتمر المحدد عقده يوم الاثنين. وقد أتى ذكر الكونت مراراً على صفحات الجرائد خلال الخمس والعشرين سنة الماضية.
ففي عام 1907 قدَّم إلى الرئيس روزفلت كأساً فضية باسم الاتحاد السلافي في موسكو، كعربون تقدير للرئيس الأميركي بسبب مساعيه لإنهاء الحرب الروسية – اليابانية.
وخلال تلك الزيارة، بحث مع الجمعيات الأرمنية في جدوى تأليف لجنة في أميركا لإثارة الرأي العام الأميركي ضد تركيا بسبب معاملتها للأقليات في أرمينيا ومقدونيا وألبانيا والبلاد العربية، وقد ناشد الأرمن أن يوحدوا صفوفهم ضد أرمينيا.
وفي عام 1908، ذكر أن الكونت سبيريدوفيتش يحاول إيجاد فتاتين أميركيتين غنيتين لزوِّجهما بولدي الملك إسكندر ملك صربيا. وبعد ذلك قيل إن الكونت نفسه على وشك الزواج بأرملة أميركية ثريِّة. وقد جاء في رسالة صحفية صادرة عن (سانت بطرسبرغ) أنَّ الكونت ولو كان من عائلة كبيرة، إلا أنَّ لقب النبالة الذي يحمله منحه إياه الفاتيكان وليس روسيا، وقد قيل إنه يتحدَّر من عائلة ليتوانية عريقة، إلا أن لقب كونت الذي يحمله لم يُعترف به قطُّ في روسيا.
وقد دافع الكونت عن نفسه ضد هذه التهم وقال إن البابا بيوس العاشر هو الذي منحه لقب كونت روماني، إلا أنَّ وراءه ثمانية وستين جيلاً من النبالة، وأنكر أنه يحمل دماً صربياً في عروقه قائلاً: إن الادعاءات المذكورة في الصحف الأميركية هي من تأليف الشرطة الألمانية والنمساوية والتركية. والمشروع الذي حاول إيجاد رأسمال له هو ربط بحر البلطيق والبحر الأسود بقناة صالحة لمسير السفن.
وكان يلذُّ للكونت أن يقصَّ على معارفه كيف تفادى حدوث حرب عالمية قبل اثنتي عشرة سنة، وكان وثيق الاطلاع على الأمور الأوروبية. وخلال زيارته لنيويورك سنة 1920 وُضِع في (أليس آيلاند) {جزيرة أليس، حيث كان يُحجز الداخلون إلى أميركا من دون أوراق صحيحة} لمدة يومين بناءً على أوامر من واشنطن، وكان يومها من دون عائلة ولا يملِك شروى نقير.
وما قاله هوارد فيكتور فون برونز ثروب، وهو ابن الكونت سبيريدوفيتش بالتبنِّي، عن والده: ((كان ميجر جنرال {لواء} في الجيش الإمبراطوري الروسي، ورئيساً للجمعية الأميركية المناهضة للبلشفية، وكانت غايتها توحيد كل أعداء البلشفية في منظمة تعمل لمحو النظام السوفيتي)).
وقال السيد برونز إن أباه (بالتبني) بلغ الخامسة والسبعين من عمره، وكان له خمسة أبناء قُتل أربعة منهم في أثناء قتالهم ضد البلشفية ومات الخامس في منشوريا.
وقد نُقل الجثمان إلى (أدموند شيفرمورغ) في 537 باي ستريت،ستابلثون، بانتظار الدفن

مأخوذة عن ((النيويورك تايمز)) عدد 23/10/1926
[1] V. Fisher. (The Two Duchesses), P.162.
[2] Encyclopaedia Britannica, P.4889.
[3] Reeves, P.265.
[4] The New York Times, April 11, 1921.
[5] العقيدة اللوسفرينية: يدعى لها الآن في روسيا واليابان وغيرهما. (المؤلف).
[6] N. Webster, (World Revolution), P.122.
[7] تولى كارل بونابرت (والد نابليون) القيادة وكانت زوجته الصغيرة (ليتيتيا راموليني سابقاً) تصحب زوجها مشاركة في مخاطر القتال وصعابه وهي حامل بنابليون، وهذا ما كوَّن تعلق نابليون بالجندية. وحب الدم والحديد ذاته نراه عند بسمارك. أفلا يبرهن هذا على أن والده الحقيقي هو المارشال سولت، رجل المعارك اليهودي، وليس البروسي الهادئ والملاك الصغير والد بسمارك الرسمي!؟.
[8] تؤكد ((الجويش تريبيون)) النيويوركية، في عددها 9 كانون الثاني 1925، أن عائلة مينكين يهودية تتحدر من اليهودي حاييم سالومون الذي أعطى عملياً كل ثروته ليشعل الثورة في أميركا وبقي في الوقت ذاته غنياً، ما يبرهن على أن المال مال روتشيلد وليس ماله، وإنما أعطاه إياه روتشيلد ليبدأ الحرب. (المؤلف).
[9] (Plain English), June 11, 1921.
[10] Coningsby, P. 238.
[11] للتوسع: راجع كتاب (التلمود) للأستاذ ظفر الإسلام خان، و(التوراة) للأستاذ سهيل ديب، وكلاهما من مطبوعات (دار النفائس).
[12] صدرت هذه الدراسة عن دار النفائس في كتيب بعنوان (يهود اليوم ليسوا يهوداً).
[13] وهؤلاء يهوديتهم غير صحيحة طبقاً للتعاليم التلمودية اليهودية. ومن شاء الاستقصاء في هذا الموضوع فليتابع مناقشات الحزب الوطني الديني في إسرائيل حول قضية (من هو اليهودي)؟. (المحرر).
[14] تاريخ الحرب 10 رمضان 1393، 6 تشرين الأول 1973.
[15] في افتتاحية (النهار) يوم25 شباط 1974، وقد كان أحد أعضاء الوفد المسيحي إلى مؤتمر لاهور.
[16] الرئيس المقصود هو سليمان فرنجية رئيس جمهورية لبنان.
[17] عن صحيفة (الأنوار) البيروتية، العدد 4776، تاريخ 24 شباط 1974.
[18] عن جريدة (النهار) البيروتية، في عددها الصادر يوم 5 كانون الثاني 1974.
[19] عن صحيفة (الأنوار) البيروتية، في عددها الصادر يوم 16 كانون الأول 1973، ومن كتاب مفتوح إلى هنري كيسنغر، وزير خارجية أميركا، لمناسبة زيارته للبنان.
[20] كان يحمل رتبة ميجر جنرال في الجيش الإمبراطوري الروسي.

الخميس، 10 ديسمبر 2009

حكومة العالم الخفية الجزء السادس لـ[شيريب سبيرودوفيتش] إنكلترا

حكومة العالم الخفية الجزء السادس
إنكلترة

((ولما كانت إنكلترة على وشك أن تخسر الحرب,
قــدَّم لها اليهود مساعدة أميركا بشرط أن تَهبهم
فلسطين..))(
[1])।



الروتشيلديون يفسدون أخلاق الأرستقراطية البريطانية
كانت الأرستقراطية في كل الأقطار الأوروبية تخدم شعوبها بدون منة, وكان الأرستقراطيون ينفقون ثرواتهم التي جمعوها من الحروب, بينما كانت الطبقة الوسطى لا تحرك إصبعاً بلا مقابل, مما أدى إلى إغنائها بمرور الزمن.
وقد قدمت الطبقة الأرستقراطية البريطانية أفضل ما تملِك لإنقاذ مستقبل إنكلترا في صراعها مع نابليون وأطماعه في السيطرة, فنتج من ذلك أن صرفت هذه الطبقة كل ما تملك فأفلست. وعمَّ الضيق الصامت أكثر نبلاء بريطانيا ورجال الحكم فيها عقب نهب ناثان روتشيلد الثاني مبلغ 5.000.000 جنية بعد معركة واترلو بيوم واحد, ناثان الذي كان قذرًا إلى حد يستحيل معه قبوله في المجتمع اللندني. وكان ابنه ليونيل, أكثر الشياطين احتيالاً, يعي ذلك تماماً ويدركه.
((ومنذ سنة 1833 ومجلس العموم يقرُّ مشروع قرار لقبول انضمام اليهود إلى البرلمان, حتى بلغ عدد موافقاته على المشروع عشراً, لكن مجلس اللوردات كان يرفض المشروع ويردُّه. ثم اضطرَّ أخيراً إلى قبول المشروع واحتلَّ البارون روتشيلد مقعداً في المجلس في 26 تموز 1858))(
[2]).
وليهزم روتشيلد اللوردات العظماء الذين يعرفون تحذير المسيح من اليهود الشياطين,قتلة البشر, أمر اللورد ديربي Derby بتوحيد قواه مع ديزرائيلي. فأصبح اللورد ديربي ثانية رئيساً للوزراء وديزرائيلي وزيراً لماليته. وبهذا ارتبط كثير من اللوردات لتأمين حاجاتهم الاقتصادية في ليونيل روتشيلد الذي يعرفون أنه (رئيس) ديزرائيلي. أما كيف سيطر اليهود على الأرستقراطية الإنكليزية,فعبارتا السير (وست) الآتيتان تجيبان عن هذا السؤال:
أ‌- ((كم من مرة قابلني (يعني وايت ميلفيل) مع كلاب البارون روتشيلد, ليقول كلمة رقيقة تعكس شعوراً عظيماً بالرضى))(
[3]),(رغم أنه ربما كان يقول كلماته لإرضاء كلاب روتشيلد).
ب‌- ((في عشاء عند البارون روتشيلد طُلب من اللورد غرانفيل, وزير المستعمرات, أن يوظف سيدة Lady في وزارته, فأجاب بأنه لا يستطيع ذلك, لأنه من الصعب عليه أن يضمن حتى نفسه))(
[4]).
ولا يستطيع قارئ السير وست أن يعرف هل كانت صحبته لكلاب روتشيلد إجراءً روتشيلديّاً, أم أنَّ السير وست كان يظن أن من الخير له أن يرتبط بصحبة الكلاب لا بسيدها. وقبل مئات السنين قال النبي محمد(
[5]): {فَبِظُلمٍ مِّنَ اْلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اْللَّهِ كَثِيراًُ * وَأَخْذِهِمُ اْلرِّبَاْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ اْلنَّاسِ بِاْلْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}([6]). {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآءُوكَ فَاْحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاْحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}([7]).

حقيقة ديزرائيلي
الذين كتبوا عن ديزرائيلي وكل اليهود ((الكبار)), وهم في الحقيقة قتلة للبشر كبار, قامت (اليد الخفية) بعملية رفعهم إلى الصدارة, ومن هؤلاء غامبيتا وفينيزيلوس(
[8]) وميليراند كاهن وكيرينسكي وتروتسكي وغيرهم... أقول: إن أولئك الكتَّاب قد فشلوا في كشف سر نجاح هؤلاء اليهود وخرجوا بأكثر الفرضيات سخفاً ومنافاة للعقل.
لقد تعجب السيد هـ.و.و., الذي راجع المجلدين الخامس والسادس من كتاب (حياة ديزرائيلي) لبوكل Buckle, في (الديلي نيوز) في 7 حزيران 1920, فقال: (ما من عمل في التاريخ الإنكليزي أروع من عمل ديزرائيلي, وما من عمل لفَّه الغموض وحجبه كعمله).
وسبب ((الروعة)),و((الغموض)) أنَّ ديزرائيلي كان خادماً مطيعاً للروتشيلديين, مثله كمثل سائر الرجال العظماء الذين ذكرناهم آنفًا.
وخاف السيد المراجع للكتاب أن يذكر اسمه, إنما ذكَّرنا بأن كارليل وصف ديزرائيلي – وكان مُحِقّاً – بـ(المغامر) و(ساحر عبراني ممتاز). ومن النفاق الفاضح أن بوكل نسب أكثر الفضائل الحميدة إلى ذلك اليهودي, ولهذا اعترى السيد هـ. و. و. شعور بالخجل نيابة عن بوكل, فأخفى شخصيته. فقول بوكل: إن (ديزرائيلي انتصر على جميع المتعصبين ضده من الحزبيين) إنما هو كذب فاضح, فثروة الروتشيلديين وكل القوى الشيطانية كانت تقف خلفه لأنه (والينرود) إنكلترا(
[9]).
والقول إن ديزرائيلي (نهض بإنكلترا إلى أرقى المراكز رفعة) قول سخيف أيضًا، لأنه لم يكن إلا مجرد أداة (لليد الخفية) التي كانت في تلك اللحظات تخطط لسلسلة كاملة من الحروب، بما فيها الحرب الكونية الأخيرة, بهدف القضاء على المسيحيين وإسقاط الكنيسة والسيطرة على كل الممالك. ولم تكن الأمة الإنكليزية العظيمة بحاجة إلى ديزرائيلي.
لقد جعل ديزرائيلي رجال الحكم البريطاني من كل الأجيال يتشرَّبون الكذبة القائلة (إن روسيا العظيمة خطر على بريطانيا العظمى). وكما قال رانكين Rankin: (لقد طمس حقيقة عندنا عليها برهان صادق، ستسقط علينا وتسحقنا وتذرونا رمادًا كحجر خطيئة وصخرة إثم). أي إن روسيا لا تشكل خطراً بل هي نصير لبريطانيا.

ناثان يعجل في غزو إنكلترا
أُرغم ناثان على الفِرار إلى لندن حيث الميدان أكثر اتساعاً لممارسة استغلاله لسوق تبادل العملات (البورصة)، كما أنَّ وليم الثاني (1785 – 1821) أغرى أمشيل بتحويل كل معاملاته في لندن إلى مصرف فان نيوتين Van Notten إلى ناثان. وبالطبع كانت مجرد (مصادفة) أن تذهب عصابة من محفل فرانكفورت النوراني إلى لندن مع ناثان في سنة 1798 ليحاولوا الشيء ذاته! بيد أن البريطانيين كانوا أكثر ذكاء من أن يُخدعوا. وعندما غزا نابليون الأول ألمانيا دفع وليام التاسع (منذ سنة 1803 سمي وليم الأول المنتخب) إلى أمشيل 3.000.000 دولار، فأرسلها بدوره إلى ناثان في لندن. وفي تلك الفترة كان لدى شركة الهند 4.000.000 دولار ذهبي، فاشتراها ناثان ودفع ثمنها. وقد خزَّن ناثان الذهب في لندن لأنه يعلم أن دوق ويلينغتن Wellington بحاجة إليه، فباعه ما طلبه لقاء حسم كبير خاص، ولما طلبت الحكومة قرضاً من ذهبه حوَّله إلى البرتغال، وما أقرض الحكومة إلا بعد أن أجبرها على دفع قرض دوق ويلينغتن بقيمته الكاملة. فربح بذلك 50 بالمائة، وأعاد قرضه بفائدة 15 بالمائة، وعندما استعاده حوَّله إلى البرتغال بعمولة كبيرة.
لقد أراد دوق ويلينغتن الذهب حتى يدفع للمتطوعين في جيشه، وقد كانوا برتغاليين وأسباناً ويهوداً هولنديين. ولم يرسل جنيهاً ذهبياً واحداً ، إذ أن روتشيلد دفع لهم في البرتغال بحسب طلب الدوق. وكان ربح ناثان في هذه العملية 100 بالمائة، وهكذا حققت أموال وليم ربحاً هائلاً، غير أن الربح كان يذهب إلى خزائنهم هم.

ناثان يُخضع مصرف إنكلترا(
[10])
ولما شعر ناثان بالأمان وضع يده الجشعة على بنك إنكلترا. وأصبحت مصارف (الإصدار) مصارف تسليف للروتشيلديين يأخذون منها السيولة التي يريدونها. ولما احتاج جيمز إلى الذهب لبنك فرنسا بعث وزير المال الفرنسي المرتشي (ناثانَ) ليبحث عن الذهب في مصرف إنكلترا. وطلب المديرون بكل خجل من ناثان أن يعيد سبائك الذهب عندما لا يشعر بالحاجة إليها مرة أخرى. ولما جاء وقت إعادة الذهب بعث ناثان إليهم بعض أوراقه المالية، ولما سألوا عن الذهب أجابهم: (أرجعوا إليَّ أرواقي وسأبدلها بأوراق ((بنكنوت)) من بنك إنكلترا، وسأقدمها لأمناء صناديقكم لتبديلها إلى سبائك ذهبية، حتى ترجع إليكم. فبما أنكم لا تثقون بأوراقي فإنني لا أثق بأوراقكم النقدية التي في حوزتي). وفي اليوم التالي أصدر بنك إنكلترا إعلاناً بأن أوراق (البنكنوت) الصادرة عن روتشيلد، سيقبلها وكأنها صادرة عن بنك إنكلترا. وهكذا بدأت أوراق (البنكنوت) الصادرة عن مصرف روتشيلد، تكتسب (غِطاءً قانونياً).
ولما رفض مصرف إنكلترا الاعتراف بفاتورة تبادل مالي بتوقيع مصرف روتشيلد في فرانكفورت، بحجة أنَّ المصرف لا يقبل الأوراق الشخصية، قال بغضب عنيف: (سأبين أي نوع من الأشخاص هم الروتشيلديون)، ونزل إلى مصرف إنكلترا وقدم ورقة نقدية من فئة الخمسة وعشرين جنيهاً وطلب تبديلها من الذهب، وفحص العملة الذهبية ووزنها ووضعها بهدوء في حقيبته، وأخذ يكرر هذه العملية بينما أخذ موظفوه يقومون بالعمل ذاته في صناديق الدفع الأخرى، وفي يوم واحد بدَّلوا ذهباً بمليون جنية. ووجد المصرف في الأمر شيئاً غريباً، لكن ناثان أعلن في اليوم التالي أنَّ هذا العمل سيستمر إلى شهور ويحجب العملاء الآخرين. وهذا يعني أنَّ ثلاثين مليوناً من الجنيهات الذهبية ستؤخذ كل شهر حتى يعجز المصرف عن دفع قيمة (البنكنوت)، مما اضطرَّ المصرف إلى إصدار الإعلان الآنف الذكر، بأن فواتير التبادل المالي الصادرة عن الروتشيلديين ستُقبل كأنها ((بنكنوت)) (عملة ورقية عادية).والحقيقة أنَّ المصرف تلقَّى صفعة ورأى الإفلاس وشيكاً، لأن اليهود في كل مكان أسلفوا ناثان أوراقهم النقدية (البنكنوت).

سر ثورة 1830
رغب ناثان في التسلُّق إلى الطبقة العليا في المجتمع البريطاني حتى يستطيع حكم إنكلترا، وحاول أن يكون إنكليزيّاً أكثر من الإنكليز أنفسهم، فنشر الدعوة إلى القومية البريطانية وألهب إنكلترا ضد فرنسا. فقد كان جيمز وناثان يبحثان عن الذرائع للحرب.
كان جيمز يعرف أهمية إيمان المسيحيين بالملك شارل العاشر الفرنسي، فطلب أن تستقبل زوجته (زوجة جيمز) في البلاط الملكي حتى تكون والملكة الفرنسية في رتبة الشرف على حد سواء، ولكن دوقة أنجولم Angouleme أجابت: (يجب أن لا ننسى أنَّ ملك فرنسا أكثر الملوك مسيحية. وهذا يعني أنه طالما وصف ربنا اليهود بالشيطانية وقتل البشر، فعلينا أن نتجنبهم). عندها أمر جيمز صِحافته بشن حملة عنيفة على البوربون (العائلة الفرنسية المالكة). وفي دفاعه عن نفسه قَبِل ملك فرنسا نصيحة وزيره بولينياك بوقف الحملة الصحفية. فاستغل جيمز الحادث وأمر ماسونييه بتوحيد البونابرتيين والأورلينيين والجمهوريين ضد الملك، وكان أمشيل منذ سنة 1770 قد جعل يهوده عملاء له في كل مكان. مثلاً كان بوسناش Busnach سلطان الجزائر غير المتوج، بفضل ديون الروتشيلديين، فقد قدم رشوة للانكشارية التركية الغبية التي تنتخب الداي، نائب السلطان العثماني في الجزائر. وحتى يذل ملك فرنسا ويجبرها على التحرك وإغضاب إنكلترا، أمر أمشيل بوسناش بإقلاق الداي وإغاظته... وفي حفل استقبال في سنة 1827 صفع الداي القنصل الفرنسي ديفال بمروحة على وجهه(
[11]) ، وهذا ما لم يُسمع بمثله في الحقل الدبلوماسي ما أغاظ فرنسا فطلبت تعويضاً. وفي الوقت عينه نجح ناثان في تعيين دوق ويلينغتن رئيساً للوزراء في بريطانيا، وهو عدو لدود لفرنسا.
فالهجوم على فرنسا في الجزائر ساعد ناثان على إقلاق إنكلترا التي سعت، من 27 إلى 29 تموز، إلى تأييد المجموعة المذكورة أعلاه حتى تسقط الملك شارل العاشر وتتوِّج دوق أورلينز، ابن فيليب إيغاليتيه Egalite ملكاً. وكان الدوق صدراً أعظم لمحفل الشرق الأعظم مدة عشرين عاماً، وقد صوَّت مع قتل الملك لويس السادس عشر.

ديزرائيلي (والينرود)(
[12]) إنكلترا (1817)
استقرَّ بينجامين دي إزرائيلي (الجد) في إنكلترا سنة 1748، وقد اتخذ أجداده هذا الاسم حتى يعرف جنسهم دائماً وأبداً. وكيهودي تزوج يهودية في سنة 1765، يقول حفيدها إنها ((عاشت حتى الثمانين من دون تعبير عن حب)).
وُلد إسحاق ديزرائيلي (والد ب. ديزرائيلي) سنة 1766، وسافر إلى الخارج في سنة 1780 حيث تشبَّع بالأفكار الليبرالية التي كانت تبثها الحركة النورانية بزعامة أمشيل. وقد أُعجب ديزرائيلي بأمشيل وعمل معه في المحفل الماسوني. وفي الثامنة عشرة 1784 أصبح إسحاق بلشفيّاً وكتب ضدَّ (الاقتصاد الحر). ثم عاد إلى إنكلترا بيد أنَّ عمل أمشيل السري استهواه، فعاد إليه مسرعاً.
ويقول ديزرائيلي عن والده، الذي عاد إلى إنكلترا مجدداً سنة 1788: (لقد عاش مع العلماء). ولم يكن هؤلاء العلماء غير (النورانيين) أو (حكماء صهيون) أو (الثلاثمائة). ((وكان ابنه بينجامين يؤمن إيماناً عميقاً ويعبر عن ثقة قوية، أكثر من والده، بالشخصية اليهودية)).
وما كان للورد بيكونسفيلد (في المستقبل) أن يبدل عقيدته ويصبح مسيحيّاً، لولا أن هذا أمرٌ أمَرَ به ناثان. وُلد يهوديّاً في سنة 1805 وعُمِّد وطُهِّر روحيّاً كمسيحي في سنة 1817. فانقلاب واترلو وسقوط نابليون فتحا آفاقاً جديدة لناثان. وقد أصبحت رغبة ديزرائيلي الرئيسة أن يغدو دكتاتورًا لإنكلترا، ليس لتحطيم الحواجز التي أُقيمت في وجه اليهود خطوة خطوة فحسب، وإنما ليتقدم بخطة اليهود للسيطرة على العالم خطوات بعيدة المدى. وباح برغبته للورد ميلبورن، سكرتير القصر، في أن يكون رئيساً للوزراء.
ولما كان مؤرِّخو نابليون الأول وبسمارك قد لاحظوا الحالة نفسها تتكرَّر مع ديزرائيلي، فقد أدهشتهم (جرأة أفكاره وانتصاراته العظيمة على الرغم من أنه لم يكن من أهل الحسب والنسب والثراء)، كما لم يكن له أصدقاء(
[13]) ولم يكن عالماً مقتدراً. كان لبينجامين (ثقة مطلقة في أن قدرته ترقى إلى عبقرية حقيقية)، (ولم تظهر له أية علامة من علامات عدم التشجيع). لقد دعمه الروتشيلديون، فمستقبله مأمون لوجود مدافعين عنه من خدام الروتشيلديين.
ديزرائيلي يستغلُّ عجائز النساء
يقول السيد بوكل، في كتابه (حياة ديزرائيلي): ((إنَّ سر الدور العظيم الذي قام به ديزرائيلي يكمن في موهبة هذا اليهودي بحب أربع نساء في وقت واحد، مجموع أعمارهن يقارب الـ300 سنة)). وهكذا فإن قواه الفيزيولوجية تفوق قوى راسبوتين. ويقول بوكل عن الملكة فيكتوريا: ((ما من وزراء الملكة من استطاع أن يعبر لها عن إعجابه وحبه كما استطاع ديزرائيلي)). ((فالكلمات تعجز عن تصوير ما شعرت به الملكة بعد وفاة ديزرائيلي، وكيف كسر قلبها فقدانه. فعطفه على الملكة وولاؤه المطلق لها في كل الحالات، ودأبه على تخفيف أثقالها وتذليل صعابها... أمور لا تقوى على نسيانها، ولهذا فهي تشعر لفقده بمرارة كبرى. وبعد أربعة أيام من جنازته زارت قبره وبكت عنده ووضعت إكليلاً من الزهر على نعشه)).
لقد كان ديزرائيلي يداهن صاحبة الجلالة بقوله: ((نحن كتَّاب سيدتي)). وهو يتفاخر بأن الملكة زارته في غرفته... ((لم يكن ديزرائيلي يعرف الحياء في حياته، وهو لا يتردد في أن يتكلم بمصطلحات غير معتادة، مما جعل الملكة تعتقد أنها لم ترَ رجلاً مدهشاً مثله))، تماماً كما كان راسبوتين يتحدث إلى إمبراطورة روسيا، واليهودي بالسامو Balsamo مع ماري أنطوانيت، واليهودي باور Bauer مع الإمبراطورة أوجيني Eugenie. فقد كان ديزرائيلي يقوم بدور المهرج من جهة، ومن جهة أخرى كان يحاول الوصول إلى قلب الملكة بكتابته لها بأكثر الأساليب عاطفية. وليس هناك ما يبرهن على أن (ولاءه للملكة كان صادقاً)، فقد ذكر السيد لويس أبجون أن ديزرائيلي كاذب(
[14])، وهذا ما برهنه السيد أوكنورO'Connor وبرايت أيضاً। وأعلن السيد و.غلادستون: إن هناك شيئين يكترث لهما لورد بيكونسفيلد ولا شيء غيرهما: زوجته وجنسه. ومن ملق ديزرائيلي للملكة أنه عندما تسلَّم كتاب الملكة الهزيل كتب لها فوراً أن لا مثيل له إلا الإنجيل ودانتي وشكسبير.

الهوامش


[1] See: The Gentiles' Review, No.7.
[2] A. West. (Recollections), P.157.
[3] A. West. (Recollections), P.233.
[4] المصدر نفسه ص 425.
[5] ذكر المؤلف معنى الآيتين وادعى أنهما من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم, كما يظهر من سياق الكلام, فهو لا يميز بين الحديث الشريف والقرآن الكريم. كذلك فالاستشهاد بالآيتين يبدو في غير محله. (المحرر).
[6] النساء: 160,161.
[7] المائدة: 42.
[8] وصل الطرادان الألمانيان غويبين وبريسلو إلى القسطنطينية بمساعدته واشتراكه, ومن ثم هددا بضرب قصر السلطان بالقنابل وتدمير المدينة, فأجبرا تركيا على الانضمام إلى دول المحور ما أطال أمد الحرب شهورًا. وكانت شهوة فينيزيلوس للقتل ورغبته في إسقاط الملك المسيحي الممتاز هما اللتان تسبَّبتا في الحرب الإغريقية – التركية. فاضطر الملك قسطنطين إلى الرضوخ لفينيزيلوس وقبل بالحرب وكفَّر عن هذه الجريمة بعرشه وحياته. وقد كان الملك المرحوم من أكثر الأشخاص الأوروبيين الشماليين تهذيباً. وقتل الإسكندر الأول, ملك اليونان,بغموض أيضاً, وقد قتلته ((اليد الخفية)) نفسها. (المؤلف).
[9] يكفي أن تراجع:
Coningsby, P. 452, or Lord Beaconsfield's Letters of June 1839, Dec. 2, 1842, May 1844, March 1848, etc…
[10] كرَّرنا هذا الموضوع هنا رغم وروده في بحث فصل الروتشيلديين، لضرورة استكمال وضوح الفصل.
[11] من المعروف أن قنصل فرنسا تعمد إساءة الأدب مع الداي حتى اضطره إلى صفعه، ولئن أثبتت كتب التاريخ هذه الحادثة فإن مؤلفنا يفسر الدوافع التي كانت وراء الحادثة من وجهة نظره. (المحرر).
[12] كونراد والينرود: بولندي ليتواني دخل تنظيم (الفرسان الألمان حملة السيف)، ولعدة سنوات بدا وكأنه أخلص جندي بينهم، ولكن لما أصبح سيد التنظيم استخدم سلطته لتدميره.
[13] ردد هذه العبارة كثير من المؤرخين وهي خطأ مطلق، فديزرائيلي – منذ طفولته – اختاره ليونيل وأرشده ودعمه كجزء من خطة اليهود للسيطرة على العالم. (المؤلف).
[14] Lewis Apjohn. Lord Beaconsfield, P.66.