Powered By Blogger

أرشيف المدونة الإلكترونية

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 12 ديسمبر 2009

فلسفة هيغل: مضمونها وأنواعها

فلسفة هيجل: مضمونها، أنواعها


تنقسم فلسفة هيغل إلى ثلاثة ميادين معرفية كبرى، كانت محط اهتمام جل الفلاسفة ويتعلق الأمر ب: علم المنطق؛ فلسفة الطبيعة؛ فلسفة الروح؛ وهي ميادين مترابطة في نسق فلسفي متميز يجعل المهتم ينتقل من مستوى إلى آخر ليتمكن من رسم صورة واضحة على هذا النسق الفلسفي। لذلك ففلسفة هيجل هي فلسفة نسقية بامتياز. وتشترك هذه الميادين الثلاث في موضوع واحد، أي انها تدرس نفس الموضوع لكن في مستويات مختلفة وينعلق الأمر ب: "الفكرة الشاملة" أو "الفكرة المطلقة" أو إن شئنا القول "العقل" في صور متنوعة: "العقل" محضا في المنطق، و"العقل" في حالة تخارج في فلسفة الطبيعة، و"العقل" حين يعود إلى نفسه في فلسفة الروح.
فعلم المنطق هو دراسة الفكرة الشاملة لذاتها، معرفة نفسها بنفسها، وهي الحقيقة عينها، لأن الحقيقة " …هي أن الفكرة الشاملة لا تتضمن شيئا آخر يفكر فيه سوى الفكرة الشاملة نفسها …"، وقد أضفى هيغل ها هنا غطاءا لاهوتيا – إن صح القول – على موضوع الفلسفة، لأن " ... موضوعات الفلسفة هي نفسها موضوعات الدين: فالموضوع في كليهما هو الحقيقة. بذلك المعنى السامي الذي يكون فيه الله هو الله وحده، هو الحقيقة .. " .
ولا ينبغي أن يفهم أن وحدة موضوع أقسام "فلسفة هيجل (الفكرة الشاملة) تلغي التمايز / الإختلاف، بل على العكس تماما تقر به، فالفكرة المطلقة في علم المنطق هي الفكرة بشكل مجرد إطلاقي، تعي ذاتها بذاتها، وتعقل الأمور في نفسها، حيث أ = أ، "العقل" هو "العقل"، لكن في "فلسفة الطبيعة"، الفكرة المطلقة / الشاملة تخرج من ذاتها إلى الآخر. إنها "العقل" في حالة تخارج، نقيض حالتها الأولى وبالتالي ف "العقل" يغدو "لا عقل" أو "اللامعقول". أما في فلسفة الروح فتعود إلى نفسها، حيث الوحدة بين العقل واللاعقل، ويجمل ولترستيس هذا التمايز قائلا: "... المنطق يدرس الفكرة كما هي في ذاتها، وهذه هي الكلي (القضية). أما الطبيعة فهي الفكرة في الآخر، وهي ضد الفكرة في ذاتها، وهذا هو الجزئي (النقيض). أما الروح فهي وحدة المنطق والطبيعة وهذا هو المركب (الفردي)…".

وقبل مناقشة كل دائرة من هذه الدوائر، فإننا نسوق هنا ملاحظة جوهرية، ألا وهي أن هذه التفريعات / التقسيمات الثلاثية التي يعتمدها هيغل كطريقة في جل كتاباته بدون استثناء، إنما نابعة من قضية منطقية أساسية: القضية / نقيض القضية / التركيب.
ويعطي هيجل مفاهيم أخرى أكثر دلالة: الكلية / الجزئية / الفردية. ذلك أن الكلية تأخذ معنى الإيجابية (الشمولية)، والجزئية معنى السلبية، أما الفردية فهي المركب، ويعلق لينين عن تلك القضية قائلا: << ... ما يتبع انبساط الكلي والخاص (الجزئي) والمفرد، هو إلى حد ما مجرد و "عويص" >> و يضيف أن الشيء الاساسي عند هيجل هو أن "يسم الانتقالات" حيث في بعض الشروط: الكلي هو الخاص، والخاص هو الكلي " ليس فقط على "مستوى الترابط (ترابط لا ينفصم لكل المفاهيم والاحكام)، بل "على مستوى الانتقالات" أيضا (انتقال من مستوى إلى آخر) و على مستوى "تماثل المتناقضات".
أولا - المنطق عند هيجل: موضوعه، أقسامه:
<<… المنطق هو علم الفكرة الخالصة، بمعنى أنه علم
الفكرة في وسطها الفكري الخالص ... >>
موسوعة العلوم الفلسفية ص 79 فقرة 19.
لا يكتفي هيجل ها هنا بالقول أن علم المنطق يدرس الفكرة الشاملة وفقط، وإنما "علم الفكرة في وسطها الفكري..." وهنا أساس التمايز بين المنطق الهيجلي والكلاسيكي الذي يحصر موضوع المنطق في "دراسة الفكر كفكر"، إن هيجل يتبدى لنا ضد الشيء في ذاته "الذي ليس سوى شئ في ما – بعد الفكر" وهي هنا لا تنطبق على الأشياء في ذاتها" كما يقول لينين: << عادة يفهم المنطق على أنه "علم الفكر"، "فقط شكل المعرفة" هيجل يدحض هذا المفهوم. ضد الشئ في ذاته" الذي ليس سوى شئ في ما – بعد الفكر". أشكال الفكر في هذه الحال لا تنطبق على "الأشياء في ذاتها" ولكنها معرفة حمقاء تلك المعرفة التي لا تعرف الأشياء في ذاتها، ثم أليس الفهم شيئا في ذاته؟>> (دفاتر عن الديالكتيك ص 133). ويضيف هيجل أن "… موضوع المنطق هو بصفة عامة، عالم ما فوق الحس، ودراسة هذا الموضوع تعني البقاء لفترة في هذا العالم " (الموسوعة ص 84 إضافة رقم 2 للفقرة 19)، لنلاحظ كيف قلب هيجل موضوع المنطق الذي ساد منذ اليونان مرورا بالقرون الوسطى إلى حين مجيئه. إن نظريته في المنطق - إن صح التعبير - لا تتجاوزها أية ثورة فكرية في عصره بل تظل متميزة، وكذلك الامر في جل ميادين المعرفة التي بحثها والتي يظل المنطق لديه العصب والركيزة الأساسية فبفضل "المنهج الجدلي" دخل إلى تلك الميادين من بابها الواسع، وقد عبر ماركس عن ذلك واعترف قائلا: <<… حين كنت أكتب الجزء الاول من "رأس المال" كان أول أبناء الجيل الجديد، أولئك الأدعياء المتهورون التافهون يتباهون أنهم ينظرون إلى هيجل نظرتهم إلى "كلب ميت" … لذا بادرت وأعلنت صراحة أنني لست إلا تلميذا لهذا المفكر العملاق…>> (كارل ماركس: "رأس المال") وبعده جاء لينين ليعلن: "لا يمكن فهم "رأس المال" وخصوصا فصله الأول فهما كاملا بدون دراسة وفهم كل منطق هيجل. إذن، ما من ماركس فهم ماركس بعد مضي نصف قرن عليه!!".
والمنطق عند هيجل "علم الفكر: بقوانينه وأشكاله المتميزة" تلك القوانين التي لا تنبثق إلا من خلال تأمل الواقع الفعلي، أرضها الواقعية، وهذه المقولة سيطورها فويرباخ ثم ماركس فيما بعد ليعطيا لها معناها المادي. ويتضمن المنطق عند هيجل باعتباره لحظة المباشرة:
I الوجود: والوجود لا يبدأ إلا من "اللا شيء" من العدم، يعطي لنفسه كل قواه للظهور. تماما كما يبدأ المكان في فلسفة الطبيعة من الفراغ. وهو بدوره ثلاثة أقسام:
أ_ الكيف: وينقسم بدوره إلى ثلاثة أفرع عبارة عن مثلثاث، حيث الفكر عند هيجل عبارة عن سلسلة من التصورات، وهو نوعان: الفكر بالمعنى الواسع الذي يشمل التصورات العقلية الخالصة أو المقولات ونقول المقولات المنطقية تميزا لها عن ما عرف اليوم بالمقولات الإقتصادية (التي ظهرت مع الإنجليزي ريكاردو). والخلايا الأولى للفكر هي مجموعة من مثلثات صغيرة تتفرع إلى أضلع:
الضلع الأول وهو مباشر، والضلع الثاني وهو متوسط والضلع الثالث، وهو الجامع بين الضلعين الأول والثاني.
وليس بإمكاننا أن نعرض كل هذه التفاصيل لكون موضوعنا ليس موضوع دراسة المنطق الهيجلي، بل إن في نيتنا فقط أن نعطي مجرد نظرة عامة حوله.
ب – الكم: شأنه كذلك شأن الكيف ينقسم إلى: الكم الخالص الذي يمر بمرحلة الكم الخالص ذاته ليصل إلى تحديد الكم مرورا بالمقدار المنفصل والمتصل، والمرحلة الأخيرة هي التي تنقلنا إلى العنصر الثاني من الكم الذي هو: الكمية، وتمر كذلك عبر مراحل ثلاث لتنقلنا إلى العنصر الثالث من الكم الذي هو الدرجة... وهكذا إلى أن نصل إلى المستوى الثاني من منطق هيجل: الماهية بفضل آخر عنصر من الوجود: اللامتناهي الحقيقي.
II – الماهية: (لحظة التوسط) هي دائرة التوسط: فلا نستطيع أن نصل إليها إلا من خلال الآخر أي من خلال الوجود الذي هو الحقيقة الواقعية أو الوجود بالفعل. وتتفرغ عنها مثلثاث أخرى تتفرع عنها أقسام أخرى إلى أن نبلغ فكرة التفاعل التي هي مركب (الجوهر والعرض) و (السبب والنتيجة) التي تنبثق منها لحظة المركب.
III - الفكرة الشاملة: وهي مركب المتوسط والمباشر، أي الوجود والماهية، يتفرع عنها الفكر الذاتي والفكر الموضوعي والفكرة. وعلى غرار سابقاتها مثلثاث تخرج منها مثلثاث أخر.
وإذا كان المنطق قد بدأ بدراسة "الفكرة المطلقة" من حيث هي هي - كما أشرنا – فإنه قد انتهى بها، ذلك أن آخر مثلث في الفكرة الشاملة هي "الفكرة المطلقة" التي تمثل داخل هذه الدائرة، مركب "الحياة: (الكلي أو القضية) و "المعرفة" (الجزئي أو النقيض) وقد انتهى بها لأنها كما يقول ولترستيس (ص 404) فقرة 408: <<المقولة التي تكشف عن نقيضة تحتاج إلى تجاوزها داخل دائرة الفكر الخالص، بحيث ننتقل إلى مقولة أعلى، فهي ليست تجريدا من جانب واحد، وإنما هي الكل العيني، هي الحقيقة النهائية. ومن ثمة فإننا ننتقل من دائرة الفكر الخالص، أي من دائرة المنطق إلى دائرة الطبيعة>>. فكما سبق وأن أشرنا في البداية أن فلسفة هيجل تدرس "الفكرة المطلقة" في جميع فروعها، انتهى بها المنطق لتبدأ بها الطبيعة، وحتى آخر قسم، بل آخر مثلث في مركب الطبيعة والمنطق (فلسفة الروح)، الذي هو الفلسفة تنتهي بهذه الفكرة، وذلك لسبب بسيط على حد تعبير هيجل، هو أنه لا شيء يدرك الفكرة المطلقة سوى الفكرة المطلقة ذاتها، ويعلق إنجلس على ذلك قائلا: << ... في كتابه المنطق استطاع أن يصنع بدوره من هذه النهاية بداية، بمعنى أن النقطة النهائية هنا، ال "فكرة المطلقة" - وهي ليست مطلقة إلا لأنه لا يعرف البثة ما الذي يقول لنا عنها - "تستلب" في الطبيعة، أي تتحول إليها (إلى الطبيعة)، وتعود من جديد فيما بعد إلى نفسها في الروح أي في الفكر والتاريخ. ولكن في نهاية كل فلسفة، لا يمكن لعودة كهذه إلى نقطة الانطلاق أن تتم إلا عبر وسيلة واحدة، ألا وهي: افتراض أن نهاية التاريخ هي أن تتوصل البشرية تماما إلى معرفة هذه ال "فكرة المطلقة"، وأن تعلن أن هذه المعرفة لل "فكرة المطلقة" قد بلغت نهايتها في فلسفة هيجل. ومن هنا يعلن بمثابة حقيقة مطلقة كل المحتوى المعتقدي لمنظومة هيجل، الأمر الذي يناقض منهجه الديالكتيكي...>>.
ثانيا - فلسفة الطبيعة عند هيجل:
إذا كانت "الفكرة المطلقة" في المنطق تعرف نفسها بنفسها، وتكتفي بذلك وهي المقولة التي بدأ بها هذا الفرع النظري بحثه، وانتهى بها، فإنها باعتبارها نهاية بحث المنطق، تمثل بداية "فلسفة الطبيعة"، لكن الأمر يختلف جوهريا، فإذا كانت في المنطق، هي "الفكرة" منظورا إليها من الداخل، فإن في هذه الدائرة الوسطى "فكرة مطلقة" منظور إليها من الخارج، أي أنها في حالة تخارج.
إن الطبيعة تمثل النقيض المباشر للكلية (القضية) أي للمنطق، وبما أنها كذلك، فإنها جزئية وسلبية. ويعتبرها إنجلس ولينين "المنهج الجدلي" مطبقا على الواقع الفعلي، ذلك أن أسس ومبادئ هذا المنهج معروضة في "المنطق" كأفكار، لكنه في الطبيعة يتخذ طابع التجسيد طابع الحلول والتموضع، وقد حاول هيجل أن يطبقه على الميكانيكا والفيزياء والعالم الحيواني، عالم الكائنات الحية (أو العضوية)، إنه متجسد في الأشياء وليس في الأفكار المجردة (كما في المنطق)، نراه في الكائنات العضوية، وفي كل أجزاء الطبيعة متمكنا بذلك من صياغة قوانين المعرفة العلمية، التي ستشكل أسس العلوم الطبيعية والبيولوجية و الجيولوجية...، وهذا هو واقع الحال في فلسفة الروح، يطبع المنهج الجدلي على عالم التنظيمات الإجتماعية والسياسية والقانونية... مستنبطا الدولة من المجتمع المدني، وهذا الأخير من الأسرة، كما استنبط فكرة الحيوان من النبات في الطبيعة. والقول بأن هيجل قد أسس وساهم في بناء نسق المعارف العلمية واع بنفسه "فليس ثمة علم واحد لم يتأثر بفلسفة هذا العبقري".
إن فلسفة الطبيعة تبدأ بمقولة المكان الفارغ، كما بدأ المنطق بالوجود مستنبطا من الفراغ / العدم، فالمكان في الطبيعة عدم، تجريد وفراغ كاملين، فهو"ليس له في ذاته أي طابع ولا مظهر ولا سمة ولا تحديد من أي نوع إنه اللاصورة" عبارة عن "فراغ متصل ومتجانس خال تماما من أي تمايز داخله". نتحدث عن المكان كجزء من مثلث ضلعاه الآخران: "الزمان" و"المادة" وهو الحد الأدنى في الطبيعة، أما حدها الأقصى، فهي نهايتها، انتقالها إلى الروح حيث تعود "الفكرة الشاملة" إلى ذاتها / نفسها. وباعتباره كذلك (أي فارغة من أي محتوى) فإنه (أي المكان) نقيض الفكرة، إنه نقيض القضية، يسير في سيرورة من العمليات إلى أن يعقل ذاته. حين بلوغه الكائن الحي الذي يعتبر نهاية "فلسفة الطبيعة" هذا الكائن المستنبط من النبات طبعا، وكي نوضح هذا الأمر فإن بإمكاننا القول على نحو ما جاء في الجزء الثاني من الموسوعة (فلسفة الطبيعة) أن الطبيعة تنقسم إلى ثلاثة لحظات:
1 – الآليات أو الميكانيكا: أو ما يسمى فيما بعد ب "علم الميكانيكا".
2 – الطبيعيات أو الفيزياء: علم الفيزياء والطبيعة.
3 – العضويات: وهي ثلاثة مراحل: * الكائن الحي البيولوجي (علم البيولوجيا) * الكائن الحي النباتي * الكائن الحي الحيواني. إن الكائن الحي أو الذرة الحية، هي مفتاح المرور إلى "فلسفة الروح".
ثالثا – فلسفة الروح: موضوعها، أنواعها:
لا تشكل "فلسفة الروح" استثناءا من نسق هيجل الفلسفي، ولو كان ذلك واقع الأمر ما كان بالإمكان الدخول في هذه التفاصيل حول المنطق وفلسفة الطبيعة. إن فلسفة الروح هي على غرار اللحظات السابقة عليها، تمثل "المركب في المثلث"، إنها مركب القضية التي هي المنطق، ونقيضها الذي هو الطبيعة، تبحث أيضا "الفكرة الشاملة" والمنهج الجدلي هنا مجسد في الواقع، في عالم التنظيمات الإجتماعية والسياسية والقانونية، (الدولة والاسرة والمجتمع المدني) وعالم النفس والذهن والوعي، وعالم الفن والدين والفلسفة.
فالإنسان وجود روحي، أو كائن حي عاقل ذو فكر خالد، وهو جزء من الطبيعة، إنه إجمالا وجود مادي محسوس، ووجود روحي / فكراني. ومن المعلوم أن الفكر عند هيجل هو المحدد هو أصل كل شيء في هذا العالم، والروح هنا تبحث هذا الوجود الفكري في الإنسان قبل أن تبحث الإنسان ذاته، وهذه هي مملكة الروح. إن هذا القسم من فلسفة هيجل يبحث في تجلي الفكر أو المطلق في الإنسان، وذلك لا يتم إلا بواسطة عملية جدلية طويلة وشاقة، وهيجل هنا يبدأ من أبسط المراحل من أدناها، كي يبلغ تحققه الكامل تدريجيا، بفضل المنهج الجدلي. وتنقسم فلسفة الروح إلى ثلاث دوائر كبرى: * الروح الذاتي * الروح الموضوعي * الروح المطلق.
I – الروح الذاتي : يدرس الروح الذاتي بالأساس العقل البشري من الناحية الذاتية أي كعقل فردي أو عقل الذات الفردية في مستويات ثلاث:
- النفس: ويهتم بهذا المستوى ما يسمى بعلم الأنثروبولوجيا وهو ثلاثة أقسام: النفس الطبيعية، وتأتي من الفراغ كما يأتي الوجود في المنطق من العدم أو كما يأتي المكان من اللاشيء من الفراغ هو أيضا، ذلك أنها أول مقولة في الروح الذاتي لا بد أن يبرهن على ذاته من خلال ذاته، إنها عبارة عن فراغ متجانس للفكر. وتدخل فيها: الخصائص الطبيعية لهذه النفس كشيء إيجابي أو كقضية تمثل التحويلات الفيزيائية نقيضها أو جانبها السلبي ثم الحساسية (تظهر من خلال التمييز الداخلي الضمني بين الوجود المباشر للنفس وبين مضمونها) كجانب إيجابي وسلبي في آن معا. والوعي الحسي هو الوعي الذي تقدم لنا فيه الحواس موضوعات خارجية.
النفس الشاعرة أو الحاسة: تمثل النفس الجانب السلبي المتقلب أما الإحساسات فتمثل الجانب الإيجابي، لكن هذه الأخيرة تدرك نفسها أنها جزء من النفس عامة، لهذا السبب تكون لدينا النفس الحاسة أو الشاعرة، والشاعرة هنا بمعنى التي تشعر. وهي أولا في مباشرتها ذلك أن النفس موجودة في كل موجود قبل أن يشعر بها فمثلا الجنين في داخله نفس، والأم هي التي تحس بذلك وليس الجنين، وكذلك حالة التنويم المغناطيسي، فالمريض لا يشعر، ولكن المنوم هو الذي يشعر،لأن نفس المريض مندمجة في نفس المنوم. وعندما يشعر المرء بالنفس فهذا مستوى آخر من النفس الشاعرة إنه جانبها المتوسط للنفس الحاسة في مباشرتها والعادة. وفي هذا التوسط يدرك الأنا نفسه. أما العادة كمركب المستويين أعلاه فهي الكلية الصورية للأنا عليها أن تتجلى في جزئيات، ولا تظهر إلا ككلية في صورة عددية أي تكرارا لوحدات الإحساس، والشعور، والنشاط ..
- النفس الموجودة بالفعل إن النفس المتحققة هنا هي الأنا أو الذات الفردية، إنها بتعبير آخر تلك المرحلة من مراحل الروح التي تتحقق فيها النفس من أن مضمونها ليس شيئا غريبا عنها. وهنا ينتقل هيجل من الأنثروبولوجيا إلى الفينومينولوجيا أو الوعي.
- الوعي ويدرسه بالأساس علم الفينومينولوجيا: وقد قدم هيجل أفضل عرض في كتابه "ظاهريات الروح" أو ما يسمى ب "فينومينولوجيا العقل"، ويتناول في هذا الكتاب ستة محاور كبرى: - الوعي – الوعي بالذات - النطق - العقل - الدين - المعرفة المطلقة. الترجمة التي أشرنا إليها لا تشتمل إلا على الفصلين الأوليين (الوعي والوعي بالذات). والوعي "وعي بالموضوع من جهة وبنفسه من جهة أخرى، أي بما ينزل عنده منزلة الحق وبالمعرفة المتحصلة لديه عن هذا الحق". ويضيف هيجل في إطار تعريفه للوعي (المرجع الأخير ص 73) قائلا: " ...ذلك أن الوعي يدرك شيئا ما، وهذا الموضوع هو الماهية، أو هو الشيء في ذاته، ولكنه أيضا الشيء في ذاته بالنسبة إلى الوعي... فنحن نرى أن الوعي له الآن موضوعان: أحدهما هو الشيء الأول في ذاته وآخرهما هو الكون للوعي لهذا الشيء في ذاته. هذا الموضوع الأخير يبدو للوهلة الأولى أنه انعكاس للوعي في [مرآة] نفسه: تمثل منه لا لموضوع بل لمعرفة بالموضوع الأول ليس إلا. بيد أن الموضوع الأول ... يتغير في خلال هذه الحركة، فلا يعود هو الشيء في ذاته بالنسبة إليه، بحيث يغدو ذلك الكون له لهذا الشيء في ذاته هو الحق" (الموسوعة ص 73). والوعي في هذا القسم ثلاثة أنواع:
1-الوعي الأصلي، 2-الوعي بالذات، 3-العقل:
1-الوعي الأصلي: يمر بثلاثة مراحل: - الإدراك المباشر للموضوع الفردي ويشكل ما يسميه هيغل: الوعي الحسي. (وهو موجود، ينسب صفة وجوده إلى الموضوع فقط، ولم يدرك أي شئ عن الموضوعات الأخرى. ولو أنه يدرك ذلك لأصبح شيئا آخر غير الوعي الحسي. ويسمى الوعي بالحواس، وعي يرتكز فقط عما يدور حوله دون غيره). وما دام الوعي الحسي يقتصر فقط على ما هو محسوس ظاهري في الشىء، فإنه بذلك ناقص وسلبي، يستدعي ظهور نوع آخر من الوعي، ألا وهو الإدراك، وهو كذلك حسي. وبذلك فالمرحلة الثانية هي الإدراك الحسي. لكنه يكشف أيضا عن تناقض ذاتي (بين الكلي والفردي) ومن هنا تظهر ضرورة وجود نوع أعلى منه. هو الفهم.
- يظهر الفهم كما قلنا من تناقض الإدراك الحسي. والفهم ليس هو العقل لأن الفهم يضع تعدد الحس على أنه مظهر في جانب، كما يضع الكلي في جانب آخر بوصفه الحقيقة الواقعية. وهي المرحلة الأخيرة من الوعي الأصلي.
2-الوعي الذاتي: إن الوعي الأصلي ينظر إلى الموضوع على أنه مستقل عن الذات (وجود غريب لا يمكن النفاذ إليه: أي سلب الذات أو اللا ذات) أما الوعي بالذات فهو نوع جديد. على نقيض الوعي الأصلي يرى في الموضوع نفسه ولا ينظر إليه على أنه مستقل أو غريب. والذات هنا ذات وهي نفسها. والوعي الذي يدرك الذات (كالإنسان) هو وعي بالذات أو الوعي الذاتي. ذلك أن الحيوانات على سبيل المثال لا تمتلك وعيا ذاتيا لأنها لا تدرك ذاتها بوصفها ذات. والوعي الذاتي يتطور في ثلاثة مراحل أيضا: * الميل الفطري أو الرغبة الغريزية * الوعي الذاتي المعرفي * الوعي الذاتي الكلي
وفي المرحلة الأخيرة فقط يدرك الوعي الذاتي ذاته بوصفها وحدها الوجود المستقل وينفي ويلغي استقلال الآخر. والعبد ليس وعيا ذاتيا لأن حريته مسلوبة وبالتالي استقلاله الذاتي ملغي (وكل استلاب للذات، يعني إلغاء لها، انعدامها وهنا وجب نبذ العبودية والرق) ووعيه يبقى في مرحلته الأولى أي في مرحلة الوعي الأصلي فحسب.
3 – العقل: إن مبدأ العقل هو مبدأ هوية الأضداد. حيث الموضوع متميز عن الذات، لكنهما متحدان، إن العقل هو وحدة الوعي الأصلي والوعي الذاتي، أي وحدة الحالة التي يكون فيها الموضوعي الذاتي مستقل ومتميز عن الذات ونقيضه الذي يصبح فيه الموضوع متحد مع الذات في هوية واحدة. هذا فالعقل كمبدأ وحدة الضدين، يتضمن تمييز الموضوع عن الذات ومتحد معها في وقت واحد إنه "الهوية في التباين" أو "الوحدة في الإختلاف".
- علم النفس / الذهن: وتعني كلمة الذهن عند هيجل: الوجود الروحي بصفة عامة (الذي يبدأ في تطوره من الأنثروبولوجيا ويستمر على طول فلسفة الروح كلها). والوجود الروحي بصفة خاصة (بوصفه أعلى مرحلة من مراحل الروح الذاتي). إن الذهن هو موضوع علم النفس من وجهة نظر هيجل (وربما لا يبقي أي أساس قيمي لهذه النظرة في علم النفس المعاصر) وهو ثلاثة أنواع:الذهن النظري أو المعرفي: إنه الذهن في مباشرته ومضمونه موجود في البداية عثر عليه موجودا، والعقل يتصرف هنا في شيء موجود، أي أنه (العقل) حين يجد شيئا موجودا أمامه بالفعل، فإنه لن يتوانى عن معرفة هذا الشيء الذي وجد أمامه قائما. وهذا الشيء الموجود هو الذهن النظري، يتطور وفق ثلاثة مراحل:
الحدس: مرحلة المباشرة في الذهن النظري ، وهو ما يؤسس المعرفة الحدسية، التي يعتبرها، البعض بمثابة الحقيقة، لكن بالنسبة لهيجل الحدس هو أدنى مرتبة في الذهن النظري فصحيح أنه قد يتضمن حقيقة، لكنها حقيقة لا حقيقية، أي الحقيقة في صورة اللاحقيقة، إنه (الحدس) مجرد انطباع ذاتي للفرد والحدس يمارس عن طريق: الإنتباه، والشعور.
التمثيل: أي تمثيل الشيء الذي يظهر كمعرفة، يسير في مراحل ثلاث كذلك: - الإسترجاع - الخيال – الذاكرة. والذاكرة تمثل مرحلة انتقال من التخيل المحض إلى الفكر الأصلي.
التفكير: الإنتقال إلى هذه المرحلة هو انتقال يتم عبر مزج الحدس والتمثيل، فالحدس كلي والتمثيل جزئي.
والفكر عند هيجل هو وحدة الفكر نفسه والوجود (ذلك أن هيجل هنا ينتقد كانط الذي يقيم فصلا بين الفكر والوجود) أي وحدة الفكر ذاته مع الآخر. ويلخص هيجل نظرته للفكر في قوله: "نحن نعرف أن ما يدل عليه الفكر موجود، وأن ما هو موجود لا يكون كذلك إلا بمقدار ما يكون فكرا" وليس غرابة أنه ينظر إلى الفكر هنا كشيء حقيقي، كشيء هو الحق وليس الباطل، هو أن أصل الكل هو "الفكرة الشاملة" عينها.
- الذهن العملي أو الإرادة: إن الفكر هو أصل كل شيء، كما أن الكلمة في المسيحية هي أصل العالم، أصل كل شيء (هي الله متجسدة في عقول البشر) وما دام الفكر عند هيجل هو الذات أي أن موضوعه هو الذات لا غير، فإنه لا يرى في العالم شيء ماديا، بل شيء خلقه هو بفكره، والفكرة هنا هي "الله متجسدة في عقل هيجل" (وللمزيد من نقد الفكرة عند هيغل، يمكن الإستعانة بأطروحات فويرباخ في كتابيه: "أطروحات من أجل إصلاح الفلسفة" و "مبادئ فلسفة المستقبل" بالاضافة الى نقد فلسفة الحقوق عند هيجل لكارل ماركس). والذهن العملي هو الإرادة، هذه الأخيرة التي تتطور وفق ثلاثة مراحل:
الحس العملي أو الشعور: وهي لحظة الذاتية في هذا القسم.
الدوافع والإختيار: وهي الموضوعية، أو النقيض - السلب.
السعادة: وهي الذاتية والموضوعية "كلية لأنها الأنا"، حيث الانا هوية خالصة أو كلية خالصة (مبدأ الهوية أنا = أنا).
إن الإرادة ليست هي حال المعرفة بل هما متمايزتان، والفرق بينهما هو أن المعرفة ليست محدودة بنفسها، في حين أن الذكاء بوصفه إرادة محدد مضمونه. والإرادة مباشرة ومضمونها في المباشرة شيء موجود عندها بالفعل. ولا بد لهذا الموضوع أن يكون كليا، ولا يمكن أن يكون كذلك إلا بالسعادة لأنها الإشباع الكلي الذي تنشده الإرادة.
الذهن الحر: والروح الحر أو الذهن الحر هو أن تجعل الإرادة من نفسها موضوعا لذاتها، ذلك لأن الإرادة بما هي كذلك إرادة حرة، لأن الحرية تعني عدم التحدد عن طريق الآخر، أي ألا يحددها الآخر. إن الذهن الذي هو مرحلة انتقالية إلى الروح الموضوعي يعرف أن موضوعه هو ذاته هذه الاخيرة المحددة تحديدا ذاتيا (حرة) وهي بهذا لا متناهية ما دامت حرة.
II - الروح الموضوعي:
تمثل فلسفة الحق جوهر هذا المستوى الثاني من فلسفة الروح، وقد خصص كتاب "أصول فلسفة الحق" كاملا لهذا المستوى. لذا فالروح الموضوعي يبدأ بآخر فكرة وصل إليها الروح الذاتي، ألا وهي الإرادة، وموضوعه على غرار الأقسام السابقة من فلسفة الروح هو: دراسة وبحث الفكرة الشاملة بما هي كذلك.
إذا كان الروح الذاتي هو الروح منظورا إليها من الداخل، فإن الروح الموضوعي هو الروح / الفكرة منظورا إليه من الخارج، أو هو في حالة تخارج. الخروج إلى عالم تخلقه هي نفسها، وليس عالم الطبيعة، لأن هذا العالم موجود مسبقا؛ بل عالم التنظيمات الإجتماعية والسياسية والأخلاقية، عالم التقاليد والعرف والحقوق والواجبات الأخلاقية. إنه الحق في جانبه الصوري وجانبه المتعين، جانبه الموجود واقعيا، المادي، ومركبهما. الحق الذي يؤسس الأخلاقية الفردية والأخلاقية الإجتماعية أو الحياة الإجتماعية.
وتنقسم فلسفة الحق إلى ثلاث ميادين كبرى: الحق المجرد: ويتضمن : الملكية والعقد والخطأ.
الأخلاق الفردية أو أخلاق الضمير: ويتضمن: - الغرض – النية والرفاهية – الخير والشر.
الأخلاقية الإجتماعية أو الحياة الإجتماعية (الحياة الأخلاقية) أو الSITTLICHKEIT وتتضمن : - الاسرة – المجتمع المدني – الدولة. ويشكل هذا القسم الاخير جوهر الفكر السياسي الهيجيلي.
الروح المطلق:
وهو مركب الروح الذاتي والروح الموضوعي، وينقسم كمبحث إلى ثلاث ميادين كبرى:
1 – فلسفة الفن: وتتشكل من مجمل مساهمات هيجل في فلسفة الفن وأساسا محاضراته الشهيرة في الفن والتي تنقسم إلى:
الفن وأنواعه: الفن الرمزي والفن الكلاسيكي والفن الرومانتيكي
الفنون الجزئية: والتي يعالج فيها: فن المعمار الرمزي وفن النحث الكلاسيكي وأخيرا الفنون الرومانتيكية والتي تنقسم بدورها إلى: فن التصوير والموسيقى والشعر.
2 – الدين: حيث يعالج الدين عامة والديانة المحددة التي تتفرع الى ثلاث اقسام: الديانة الطبيعية والديانة الرفدية والروحية وأخيرا الديانة المسيحية المطلقة. وهو الجزء الذي يشكل اساس فلسفة الدين وهو نتاج المجهودات التي تبلورت فيما بعد لدى هيجل في محاضرات في تاريخ الفلسفة التي نشرت بعد وفاته والتي ألقيت في السنوات ما بين 1930 و 1931.
3 – الفلسفة: والتي يعين لها مهمة دراسة الفكرة المطلقة تلك الفكرة التي بدأ بها في علم المنطق، فالفلسفة بالنسبة لهيجل هي فلسفة تبحث عن المطلق تبحث عن الفكرة التي ترى أن المطلق هو موضوعها لذلك يقول ولترستيس: "فالفلسفة هي معرفة الفكرة نفسها لأن ما يعرف هو الفكرة، وما يعرف أعني العقل الفلسفي قد انفصل عن الحسي، فهو فكر خالص أو هو الفكرة" (نفس المرجع فقرة 758). وكما قال هيجل "إن الفلسفة دائرة مغلقة تدور حول نفسها" (الموسوعة). إن الروح المطلق هو ما يشكل جوهر فلسفة التاريخ والدين والاخلاق والحقوق لدى هيجل، وإجمالا الفلسفة السياسية.
إن الفلسفة الهيجيلية تبدو كبناء متناسق البنيان، ولا يمكن الحديث عن جزء منه دون الالمام بالبناء النسقي ككل، إنها فلسفة نسقية بامتياز، وهذا ما حاول هذا العرض أن يقدمه.


ذ، العلوي رشيد
طالب باحث – كلية الاداب والعلوم الانسانية بنمسيك الدار البيضاء

الجمعة، 11 ديسمبر 2009

حكومة العالم الخفية الجزء الاخير (إيطاليا وألمانيا) والخاتمة

أبرز أعمال الروتشيلديين
في إيطاليا وألمانيا

(( .. فالتنظيم سرِّي حتى بالنسبة إلينا نحن العريقين
في الجمعيات السرِّية)).
(مازيني)


روتشيلد يلغي الكنيسة الكاثوليكية
كان أمشيل يتابع تنفيذ الهدف (الشيطاني) الأساس (لليد الخفية)، وهو إلغاء الكنيسة الكاثوليكية عن طريق بونابرت، القائد الأعلى للقوات الفرنسية في إيطاليا. وفي سبيل ذلك خان كلُّ الماسونيين وطنَهم وساعدوا الفرنسيين.
وقد نجحت خطة روتشيلد ((وأخذ اللواء بيرثير البابا بيوس السادس (1717 – 1799) سجيناً من روما إلى فالنس في فرنسا حيث توفي. فيا لَخِسَّة الفرنسيين الذين لم يرسلوا البابا، السيئ الحظ، وهو في الثمانين من عمره، إلى مستشفى فرنسي فلا يقضي أيامه الأخيرة في دير وهو في وطنه))(
[1]). ولكن الأمر، كما كشفه روبسبيير في خُطبته الأخيرة فكلفه حياته، هو أنَّ الأجانب – عملاء أمشيل – يحكمون فرنسا.
نقرأ في دائرة المعارف البريطانية (المؤمركة Americanized Encyclopaedia Britannica): ((بعد اتفاقية سلام تولينتينو Tolentino في شباط 1797، مرض بيوس السادس فأمر نابليون بألا تُجرى انتخابات لخلف له، كما أمر بإلغاء الحكومة البابوية. وشرع السفير الفرنسي في روما مع عملائه في طبخ الثورة. واتخذ إعلان الثورة ذريعة فورية لإنهاء الحكم البابوي وإعلان الجمهورية الرومانية. وبعد مضيِّ ثمانية أشهر، وتحت حماية الإمبراطور الروسي، انتُخب بيوس السابع (بابا) في البندقية، ونجح في كسب ودِّ بونابرت، وتبع اعتلاءه كرسي البابوية (1800) الاتفاقية البابوية (Concordat 1801)، فأعيدت الكاثوليكية ديناً للدولة الفرنسية))(
[2]).

سر ((الألتا فينديتا Alta Vendita)) (1814 – 1848)
يقول الخبير جورج ف. ديلون: ((إن التوجيه الأعلى لكل الجمعيات السرية العالمية كانت تمارسه الألتا فينديتا (السوق العالي)، أو أعلى محفل للكاربوناري الإيطالية التي كانت توجه جميع نشاطات الجمعيات السرية من سنة 1814 إلى سنة 1848)). ولا يمكن تفسير هذا السر، الذي يتمثل في الدور المفاجئ الذي قام به المحفل الإيطالي من قيادة لكل الجمعيات السرية والمحافل الماسونية التي يرأسها عدد من الرؤساء المتوَّجين، إلا بتذكُّر كارل روتشيلد الذي بقي في ذلك الوقت في إيطاليا. وقد ذكر كثير من المؤرخين، وأبرزهم السيدة نستا وبستر، أن إيطالياً من أصل نبيل باسم مستعار هو نوبيس كان يقود الألتا فينديتا. وكان ساعده الأيمن، إن لم يكن رئيسه، اليهودي بيكولو تيغر، الذي كان يجوب أوروبا كلها متنكراً بثوب مرابٍ مالي متجول حاملاً التوجيهات للكاربوناري وعائداً محمَّلاً بالذهب لصندوق أموال نوبيس.
لقد أفشى ديزرائيلي اليهودي الثرثار جزئيّاً هذا (السر)، لما كتب عن سيدونا (ليونيل روتشيلد): ((لما كان سيدونا في التاسعة عشرة من عمره سكن فترة مع عمه (كارل) في نيبلس (نابولي) ثم قام بزيارة طويلة إلى أقرباء والده في فرانكفورت (العمِّ أمشيل)))، ((وقضى بين باريس ونيبلس سنتين. لقد كان من المستحيل أن تسبر غوره من شدة تحفظه. وهو يلاحظ كل شيء –على الرغم من حذره الشديد – لكنه يتجنَّب المناقشة الجادة.. فهو رجل بلا مشاعر)). أوليس هذا هو وصف هؤلاء المجرمين من الألتا فينديتا من أمثال نوبيس وبيكولو تيغر، الذين يتحركون دائماً كالشياطين، ساعين لالتهام بعض المسيحيين؟
ومما جاء في الكتاب أيضاً:
((رتب سيدونا في مؤتمر عائلي، عُقد في نيبلس مع رؤساء الأسَر التي تحمل اسمه، موضوع تنظيم ثروته الواسعة وإدارتها)). ((... وغاب سيدونا وقطع علاقاته خمس سنوات!!!)). ((وكانوا يعرفون وجوده من طلباته للدفع فقط)).. ((وسكن لفترة في ألمانيا ثم استقر في نيبلس. وهو شخصية تلفت الأنظار نحوها، واستفاد بذلك من بلاط مدين له)). أفلا يكون سيدونا هو نوبيس الغامض؟
ويؤكد ريفيز أن فرديناند الأول، ملك نيبلس، أُجبر على قبول الشرط الذي أملاه كارل روتشيلد
((بإعادة صديق اليهود مديتشي وزيراً للمال))(
[3]).


مازيني
اليهود أنفسهم أكثر أعداء السامية سوءاً، فبحبهم للافتخار والزهو يفضحون نذالتهم وخِسَّتهن. تقول النيويورك تايمز، التي يمتلكها اليهودي أدولف أوشس Adolph Ochs، عن إيرنستو Ernesto ناثان اللعين: ((والده من أبوين يهوديين، وكان محافظاً لمصرف الروتشيلديين في فرانكفورت. وكان مازيني الإيطالي الوطني يشارك في المنزل الذي وُلد فيه إيرنستو، وقد نشر الأخير أعمال الأول. وتوفي والده في 1859 وأصبح منزل والدته ملجأ للوطنيين. وغدا إيرنستو مدير إدارة صحيفة (شعب روما) التي أسسها مازيني... وفي 1907 اختاره مقاومو الإكليروس محافظاً لمدينة روما، مخالفين في ذلك تقليد تعيين المحافظ من الأُسَر الرومانية العريقة. ولم يُقابَل محافظ بذم يفوق حواجز الشفقة مثل الذي قوبل به ناثان الذي كان ماسونياً رقي إلى صدر أعظم، ثم أصبح صدراً أعظم ممتازاً))(
[4]). ومن هنا يتضح أنَّ الصحيفة تقرِّر أن أحد الروتشيلديين – ناثان – ذهب إلى روما (ليفسد) مازيني وغيره من الوطنيين.
وفي خطاب ناثان الآتي (انظر: شيطان القرن التاسع عشر) يؤكد ((خطة الجحيم The Plan of Hell)) التي ذكرها اليهودي ليمان، فهو يقول: ((إن الجماهير التي تحررت من وهم المسيحية ومفهومها للإله لم تحدِّد معتقدها بعد. إنها متعطشة إلى مثل أعلى، ولكن لا تعرف من تعبد، وستستجيب ((للنور الحق))، للتجلي العالمي للعقيدة اللوسفرينية (الشيطانية) Luciferian(
[5]). وهذا التجلي يظهر من الحركة العامة لردِّ الفعل الذي سيتبع نهاية الإلحاد والمسيحية اللذين سينتهيان ويُقضى عليهما في وقت واحد)).
((كان مزيني يدعو للمسيحية والوطنية على الرغم من أنه التحق بالكاربوناري حيث تنبَّهت إليه الألتا فينديتا التي تؤمن بأن العقل لا الجسم يجب أن يكون هدف الهجوم))(
[6]).
وقد شكَّ مازيني في أن الأسرار حجبها عنه رؤساء الألتا فينديتا، وراودت ماليغاري المخاوف نفسها، فكتب من لندن إلى الدكتور بريدنستين هذه الكلمات المعبرة: ((نحن في تنظيم من الإخوان في كل أنحاء المعمورة، رغائبنا ومصالحنا مشتركة، نهدف إلى تحرير الإنسانية، ونرغب في قهر كل صنوف الاستبداد، بيد أن هناك شيئاً بالكاد يُشعر به مع أن يثقل كاهلنا. من أين أتى؟ أين هو؟ لا أحد يعرف، أو على الأقل لا أحد يخبر. فالتنظيم السري حتى بالنسبة إلينا نحن العريقين في الجمعيات السرية)).
هذا التنظيم السري هو (اليد الخفية). فهي تكره مازيني وماليغاري لأنهما مسيحيان ووطنيان، ولا تريد أن تحرر الإنسانية من الاستبداد اليهودي بل تهدف إلى استعباد اليهود للبشرية.

بسمارك
سقط نابليون فأصبح الروتشيلديون بحاجة إلى سفاح آخر، فصنعوا أوتو بسمارك Otto Bismark.
تزوَّج والده وليم من لويزا مينكين Louisa Menken (أسرة يهودية)، وهي بورجوازية صغيرة من أصل مغمور، وأخذها إلى مقره الريفي الذي احتله الجيش النابليوني سريعاً، بل إن المارشال سولت – وهو يهودي بحسب رواية ديزرائيلي – اتخذ منه مقراً لقيادته.
ومن الثابت تاريخيّاً أن (لويزا كانت معرضة للانتهاك)، فشمبانيا المارشال اليهودي الباريسية، والقوة الآسيوية (المقنعة) وإيمان كليهما المطلق بفكرة (إسرائيل فوق الجميع)، كلها عوامل أكثر جاذبية لقلب اليهودية من (بيرة) زوجها الألماني الإقليمي وذكائه. ولم يُخفِ سولت إعجابه العظيم بالسيدة بسمارك – مينكين وابنها (رجل الدم والحديد) مستقبلاً(
[7]). وسُولت هذا هو أحد (الثلاثمائة عضو) في (اليد الخفية)، وقد احتل أعلى المراكز في فرنسا حتى وفاته في سنة 1851، وخان كل حاكم مسيحي عمل معه.
ذكرنا ب مكان آخر، أنَّ ليونيل علَّم ديزرائيلي خطط الشيطان، وكان يصحبه معه دائماً إلى باريس، حيث قدمه جيمز روتشيلد الثالث، وهناك تعرَّف إلى الوزير البروسي اليهودي الكونت أرنيم، وأصبحا صديقين بفضل ليونيل، وربما كان اليهودي سولت، عضو مجلس الوزراء الفرنسي، يتحدث كثيراً عن ابنه أو ابن عشيقته اليهودية مينكين (السيدة بسمارك). وهكذا قررت العصابة اليهودية احتضان بسمارك، الذي كان بحاجة ملحَّة للمال، فهو منذ سنة 1839 يعاني أزمةً عمَّت البلاد.
وكان الروتشيلديون وديزرائيلي وسولت وأرنيم يراقبونه ويسعون إلى استغلاله. وفي سنة 1839 كشف بسمارك – كديزرائيلي – عن اتجاهات ثورية انقلابية، بيد أن جيمز طلب منهما أن يلعبا لعبة ((المحافظة)) (كانت هي المنتصرة وقتذاك) حتى يتسللا إلى المجتمع الراقي ويقبضا على السلطة. وهكذا غيَّر بسمارك وديزرائيلي اتجاهاتهما الثورية ولبسا قناع الأفكار المحافظة. وقد تزوج اليهودي أوسكار أرنيم أخت بسمارك الحبيبة إليه (مالفينا) في 1844، وكان أوسكار عصواً في الرايخستاغ، بينما كان بسمارك تحت تأثير أخته الدائم.
قد يجد بعض القراء تناقضاً بين تحذير المسيح (من أن اليهود ينفِّذون شهوة الشيطان للقتل) وواقع كون بسمارك وديزرائيلي يهوديين وهما زعيما الحركات المحافظة(
[8])، لذا أذكِّر هؤلاء بأنه في الوقت ذاته كان اليهود: كارل ماركس وفرديناند لاسال وإنجلز وغيرهم يتزعمون الحركة البلشفية، كما أنَّ بسمارك وديزرائيلي (اليهوديين) زجا بلديهما في حروب متعددة.
كتب اليهودي راثينو Rathenau، دكتاتور ألمانيا سابقاً: (ثلاثمائة رجل يعرف كل منهم الآخرين، يتحكمون في قدر أوروبا ومصيرها، وينتخبون خلفاءهم من بطانتهم، وهؤلاء اليهود الألمان يقبضون على وسائل تقضي على كل دولة لا تذعن لمخططاتهم)(
[9]).
على هذا فراثينو إنما يعيد قول ديزرائيلي: (يُحكَم العالم بأشخاص مختلفين اختلافاً شديداً عمن يتخيلهم الناس الذين لا يعلمون بواطن الأمور). وهذا يعني أن الحاكمين ليسوا القياصرة والأباطرة والرؤساء وإنما هم (الثلاثمائة يهودي) الذين يشكلون (الحكومة العالمية) المعروفة بـ(اليد الخفية).
وبعد أربعين سنة من إعلان ديزرائيلي، وقبل أربعين سنة من قول راثينو، قال بسمارك القول ذاته بصيغة أخرى، فأشار إلى (أن الرجال العظماء مدينون بشهرتهم، إن لم يكن للحظ فعلى الأقل للظروف المواتية التي هم أنفسهم لا يدركونها).
وربما كان سولت اليهودي وأحد الثلاثمائة، الأب الحقيقي لبسمارك، ولاسيَّما أن السيدة بسمارك كانت عشيقة سولت، وربما اختار سولت بسمارك خليفة له كأحد الثلاثمائة الذين يتحكمون في مصير أوروبا. والشيء ذاته ينطبق على ديزرائيلي وعدد من اليهود الذين لعبوا دوراً كبيراً في الشؤون العالمية.
وقد اعترف بسمارك بعلاقة والدته بسولت فقال:
((ليست قدراتها ولا مواهبي هي التي صنعت مني رجلاً عظيماً، ولكن الحقيقة أنَّ أمي كانت عشيقة سولت، أحد الثلاثمائة، فساعدني)).
((ليس هناك خطأ أكثر خلطًا من الزعم بأن الثورات تسببها عوامل اقتصادية. فالعوامل الاقتصادية تساعد، بلا شك، على إرساخ كارثة ولكن نادراً ما تتسبب في صنع كارثة))(
[10]).



خاتمة

{وَأعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ..}
[الأنفال: 60]



نشرت ((دار النفائس))، خلال السنوات الثلاث الماضية، عدداً من الكتب تناولت فيها تاريخ فلسطين القديم، ومعتقدات اليهود الدينية، من خلال التوراة والتلمود، ومنظماتهم السرية، ومخططاتهم ضد البشرية، ونفوذهم الدولي.
وكان لقرَّاء هذه الكتب آراء متباينة في موضوع نشرها. بعضهم تحمَّس لها وأيَّد نشرها وشجَّعنا، فله الشكر. وبعضهم انتقدنا، وله الشكر أيضاً، لأنه لفتنا إلى بعض الأمور. والمنتقدون قسمان: ناقد مخلص وآخر مغرض. ومع أن مبيع هذه الكتب يرجح كفة المؤيدين، فإن ذلك لا يمنعنا من تبيان وجهة نظرنا في أهم الانتقادات البنَّاءة.
فهناك من يرى أن نشر الكتب التي تتناول اليهود وتُظهر إمكاناتهم يثبط الهمم ويضعف المعنويات، ويجعل الناس مستسلمين (لقدر لا بدَّ منه، ومن يتساهل من أصحاب هذا الرأي يُطالب بحصر الكتب المماثلة في فئة من المواطنين يحددها بالطبقة الواعية. رأينا يختلف: نحن نرى أن معرفة العدو على حقيقته هي الخطوة الأولى في طريق الانتصار عليه، هي كمعرفة الطبيب للمرض، لا يبقى بعدها سوى استعمال الدواء المناسب. صحيح أن التهويل بقدرة العدو يؤثر في معنويات الشعب، وهو هدف كل حرب نفسية يقوم بها العدو، لكن التهوين من قدرته أمر لا يقلُّ خطورة عن التهويل، وعدم معرفة العدو على حقيقته جريمة لا تُغتفر، نتيجتها المفاجأة بعدو لم نعدَّ له الإعداد الكافي، وهذا ما حصل عام 1967 ويعرفه جميع الناس.
كنا نضع نصب أعيننا، ونحن ننشر هذه الكتب، إعلان الحقيقة، مهما كانت مُرَّة، مع التنبيه دائماً، في كل كتاب وفي عدَّة مواضع، إلى كل مغالاة نراها، مع اعتقادنا بأن مستوى القارئ العربي يعفينا من هذه المهمة في أغلب الأحيان. وأكدنا دائماً وجوبَ إعطائنا قضية النفوذ اليهودي حجمها الحقيقي. ورد في خاتمة كتاب (أحجار على رقعة الشِّطْرَنج): ((لذلك يجب أن تُعطى قضية النفوذ اليهودي حجمها الطبيعي))، فالتقليل من شأن العدو لا يختلف عن المبالغة في قدرته، كلاهما يؤدي إلى نتيجة واحدة. والعدُّو القوي قد يدفع فئة من الناس إلى الاستسلام، لكن هذه الفئة إذا ما فوجئت بعدو قوي تكون هزيمتها مخزية، أما الفئة الأهم في كل أمة فهي التي تقبل التحدي فتستعد لعدوها، لتواجهه بعتاد وعناد أقوى مما عنده.
أما أنَّ هذه الكتب يجب أن تُحصر بالطبقة الواعية، ولا شك أن أنصار هذا الرأي أقل الناس وعياً، فهذا يدفعنا إلى أن نسأل: مَن هي الطبقة الواعية؟ وما هي مقاييس تحديدها؟ ومن له حق تعيينها أو اختيارها؟ نحن نرى أن الطبقة الواعية تظهر من خلال التجربة. إن نشر الحقيقة بين الناس، كل الناس، يؤدي إلى بلورة الطبقة الواعية، فمن الناس من يقرأ عن العدو ليمضي الوقت، ومنهم من يقرأ وينسى، ومنهم من يقرأ فيفهم ويتَّعظ ويشعر بواجبه، فيتقدم تلقائيّاً ليشكِّل مع أمثاله الطبقة الواعية، إن صحَّت التسمية.
الانتقاد المهم الثاني مصدره المتديِّنون المسلمون بشكل خاص. يقولون إننا نهاجم اليهود ولا نفرِّق بين يهودي وصهيوني، ومن خلال ذلك نتعرض لليهودية مع أنها دين سماوي. ولنوضح هذه النقطة، نسارع إلى القول بأننا نؤمن بموسى وعيسى وغيرهما من النبيين على أنهم جميعاً رُسل رب العالمين، ولم يَدُر في خلدنا يوماً أن نهاجم أي دين سماوي.
إننا، من خلال ما نشرناه، نريد أن نوضح للناس أن اليهود تحوَّلوا منذ زمن مُغرق في القدم، إلى عصابة سريِّة مغلقة وضع أنظمتها بشرٌ حاقدون هم الحاخامات، ولا تمتُّ تعليماتها إلى رب العالمين أو إلى أي من أنبيائه الصالحين بصِلة(
[11]).
يقول بنيامين فريدمان في دراسة له موجَّهة إلى الأميركيين تحت عنوان ((يهود اليوم ليسوا يهوداً))(
[12]): ((لقد غسل أسلوب {الكذبة الكبرى} للاحتيال الشرير الذي لم يعرف تاريخ البشرية المدوَّن مثيلاً له, أدمغة مسيحيي الولايات المتحدة الأميركية ليغرس فيها الاعتقاد المخادع بأن من يزعمون أنفسهم {يهوداً} في كل مكان من عالم اليوم، يتحدَّرون من سلالة {القبائل العشر الضائعة} في تاريخ {العهد القديم}، وفق ما تزعمُه خُرافة {التشتت في زوايا الأرض الأربع}. والحقيقة أنَّ من يزعُمون أنفسهم يهوداً، المتحدِّرين تاريخيّاً من سلالة الخَزَر، يشكلون أكثر من 92 بالمائة من جميع من يسمُّون أنفسهم {يهودًا} في كل مكان من العالم اليوم. والخزر الآسيويون الذين أنشئوا مملكة الخزر في أوروبا الشرقية، أصبحوا يسمُّون أنفسهم {يهودًا} بالتحول والاعتناق([13]). سنة 720م، وهؤلاء لم يطأ أجدادهم قطُّ {الأرض المقدسة} في {تاريخ العهد} هذه حقيقة تاريخية لا تقبل جدلاً)).
وقد اختارت هذه العصابة أفضل جزء وأقدسَهُ من أرضنا لتسلبنا إياه وتقيم عليه مركزها الرئيس. اختارت فلسطين، وما أدراك ما فلسطين، فيها المسجد الأقصى، الذي يقول الله عزَّ وجلَّ فيه: {باركنا حوله}، وفيها كنيسة القيامة، وبموقعها الجغرافي تفصل بين آسيا العربية وأفريقيا العربية. وقامت بالقوة الغاشمة وبمساعدة المستعمرين وتآمر العالم السكوتي بتشريد شعب فلسطين، وإحلال مهاجرين يهود مكانهم في أرضهم وبيوتهم...
إنَّ إسرائيل خنجر، عمل بعض اليهود الصهيونيين بجد ونشاط على غرزه في جسد العالم العربي، وصفق لهم كل يهود العالم وانهالت معوناتهم، وما زالت تنهال باستمرار، على إسرائيل، تلك المعونات التي لولاها لما استمرَّ وجود الدولة (اللادولة). ليقف معنا اليهود الذين يدَّعون أنهم غير صهيونيين، وليساعدونا على إنهاء ما يسمى (دولة إسرائيل)، فيجدوا عندنا ما وجد آباؤهم في جميع الأقطار التي كان يحكمها آباؤنا. وسيعود (عصرهم الذهبي) كما يسمونه هم. فهم يعلمون، ونحن نعلم والعالم كله يشهد، أن اليهود لم يجدوا أرحم من أجدادنا باليهود في كل تاريخهم الممتلئ بالاضطهاد.
إذن، قضيتنا مع إسرائيل قضية واضحة محددة. لقد سلبنا الإسرائيليون أرضنا وقتلوا رجالنا ونساءنا ويتَّموا أطفالنا، ودَّنسوا مقدَّساتنا، فكانوا أكثر من مستعمرين، حتى اسم الأرض ثقل عليهم فغيَّروه ولم يتحمَّلوه.
ولئن استطاعوا البقاء بالقوة في أرضنا إلى هذا التاريخ فلا يعني ذلك أبداً إمكانية استمرارهم في الوجود جسماً غريباً في الجسد العربي، وها هي حرب رمضان(
[14]) تعطي برهاناً قوياً لكثير مما ورد في مقدمتي لهذا الكتاب.
لقد أُعِدَّ الكتاب للنشر قبل حرب رمضان، وشاءت الظروف أن أتلوا مقدمته على أحد الأصدقاء، ولما وصلت إلى آخرها وقلت: ((إن قوة العرب الذاتية أكبر من كل تصور... والعرب عاطفيون، والعاطفة سلاح ذو حدَّين، فكما يتصف أصحابها بالتسرُّع، و{طيب القلب} وربما السطحية في مناقشة الأمور.. فهم يجودون بأرواحهم رخيصة في سبيل ما يؤمنون به، وثأراً لكرامتهم إذا ما ثلمت.
إنَّ اتحاد العرب، وتوحيد جيوشهم، وتقديم الكفاءة في كل بلد عربي على الولاء، وتوظيف طاقات الأمَّة العربية في المعركة، يحوِّل واقع الهزيمة إلى نصر، واستجداء السلاح إلى تصنيعه، والندب على {حائط مبكى العموم} في هيئة الأمم إلى فرض الشروط على مجلس الأمن...)).
ضحك صاحبي وقال: لا شك أنك تحلُم... وكم تمنيت أن تبرهن الأيام صدق كلامي، فالمناقشة في الأمور المماثلة تبقى وجهة النظر فيها نظرية بلا برهان، حتى تؤكد الأيام.
وجاءت حرب رمضان.. وأنا هنا لا أريد أن أدخل في تفاصيل معاركها، ولا كيف بدأت أو كيف انتهت، ولا أريد أن أحلِّل نتائجها، فمجال ذلك في كتب أخرى، إنَّ ما يهمني منها هو الجزء الذي يعطي برهاناً على صدق ما ذكرت في مقدمة الكتاب. فمن جملة ما أثبتته هذه الحرب:
1- أثبت الجندي العربي أنه مقاتل من الطراز الأول، مستعد للتضحية، قادر على إتقان استعماله لأدقِّ الأسلحة الحديثة بسرعة ومهارة، وهذا ما دعا أحد كبار المراقبين العسكريين، الذين كانوا في سورية أثناء الحرب، إلى القول: ((إنَّ الجندي السوري مقاتل ممتاز وإن كان يحتاج إلى مزيد من التدريب، أما الطيار السوري فهو بطل عالمي))، والنتيجة التي كانت تسفر عنها المعارك بين (الميغ17) و(الفانتوم) أكبر دليل على ذلك. لم يتغير السلام ولا الإنسان الذي يستعمل السلاح، وإنما تغيرت نفسيته وظروفه.
2- ظهرت النواحي الإيجابية في صفة (العاطفية)، فوقفت الشعوب في كل قطر عربي وقفة واحدة واندفعت وراء قادتها، رغم ما يوجد من هوَّة بين الحاكم والمحكوم في معظم هذه الأقطار. وكذلك التقت الحكومات العربية، على اختلاف مذاهبها ورغم الخصومات التي سبقت المعركة، على صعيد واحد، وتنافست فيما بينها في ما تقدمه للمعركة {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ اْلمُتَنَافِسُونَ} [المطففين:26] وإذا بزعيم (الرجعية)، كما كان يُدعى في بعض الأوساط التي أسهمت بنصيب وافر بانقسام العرب، أكثر الناس تصلباً في القضية الوطنية وأكثرهم بذلاً وسخاءً في تمويل المعركة، واستيقظ الذين ناموا على خلافاتهم على وحدة الصف ووحدة الرأي، أكسبتهم احترام جميع شعوب الأرض وحكوماتهم.
3- اقتنع مَن كانوا يتطرَّفون في اتهام المخالفين لوجهات نظرهم بخطأ مواقفهم السابقة، حتى خاف بعضهم من الاتهام. وبدا من سلوكهم كثير من التعقل، وظهر بينهم اتجاه قوي يدعو إلى حل الخلافات ضمن حدود الاحترام المتبادل لوجهات النظر المتباينة.
4- ظهرت إمكانيَّة العرب وطاقاتهم من خلال استعمال جزئي لما يملِكون من طاقات. فإذا بتخفيض بسيط لإنتاج النفط مع حظر تصديره إلى بعض الدول يقلب جميع مفاهيم العالم الاقتصادية والسياسية، وإذا بالكبار الكبار سابقاً يسعون لكسب وُد من كانوا يعتقدونهم صغاراً.
5- ظهرت أهمية الوحدة العربية من خلال وحدة الصف في أثناء المعركة والنتائج التي أسفرت عنها تلك الوحدة. والحقيقة أنَّ الوحدة العربية الكاملة هي أمل كل عربي، فبالإضافة إلى وحدة اللغة والتاريخ والدين والتكامل الاقتصادي وغير ذلك، فللعرب مصلحة تزداد كل يوم إلحاحاً في الوحدة. صحيح أن واقع التجزئة، بالإضافة إلى عوامل أخرى كثيرة ومعروفة، خلق بعض التناقضات بين الشعوب العربية، غير أن هذه التناقضات وما نشأ عنها من حواجز، حالت حتى الآن دون الوحدة، تنهار الواحدة تلو الأخرى. وربما كانت حرب رمضان أكبر برهان على ضرورة الوحدة وأهميتها في وقت يظهر فيه العدوُّ الرضوخ والرغبة في السلام، أملاً منه في أن يتكفل الزمان بإعادة الفرقة والتصارع إلى الحلبة العربية، وربما سجَّل التاريخ لهذه الحرب بداية وحدة حقيقية بين جميع الشعوب العربية.
6- هذه النتيجة أذكرها لأهميتها البالغة، رغم أنها لا تدخل ضمن الإطار الذي حددته لنفسي في هذه الخاتمة، وهي عودة العرب ليأخذوا دورهم الطليعي في تلاحم إسلامي، تجلَّى بأروع مظاهره في مؤتمر لاهور. فقد ذهب العرب إلى المؤتمر هذه المرة مسلَّحين بأشياء فقدوها سابقاً، وذهبوا إلى المؤتمر هذه المرة وهم منتصرون، ولو أنه نصر غير كامل، بينما كان شبح الهزيمة يلاحقهم أينما ذهبوا. ذهبوا وهم متفقون بينما كانت الفرقة تتحكم فيهم. ذهبوا هذه المرة وهم مؤمنون بأهمية العودة إلى عقيدتهم وضرورتها، بينما كان قسم كبير منهم يكفر بعقيدته ويحمِّلها الجزء الأكبر من الهزيمة ليجد في ذلك مبرراً للارتباط في ذيل (دين) جديد.!
وفوق كل هذا، هم هذه المرة يدركون أهمية ثرواتهم الضخمة وهم على استعداد لتوظيفها في خدمة أهدافهم.
لقد كان العرب منذ سنوات، كما قال المفكر الإسلامي الهندي أبو الحسن الندوي في إحدى محاضراته في لبنان مخاطباً الحضور ويقصد العرب: ((لقد كنتم لنا مصدر كل خير في الماضي، ويؤسفني أن أقول لكم الصراحة: أنتم الآن مصدر كل شر...))
أما اليوم فقد تغيرت الصورة، وبدت في الأفق بوادر تغيُّر قد يكون، كما قال غسان تويني(
[15]) عن مؤتمر لاهور: ((وقد نكون عشنا خلال ثلاثة أيام مفترق طرق تاريخيّاً لا ندري بعد أهميته، وقد يُقال عنه غداً: إنه فاتحة عصر ذهبيٍّ جديد)).
وقد قطع المسيحيون العرب الطريق على محاولات تدويل القدس وتحريك المسيحيين ضد اللقاء الإسلامي، فبرز التفاهم الإسلامي المسيحي بأجلى مظاهره، بذهاب وفد مسيحي برئاسة رجل دين إلى المؤتمر، تعبيراً عمليَّاً عن تأييد المسيحيين الكامل للِّقاء الإسلامي، وبتساؤل نقله إلى المؤتمر رئيس وزراء لبنان عن لسان رئيس الدولة المسيحي الوحيد في الدول العربية(
[16])، قال: ((هناك ثلاثة أديان تهتمُّ بالقدس، واحد منها لا يعترف بالدينين الآخرين ولا يحترمها، والثاني يعترف بأحدهما ويحترم الثالث، أما الدين الثالث فيعترف بالدينين الآخرين ويحترمهما... فالسؤال: لمن تكون مسؤولية حماية قدسية القدس؟)).([17])
7- أثبتت الحرب أن إسرائيل لا يمكنها أن تعتمد على نفسها، وأنَّ وجودها مرتبط في تبنِّي دولة كبرى لها ودعمها، ومع أن الحلول المطروحة الآن قد تعطي إسرائيل ضمانة دولية وحقاً في الوجود، فإن ذلك لا يمكن أن يبدِّل منطق التاريخ، وتبقى القضية قضية سنوات تزداد أو تنقص. فقد صرح بومبيدو، رئيس جمهورية فرنسا الراحل(إحدى دول العدوان الثلاثي على مصر عام 1956) بعد حرب رمضان بأشهر(
[18]) وفي أثناء مفاوضات السلام، بقوله: ((لا أستبعد عقد اتفاق سلام بين إسرائيل ومصر وبلدان مجاورة أخرى، ولكن ما يجعلني متشائماً هو أنَّ مثل هذه الاتفاقات لن تحظى باعتراف سكان البلدان المعنية أو قبولهم، ومن المحتمل أن تبدو نوعاً من الهُدنة الطويلة أكثر مما هي سلام نهائي)).
ولعل من المفيد والمقنع بوجهة النظر هذه ، ذكر هذا المقطع من رسالة وجَّهها الشيخ بيار الجميل، زعيم حزب الكتائب اللبناني، وهو الحزب المتهم ببُعده عن التحمُّس للعروبة، قال الجميل: ((..إسرائيل كما هي تشكِّل إساءة مزدوجة. فقد أساء وجودها إلى العرب وإلى اليهود بآن واحد. فهي، عدا عن كونها قائمة على أنقاض وطن آخر لشعب آخر، فقد ورَّطت اليهود في مغامرة لا أستبعد أبداً أن تنتهي بمأساة أخرى لشعب شبع مآسي وظلمات))(
[19]).
هذا الكلام ليس ضدَّ اليهود ولا مصدره المتطرفون ضدهم، لكنه كلام كله صدق وكله حكمة وعقل. ولئن تنبَّه زعماء اليهود العقلاء، وغير المتطرفين إلى حقيقة وضع إسرائيل، وسعَوا إلى تأمين ضمان دولي لها، فإن ذلك لن يؤدي في النهاية إلى قبولها من المجتمع العربي. إن حلَّ مشكلة اليهود واحد لا ثاني له، هو التنازل الطوعي عن اسم إسرائيل وإعادة سكان فلسطين الأصليين إليها، ونزوح الدخلاء من اليهود غير الشرقيين عائدين إلى بلادهم أو إلى بلدان أخرى يختارونها، وإنشاء دولة ديمقراطية يعيش فيها اليهود الشرقيون كغيرهم من الطوائف؛ عندها فقط سيهنأ اليهود الذين سيبقون في عيشهم مع العرب المتسامحين، وإلا فإن النهاية ستكون فعلاً مأساة جديدة لشعب شبع مآسي.
وكما قلنا في مقدمة الكتاب: ((وعندها سيحمد العالم الذين أوجدوا إسرائيل أن جمعوا اليهود في فلسطين، وستطل روح مؤلف كتابنا هذا من السماء ضاحكة من كل جهد بذلة الصهيونيون، وأضاع هو الوقت في تسطيره هذا الكتاب)).
إلى هنا تنتهي خاتمة الكتاب، كما وردت في طبعته الأولى، ولم أشأ تغيير ما كتبت في ظل حرب رمضان لعام 1973 التي أحيت آمالاً وصنعت أحلاماً، بينما يعاد طبع الكتاب في أوائل العام 2004 في ظلام الحملة (الصهيوصليبيبة) على العرب والمسلمين، وتداعيات احتلال العراق، وبروز الاستعمار من جديد.
ولا شك في أن القارئ الذي انتهى من قراءة الكتاب سيدرك أهمية المعلومات التي تضمنها، على الرغم من تاريخيتها،لأن الأحداث تتكرر في الوقت الحاضر بأشخاص آخرين، والمخططات تعدَّل، ولا تحيد عن أهدافها. ولا شك في أن القارئ سيتساءل أيضاً عن مدى سيطرة اليهود وتجار الحروب وتحكُّمهم في أموال العالم وثرواته، ولماذا ننشر ما مضى ونتغافل عن الحاضر وهو أكثر أهمية وفائدة(!) وهو على حق في تساؤله، ولكن عذرنا أننا نسعى وراء ذلك فلا نجد العارفين ببواطن الأمور، أو القادرين على كشفها. ومع جهلنا بالأشخاص الذين يديرون سياسة العالم من وراء الستار ومخططاتهم، فإننا نلمس نتائجها مما يجري على رقعة العالم بعامة، والعالم العربي والإسلامي بخاصة.
ونستطيع أن نقول بثقة كبيرة إنه لا حلَّ لمشكلات العالم المختلفة وبخاصة الاقتصادية، التي تتفاقم يوماً بعد يوم، إلا بنزع السيطرة المالية من (الأيدي الخفية) التي تتحكم بثروات العالم وتوجه سياساته من وراء ستار.
إنهم يقدمون إلى الناس ورقة لا قيمة لها عندما يريدون أن ينزعوا قيمتها منها، لأنها في الحقيقة لا تساوي ثمن ورقها.
ولا بدَّ من أن ينتهي في التعامل المالي بين الدول: سجلنا لكم، أو سجلنا عليكم، كذا دولاراً. يجب أن نعطيهم نفطاً أو غيره، فيعطوننا ذهباً نشتري به ما نشاء، وممن نشاء، ونوظِّفه حيث نشاء. وعلينا أن نضمن لأنفسنا سلامة أموالنا، فلا نصادر، ولا نستولي على أموال بعضنا بحجج ثبت بطلانها، لنبعث الاطمئنان في نفوسنا. وسيلاحظ القارئ أيضاً ما توصَّل إليه اليهود، هو ثمرة سنوات طويلة من العمل والبذل والتضحيات، وهم يحصدون حالياً ما زرعوه سابقاً، ونحن نحصد ما زرعنا... فماذا يزرعون اليوم، وماذا سيحصدون غداً؟ وما نزرع نحن وأي حصاد ننتظر؟
كيف لا يدرك بعضنا أن لسان حال الكيان الصهيوني وتصرفاته تعلن جهاراً: أنا تغلبت على العرب مجتمعين، واستوليت على أرضهم بالقوة، والقوي يفرض شروطه وإرادته، وعلى العرب أن يطيعوا ويتنازلوا.
والتنازلات لا نهاية لها، والمطامع اليهودية لا حدود لها، لذلك لا حل إلا عندما يشعر العدو بأن العرب أصبحوا قادرين على استرداد حقوقهم بالقوة إذا دعت الحاجة إلى استعمالها.
بعد هذا ألا يجدر بنا وبحكامنا ومفكرينا أن نسعى جميعاً لتدارك ما يهيأ لنا فلا نلحق بالأمم البائدة؟
إن سنن الله في خلقه أن يجني الإنسان ما قدمت يداه... وهو الموفق، وعليه الاتكال.


أحمد راتب عرموش
















المؤلف شيريب سبيريدوفيتش
هل قتلوه؟


نعَتْ جريدة ((النيويورك تايمز)) المؤلف الكونت(
[20]) شيريب سبيريدوفيتش، في عددها الصادر بتاريخ 23 تشرين الأول 1926، فقالت تحت عنوان ((وفاة الكونت سبيريدوفيتش في غرفة بفندق ستاتن آيلاند متسمِّماً بالغاز قبل موعد اجتماع سلافي كبير بيوم واحد)).
توفي أمس، متسمِّماً بالغاز، الكونت آرثر شيريب سبيريدوفيتش الذي كان يطمح إلى توحيد ملايين السلافيين المشرَّدين في جميع أنحاء العالم، وذلك في غرفته في (باريت مانور).
وتصادف الوفاة في اليوم السابق لمؤتمر سلافي كان سيبدأ انعقاده يوم الاثنين، بعد عدَّة سنوات من التحضير. وكان المتوفى قد نظم عدداً من المؤتمرات وأرسل كثيراً من النشرات تتعلق بخطته لوحدة سلافية.
وكانت صاحبة (باريت مانور)، السيدة هارييت بولي، قد قرعت باب الكونت أمس فلم يأتها جواب، وعندما شعرت برائحة الغاز أعلمت الشرطة التي كسرت الباب. وبعد التحقيق اتفق الدكتور جورج د.مورث، مساعد الطبيب الشرعي، والدكتور وليم بيتيت على أن الوفاة قضاء وقدر.
والكونت سبيريدوفيتش وجه غريب أمضى وقتاً طويلاً متنقلاً بين أوروبا وأميركا في المهمَّة التي اختارها لنفسه، وهي توحيد المائتي مَليون سلافي في منظمة واحدة، وقد سمى نفسه (منظِّم الاتحاد الأميركي السلافي واللاتيني في الولايات المتحدة).
وقد أرسل الكونت من غرفته في هارلم، في حزيران المنصرم، آلاف النشرات طالباً تأييد منظمته، والاشتراك السنوي فيها دولار واحد. وكان قد أعلن أن الملكة ماري، ملكة رومانيا، ستحضر المؤتمر المحدد عقده يوم الاثنين. وقد أتى ذكر الكونت مراراً على صفحات الجرائد خلال الخمس والعشرين سنة الماضية.
ففي عام 1907 قدَّم إلى الرئيس روزفلت كأساً فضية باسم الاتحاد السلافي في موسكو، كعربون تقدير للرئيس الأميركي بسبب مساعيه لإنهاء الحرب الروسية – اليابانية.
وخلال تلك الزيارة، بحث مع الجمعيات الأرمنية في جدوى تأليف لجنة في أميركا لإثارة الرأي العام الأميركي ضد تركيا بسبب معاملتها للأقليات في أرمينيا ومقدونيا وألبانيا والبلاد العربية، وقد ناشد الأرمن أن يوحدوا صفوفهم ضد أرمينيا.
وفي عام 1908، ذكر أن الكونت سبيريدوفيتش يحاول إيجاد فتاتين أميركيتين غنيتين لزوِّجهما بولدي الملك إسكندر ملك صربيا. وبعد ذلك قيل إن الكونت نفسه على وشك الزواج بأرملة أميركية ثريِّة. وقد جاء في رسالة صحفية صادرة عن (سانت بطرسبرغ) أنَّ الكونت ولو كان من عائلة كبيرة، إلا أنَّ لقب النبالة الذي يحمله منحه إياه الفاتيكان وليس روسيا، وقد قيل إنه يتحدَّر من عائلة ليتوانية عريقة، إلا أن لقب كونت الذي يحمله لم يُعترف به قطُّ في روسيا.
وقد دافع الكونت عن نفسه ضد هذه التهم وقال إن البابا بيوس العاشر هو الذي منحه لقب كونت روماني، إلا أنَّ وراءه ثمانية وستين جيلاً من النبالة، وأنكر أنه يحمل دماً صربياً في عروقه قائلاً: إن الادعاءات المذكورة في الصحف الأميركية هي من تأليف الشرطة الألمانية والنمساوية والتركية. والمشروع الذي حاول إيجاد رأسمال له هو ربط بحر البلطيق والبحر الأسود بقناة صالحة لمسير السفن.
وكان يلذُّ للكونت أن يقصَّ على معارفه كيف تفادى حدوث حرب عالمية قبل اثنتي عشرة سنة، وكان وثيق الاطلاع على الأمور الأوروبية. وخلال زيارته لنيويورك سنة 1920 وُضِع في (أليس آيلاند) {جزيرة أليس، حيث كان يُحجز الداخلون إلى أميركا من دون أوراق صحيحة} لمدة يومين بناءً على أوامر من واشنطن، وكان يومها من دون عائلة ولا يملِك شروى نقير.
وما قاله هوارد فيكتور فون برونز ثروب، وهو ابن الكونت سبيريدوفيتش بالتبنِّي، عن والده: ((كان ميجر جنرال {لواء} في الجيش الإمبراطوري الروسي، ورئيساً للجمعية الأميركية المناهضة للبلشفية، وكانت غايتها توحيد كل أعداء البلشفية في منظمة تعمل لمحو النظام السوفيتي)).
وقال السيد برونز إن أباه (بالتبني) بلغ الخامسة والسبعين من عمره، وكان له خمسة أبناء قُتل أربعة منهم في أثناء قتالهم ضد البلشفية ومات الخامس في منشوريا.
وقد نُقل الجثمان إلى (أدموند شيفرمورغ) في 537 باي ستريت،ستابلثون، بانتظار الدفن

مأخوذة عن ((النيويورك تايمز)) عدد 23/10/1926
[1] V. Fisher. (The Two Duchesses), P.162.
[2] Encyclopaedia Britannica, P.4889.
[3] Reeves, P.265.
[4] The New York Times, April 11, 1921.
[5] العقيدة اللوسفرينية: يدعى لها الآن في روسيا واليابان وغيرهما. (المؤلف).
[6] N. Webster, (World Revolution), P.122.
[7] تولى كارل بونابرت (والد نابليون) القيادة وكانت زوجته الصغيرة (ليتيتيا راموليني سابقاً) تصحب زوجها مشاركة في مخاطر القتال وصعابه وهي حامل بنابليون، وهذا ما كوَّن تعلق نابليون بالجندية. وحب الدم والحديد ذاته نراه عند بسمارك. أفلا يبرهن هذا على أن والده الحقيقي هو المارشال سولت، رجل المعارك اليهودي، وليس البروسي الهادئ والملاك الصغير والد بسمارك الرسمي!؟.
[8] تؤكد ((الجويش تريبيون)) النيويوركية، في عددها 9 كانون الثاني 1925، أن عائلة مينكين يهودية تتحدر من اليهودي حاييم سالومون الذي أعطى عملياً كل ثروته ليشعل الثورة في أميركا وبقي في الوقت ذاته غنياً، ما يبرهن على أن المال مال روتشيلد وليس ماله، وإنما أعطاه إياه روتشيلد ليبدأ الحرب. (المؤلف).
[9] (Plain English), June 11, 1921.
[10] Coningsby, P. 238.
[11] للتوسع: راجع كتاب (التلمود) للأستاذ ظفر الإسلام خان، و(التوراة) للأستاذ سهيل ديب، وكلاهما من مطبوعات (دار النفائس).
[12] صدرت هذه الدراسة عن دار النفائس في كتيب بعنوان (يهود اليوم ليسوا يهوداً).
[13] وهؤلاء يهوديتهم غير صحيحة طبقاً للتعاليم التلمودية اليهودية. ومن شاء الاستقصاء في هذا الموضوع فليتابع مناقشات الحزب الوطني الديني في إسرائيل حول قضية (من هو اليهودي)؟. (المحرر).
[14] تاريخ الحرب 10 رمضان 1393، 6 تشرين الأول 1973.
[15] في افتتاحية (النهار) يوم25 شباط 1974، وقد كان أحد أعضاء الوفد المسيحي إلى مؤتمر لاهور.
[16] الرئيس المقصود هو سليمان فرنجية رئيس جمهورية لبنان.
[17] عن صحيفة (الأنوار) البيروتية، العدد 4776، تاريخ 24 شباط 1974.
[18] عن جريدة (النهار) البيروتية، في عددها الصادر يوم 5 كانون الثاني 1974.
[19] عن صحيفة (الأنوار) البيروتية، في عددها الصادر يوم 16 كانون الأول 1973، ومن كتاب مفتوح إلى هنري كيسنغر، وزير خارجية أميركا، لمناسبة زيارته للبنان.
[20] كان يحمل رتبة ميجر جنرال في الجيش الإمبراطوري الروسي.

الخميس، 10 ديسمبر 2009

حكومة العالم الخفية الجزء السادس لـ[شيريب سبيرودوفيتش] إنكلترا

حكومة العالم الخفية الجزء السادس
إنكلترة

((ولما كانت إنكلترة على وشك أن تخسر الحرب,
قــدَّم لها اليهود مساعدة أميركا بشرط أن تَهبهم
فلسطين..))(
[1])।



الروتشيلديون يفسدون أخلاق الأرستقراطية البريطانية
كانت الأرستقراطية في كل الأقطار الأوروبية تخدم شعوبها بدون منة, وكان الأرستقراطيون ينفقون ثرواتهم التي جمعوها من الحروب, بينما كانت الطبقة الوسطى لا تحرك إصبعاً بلا مقابل, مما أدى إلى إغنائها بمرور الزمن.
وقد قدمت الطبقة الأرستقراطية البريطانية أفضل ما تملِك لإنقاذ مستقبل إنكلترا في صراعها مع نابليون وأطماعه في السيطرة, فنتج من ذلك أن صرفت هذه الطبقة كل ما تملك فأفلست. وعمَّ الضيق الصامت أكثر نبلاء بريطانيا ورجال الحكم فيها عقب نهب ناثان روتشيلد الثاني مبلغ 5.000.000 جنية بعد معركة واترلو بيوم واحد, ناثان الذي كان قذرًا إلى حد يستحيل معه قبوله في المجتمع اللندني. وكان ابنه ليونيل, أكثر الشياطين احتيالاً, يعي ذلك تماماً ويدركه.
((ومنذ سنة 1833 ومجلس العموم يقرُّ مشروع قرار لقبول انضمام اليهود إلى البرلمان, حتى بلغ عدد موافقاته على المشروع عشراً, لكن مجلس اللوردات كان يرفض المشروع ويردُّه. ثم اضطرَّ أخيراً إلى قبول المشروع واحتلَّ البارون روتشيلد مقعداً في المجلس في 26 تموز 1858))(
[2]).
وليهزم روتشيلد اللوردات العظماء الذين يعرفون تحذير المسيح من اليهود الشياطين,قتلة البشر, أمر اللورد ديربي Derby بتوحيد قواه مع ديزرائيلي. فأصبح اللورد ديربي ثانية رئيساً للوزراء وديزرائيلي وزيراً لماليته. وبهذا ارتبط كثير من اللوردات لتأمين حاجاتهم الاقتصادية في ليونيل روتشيلد الذي يعرفون أنه (رئيس) ديزرائيلي. أما كيف سيطر اليهود على الأرستقراطية الإنكليزية,فعبارتا السير (وست) الآتيتان تجيبان عن هذا السؤال:
أ‌- ((كم من مرة قابلني (يعني وايت ميلفيل) مع كلاب البارون روتشيلد, ليقول كلمة رقيقة تعكس شعوراً عظيماً بالرضى))(
[3]),(رغم أنه ربما كان يقول كلماته لإرضاء كلاب روتشيلد).
ب‌- ((في عشاء عند البارون روتشيلد طُلب من اللورد غرانفيل, وزير المستعمرات, أن يوظف سيدة Lady في وزارته, فأجاب بأنه لا يستطيع ذلك, لأنه من الصعب عليه أن يضمن حتى نفسه))(
[4]).
ولا يستطيع قارئ السير وست أن يعرف هل كانت صحبته لكلاب روتشيلد إجراءً روتشيلديّاً, أم أنَّ السير وست كان يظن أن من الخير له أن يرتبط بصحبة الكلاب لا بسيدها. وقبل مئات السنين قال النبي محمد(
[5]): {فَبِظُلمٍ مِّنَ اْلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اْللَّهِ كَثِيراًُ * وَأَخْذِهِمُ اْلرِّبَاْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ اْلنَّاسِ بِاْلْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}([6]). {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآءُوكَ فَاْحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاْحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}([7]).

حقيقة ديزرائيلي
الذين كتبوا عن ديزرائيلي وكل اليهود ((الكبار)), وهم في الحقيقة قتلة للبشر كبار, قامت (اليد الخفية) بعملية رفعهم إلى الصدارة, ومن هؤلاء غامبيتا وفينيزيلوس(
[8]) وميليراند كاهن وكيرينسكي وتروتسكي وغيرهم... أقول: إن أولئك الكتَّاب قد فشلوا في كشف سر نجاح هؤلاء اليهود وخرجوا بأكثر الفرضيات سخفاً ومنافاة للعقل.
لقد تعجب السيد هـ.و.و., الذي راجع المجلدين الخامس والسادس من كتاب (حياة ديزرائيلي) لبوكل Buckle, في (الديلي نيوز) في 7 حزيران 1920, فقال: (ما من عمل في التاريخ الإنكليزي أروع من عمل ديزرائيلي, وما من عمل لفَّه الغموض وحجبه كعمله).
وسبب ((الروعة)),و((الغموض)) أنَّ ديزرائيلي كان خادماً مطيعاً للروتشيلديين, مثله كمثل سائر الرجال العظماء الذين ذكرناهم آنفًا.
وخاف السيد المراجع للكتاب أن يذكر اسمه, إنما ذكَّرنا بأن كارليل وصف ديزرائيلي – وكان مُحِقّاً – بـ(المغامر) و(ساحر عبراني ممتاز). ومن النفاق الفاضح أن بوكل نسب أكثر الفضائل الحميدة إلى ذلك اليهودي, ولهذا اعترى السيد هـ. و. و. شعور بالخجل نيابة عن بوكل, فأخفى شخصيته. فقول بوكل: إن (ديزرائيلي انتصر على جميع المتعصبين ضده من الحزبيين) إنما هو كذب فاضح, فثروة الروتشيلديين وكل القوى الشيطانية كانت تقف خلفه لأنه (والينرود) إنكلترا(
[9]).
والقول إن ديزرائيلي (نهض بإنكلترا إلى أرقى المراكز رفعة) قول سخيف أيضًا، لأنه لم يكن إلا مجرد أداة (لليد الخفية) التي كانت في تلك اللحظات تخطط لسلسلة كاملة من الحروب، بما فيها الحرب الكونية الأخيرة, بهدف القضاء على المسيحيين وإسقاط الكنيسة والسيطرة على كل الممالك. ولم تكن الأمة الإنكليزية العظيمة بحاجة إلى ديزرائيلي.
لقد جعل ديزرائيلي رجال الحكم البريطاني من كل الأجيال يتشرَّبون الكذبة القائلة (إن روسيا العظيمة خطر على بريطانيا العظمى). وكما قال رانكين Rankin: (لقد طمس حقيقة عندنا عليها برهان صادق، ستسقط علينا وتسحقنا وتذرونا رمادًا كحجر خطيئة وصخرة إثم). أي إن روسيا لا تشكل خطراً بل هي نصير لبريطانيا.

ناثان يعجل في غزو إنكلترا
أُرغم ناثان على الفِرار إلى لندن حيث الميدان أكثر اتساعاً لممارسة استغلاله لسوق تبادل العملات (البورصة)، كما أنَّ وليم الثاني (1785 – 1821) أغرى أمشيل بتحويل كل معاملاته في لندن إلى مصرف فان نيوتين Van Notten إلى ناثان. وبالطبع كانت مجرد (مصادفة) أن تذهب عصابة من محفل فرانكفورت النوراني إلى لندن مع ناثان في سنة 1798 ليحاولوا الشيء ذاته! بيد أن البريطانيين كانوا أكثر ذكاء من أن يُخدعوا. وعندما غزا نابليون الأول ألمانيا دفع وليام التاسع (منذ سنة 1803 سمي وليم الأول المنتخب) إلى أمشيل 3.000.000 دولار، فأرسلها بدوره إلى ناثان في لندن. وفي تلك الفترة كان لدى شركة الهند 4.000.000 دولار ذهبي، فاشتراها ناثان ودفع ثمنها. وقد خزَّن ناثان الذهب في لندن لأنه يعلم أن دوق ويلينغتن Wellington بحاجة إليه، فباعه ما طلبه لقاء حسم كبير خاص، ولما طلبت الحكومة قرضاً من ذهبه حوَّله إلى البرتغال، وما أقرض الحكومة إلا بعد أن أجبرها على دفع قرض دوق ويلينغتن بقيمته الكاملة. فربح بذلك 50 بالمائة، وأعاد قرضه بفائدة 15 بالمائة، وعندما استعاده حوَّله إلى البرتغال بعمولة كبيرة.
لقد أراد دوق ويلينغتن الذهب حتى يدفع للمتطوعين في جيشه، وقد كانوا برتغاليين وأسباناً ويهوداً هولنديين. ولم يرسل جنيهاً ذهبياً واحداً ، إذ أن روتشيلد دفع لهم في البرتغال بحسب طلب الدوق. وكان ربح ناثان في هذه العملية 100 بالمائة، وهكذا حققت أموال وليم ربحاً هائلاً، غير أن الربح كان يذهب إلى خزائنهم هم.

ناثان يُخضع مصرف إنكلترا(
[10])
ولما شعر ناثان بالأمان وضع يده الجشعة على بنك إنكلترا. وأصبحت مصارف (الإصدار) مصارف تسليف للروتشيلديين يأخذون منها السيولة التي يريدونها. ولما احتاج جيمز إلى الذهب لبنك فرنسا بعث وزير المال الفرنسي المرتشي (ناثانَ) ليبحث عن الذهب في مصرف إنكلترا. وطلب المديرون بكل خجل من ناثان أن يعيد سبائك الذهب عندما لا يشعر بالحاجة إليها مرة أخرى. ولما جاء وقت إعادة الذهب بعث ناثان إليهم بعض أوراقه المالية، ولما سألوا عن الذهب أجابهم: (أرجعوا إليَّ أرواقي وسأبدلها بأوراق ((بنكنوت)) من بنك إنكلترا، وسأقدمها لأمناء صناديقكم لتبديلها إلى سبائك ذهبية، حتى ترجع إليكم. فبما أنكم لا تثقون بأوراقي فإنني لا أثق بأوراقكم النقدية التي في حوزتي). وفي اليوم التالي أصدر بنك إنكلترا إعلاناً بأن أوراق (البنكنوت) الصادرة عن روتشيلد، سيقبلها وكأنها صادرة عن بنك إنكلترا. وهكذا بدأت أوراق (البنكنوت) الصادرة عن مصرف روتشيلد، تكتسب (غِطاءً قانونياً).
ولما رفض مصرف إنكلترا الاعتراف بفاتورة تبادل مالي بتوقيع مصرف روتشيلد في فرانكفورت، بحجة أنَّ المصرف لا يقبل الأوراق الشخصية، قال بغضب عنيف: (سأبين أي نوع من الأشخاص هم الروتشيلديون)، ونزل إلى مصرف إنكلترا وقدم ورقة نقدية من فئة الخمسة وعشرين جنيهاً وطلب تبديلها من الذهب، وفحص العملة الذهبية ووزنها ووضعها بهدوء في حقيبته، وأخذ يكرر هذه العملية بينما أخذ موظفوه يقومون بالعمل ذاته في صناديق الدفع الأخرى، وفي يوم واحد بدَّلوا ذهباً بمليون جنية. ووجد المصرف في الأمر شيئاً غريباً، لكن ناثان أعلن في اليوم التالي أنَّ هذا العمل سيستمر إلى شهور ويحجب العملاء الآخرين. وهذا يعني أنَّ ثلاثين مليوناً من الجنيهات الذهبية ستؤخذ كل شهر حتى يعجز المصرف عن دفع قيمة (البنكنوت)، مما اضطرَّ المصرف إلى إصدار الإعلان الآنف الذكر، بأن فواتير التبادل المالي الصادرة عن الروتشيلديين ستُقبل كأنها ((بنكنوت)) (عملة ورقية عادية).والحقيقة أنَّ المصرف تلقَّى صفعة ورأى الإفلاس وشيكاً، لأن اليهود في كل مكان أسلفوا ناثان أوراقهم النقدية (البنكنوت).

سر ثورة 1830
رغب ناثان في التسلُّق إلى الطبقة العليا في المجتمع البريطاني حتى يستطيع حكم إنكلترا، وحاول أن يكون إنكليزيّاً أكثر من الإنكليز أنفسهم، فنشر الدعوة إلى القومية البريطانية وألهب إنكلترا ضد فرنسا. فقد كان جيمز وناثان يبحثان عن الذرائع للحرب.
كان جيمز يعرف أهمية إيمان المسيحيين بالملك شارل العاشر الفرنسي، فطلب أن تستقبل زوجته (زوجة جيمز) في البلاط الملكي حتى تكون والملكة الفرنسية في رتبة الشرف على حد سواء، ولكن دوقة أنجولم Angouleme أجابت: (يجب أن لا ننسى أنَّ ملك فرنسا أكثر الملوك مسيحية. وهذا يعني أنه طالما وصف ربنا اليهود بالشيطانية وقتل البشر، فعلينا أن نتجنبهم). عندها أمر جيمز صِحافته بشن حملة عنيفة على البوربون (العائلة الفرنسية المالكة). وفي دفاعه عن نفسه قَبِل ملك فرنسا نصيحة وزيره بولينياك بوقف الحملة الصحفية. فاستغل جيمز الحادث وأمر ماسونييه بتوحيد البونابرتيين والأورلينيين والجمهوريين ضد الملك، وكان أمشيل منذ سنة 1770 قد جعل يهوده عملاء له في كل مكان. مثلاً كان بوسناش Busnach سلطان الجزائر غير المتوج، بفضل ديون الروتشيلديين، فقد قدم رشوة للانكشارية التركية الغبية التي تنتخب الداي، نائب السلطان العثماني في الجزائر. وحتى يذل ملك فرنسا ويجبرها على التحرك وإغضاب إنكلترا، أمر أمشيل بوسناش بإقلاق الداي وإغاظته... وفي حفل استقبال في سنة 1827 صفع الداي القنصل الفرنسي ديفال بمروحة على وجهه(
[11]) ، وهذا ما لم يُسمع بمثله في الحقل الدبلوماسي ما أغاظ فرنسا فطلبت تعويضاً. وفي الوقت عينه نجح ناثان في تعيين دوق ويلينغتن رئيساً للوزراء في بريطانيا، وهو عدو لدود لفرنسا.
فالهجوم على فرنسا في الجزائر ساعد ناثان على إقلاق إنكلترا التي سعت، من 27 إلى 29 تموز، إلى تأييد المجموعة المذكورة أعلاه حتى تسقط الملك شارل العاشر وتتوِّج دوق أورلينز، ابن فيليب إيغاليتيه Egalite ملكاً. وكان الدوق صدراً أعظم لمحفل الشرق الأعظم مدة عشرين عاماً، وقد صوَّت مع قتل الملك لويس السادس عشر.

ديزرائيلي (والينرود)(
[12]) إنكلترا (1817)
استقرَّ بينجامين دي إزرائيلي (الجد) في إنكلترا سنة 1748، وقد اتخذ أجداده هذا الاسم حتى يعرف جنسهم دائماً وأبداً. وكيهودي تزوج يهودية في سنة 1765، يقول حفيدها إنها ((عاشت حتى الثمانين من دون تعبير عن حب)).
وُلد إسحاق ديزرائيلي (والد ب. ديزرائيلي) سنة 1766، وسافر إلى الخارج في سنة 1780 حيث تشبَّع بالأفكار الليبرالية التي كانت تبثها الحركة النورانية بزعامة أمشيل. وقد أُعجب ديزرائيلي بأمشيل وعمل معه في المحفل الماسوني. وفي الثامنة عشرة 1784 أصبح إسحاق بلشفيّاً وكتب ضدَّ (الاقتصاد الحر). ثم عاد إلى إنكلترا بيد أنَّ عمل أمشيل السري استهواه، فعاد إليه مسرعاً.
ويقول ديزرائيلي عن والده، الذي عاد إلى إنكلترا مجدداً سنة 1788: (لقد عاش مع العلماء). ولم يكن هؤلاء العلماء غير (النورانيين) أو (حكماء صهيون) أو (الثلاثمائة). ((وكان ابنه بينجامين يؤمن إيماناً عميقاً ويعبر عن ثقة قوية، أكثر من والده، بالشخصية اليهودية)).
وما كان للورد بيكونسفيلد (في المستقبل) أن يبدل عقيدته ويصبح مسيحيّاً، لولا أن هذا أمرٌ أمَرَ به ناثان. وُلد يهوديّاً في سنة 1805 وعُمِّد وطُهِّر روحيّاً كمسيحي في سنة 1817. فانقلاب واترلو وسقوط نابليون فتحا آفاقاً جديدة لناثان. وقد أصبحت رغبة ديزرائيلي الرئيسة أن يغدو دكتاتورًا لإنكلترا، ليس لتحطيم الحواجز التي أُقيمت في وجه اليهود خطوة خطوة فحسب، وإنما ليتقدم بخطة اليهود للسيطرة على العالم خطوات بعيدة المدى. وباح برغبته للورد ميلبورن، سكرتير القصر، في أن يكون رئيساً للوزراء.
ولما كان مؤرِّخو نابليون الأول وبسمارك قد لاحظوا الحالة نفسها تتكرَّر مع ديزرائيلي، فقد أدهشتهم (جرأة أفكاره وانتصاراته العظيمة على الرغم من أنه لم يكن من أهل الحسب والنسب والثراء)، كما لم يكن له أصدقاء(
[13]) ولم يكن عالماً مقتدراً. كان لبينجامين (ثقة مطلقة في أن قدرته ترقى إلى عبقرية حقيقية)، (ولم تظهر له أية علامة من علامات عدم التشجيع). لقد دعمه الروتشيلديون، فمستقبله مأمون لوجود مدافعين عنه من خدام الروتشيلديين.
ديزرائيلي يستغلُّ عجائز النساء
يقول السيد بوكل، في كتابه (حياة ديزرائيلي): ((إنَّ سر الدور العظيم الذي قام به ديزرائيلي يكمن في موهبة هذا اليهودي بحب أربع نساء في وقت واحد، مجموع أعمارهن يقارب الـ300 سنة)). وهكذا فإن قواه الفيزيولوجية تفوق قوى راسبوتين. ويقول بوكل عن الملكة فيكتوريا: ((ما من وزراء الملكة من استطاع أن يعبر لها عن إعجابه وحبه كما استطاع ديزرائيلي)). ((فالكلمات تعجز عن تصوير ما شعرت به الملكة بعد وفاة ديزرائيلي، وكيف كسر قلبها فقدانه. فعطفه على الملكة وولاؤه المطلق لها في كل الحالات، ودأبه على تخفيف أثقالها وتذليل صعابها... أمور لا تقوى على نسيانها، ولهذا فهي تشعر لفقده بمرارة كبرى. وبعد أربعة أيام من جنازته زارت قبره وبكت عنده ووضعت إكليلاً من الزهر على نعشه)).
لقد كان ديزرائيلي يداهن صاحبة الجلالة بقوله: ((نحن كتَّاب سيدتي)). وهو يتفاخر بأن الملكة زارته في غرفته... ((لم يكن ديزرائيلي يعرف الحياء في حياته، وهو لا يتردد في أن يتكلم بمصطلحات غير معتادة، مما جعل الملكة تعتقد أنها لم ترَ رجلاً مدهشاً مثله))، تماماً كما كان راسبوتين يتحدث إلى إمبراطورة روسيا، واليهودي بالسامو Balsamo مع ماري أنطوانيت، واليهودي باور Bauer مع الإمبراطورة أوجيني Eugenie. فقد كان ديزرائيلي يقوم بدور المهرج من جهة، ومن جهة أخرى كان يحاول الوصول إلى قلب الملكة بكتابته لها بأكثر الأساليب عاطفية. وليس هناك ما يبرهن على أن (ولاءه للملكة كان صادقاً)، فقد ذكر السيد لويس أبجون أن ديزرائيلي كاذب(
[14])، وهذا ما برهنه السيد أوكنورO'Connor وبرايت أيضاً। وأعلن السيد و.غلادستون: إن هناك شيئين يكترث لهما لورد بيكونسفيلد ولا شيء غيرهما: زوجته وجنسه. ومن ملق ديزرائيلي للملكة أنه عندما تسلَّم كتاب الملكة الهزيل كتب لها فوراً أن لا مثيل له إلا الإنجيل ودانتي وشكسبير.

الهوامش


[1] See: The Gentiles' Review, No.7.
[2] A. West. (Recollections), P.157.
[3] A. West. (Recollections), P.233.
[4] المصدر نفسه ص 425.
[5] ذكر المؤلف معنى الآيتين وادعى أنهما من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم, كما يظهر من سياق الكلام, فهو لا يميز بين الحديث الشريف والقرآن الكريم. كذلك فالاستشهاد بالآيتين يبدو في غير محله. (المحرر).
[6] النساء: 160,161.
[7] المائدة: 42.
[8] وصل الطرادان الألمانيان غويبين وبريسلو إلى القسطنطينية بمساعدته واشتراكه, ومن ثم هددا بضرب قصر السلطان بالقنابل وتدمير المدينة, فأجبرا تركيا على الانضمام إلى دول المحور ما أطال أمد الحرب شهورًا. وكانت شهوة فينيزيلوس للقتل ورغبته في إسقاط الملك المسيحي الممتاز هما اللتان تسبَّبتا في الحرب الإغريقية – التركية. فاضطر الملك قسطنطين إلى الرضوخ لفينيزيلوس وقبل بالحرب وكفَّر عن هذه الجريمة بعرشه وحياته. وقد كان الملك المرحوم من أكثر الأشخاص الأوروبيين الشماليين تهذيباً. وقتل الإسكندر الأول, ملك اليونان,بغموض أيضاً, وقد قتلته ((اليد الخفية)) نفسها. (المؤلف).
[9] يكفي أن تراجع:
Coningsby, P. 452, or Lord Beaconsfield's Letters of June 1839, Dec. 2, 1842, May 1844, March 1848, etc…
[10] كرَّرنا هذا الموضوع هنا رغم وروده في بحث فصل الروتشيلديين، لضرورة استكمال وضوح الفصل.
[11] من المعروف أن قنصل فرنسا تعمد إساءة الأدب مع الداي حتى اضطره إلى صفعه، ولئن أثبتت كتب التاريخ هذه الحادثة فإن مؤلفنا يفسر الدوافع التي كانت وراء الحادثة من وجهة نظره. (المحرر).
[12] كونراد والينرود: بولندي ليتواني دخل تنظيم (الفرسان الألمان حملة السيف)، ولعدة سنوات بدا وكأنه أخلص جندي بينهم، ولكن لما أصبح سيد التنظيم استخدم سلطته لتدميره.
[13] ردد هذه العبارة كثير من المؤرخين وهي خطأ مطلق، فديزرائيلي – منذ طفولته – اختاره ليونيل وأرشده ودعمه كجزء من خطة اليهود للسيطرة على العالم. (المؤلف).
[14] Lewis Apjohn. Lord Beaconsfield, P.66.

الثلاثاء، 25 أغسطس 2009

التحول الديمقراطي في دول مجلس التعاون الخليجي: الواقع والآفاق المستقبلية.

التحول الديمقراطي في دول مجلس التعاون الخليجي: الواقع والآفاق المستقبلية.

ابتسام سهيل الكتبي
ندوة الديمقراطية والإصلاح السياسي في الوطن العربي، 2005


مقدمة
شهدت دول مجلس التعاون الخليجي- بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة- تطورات هامة على صعيد الإصلاح السياسي منذ مطلع تسعينات القرن العشرين، وتحديداً في أعقاب الغزو العراقي للكويت.. وقد تسارعت وتيرة الإصلاحات بعض الشيء في أعقاب هاجمات الحادي عشر من سبتمبر، وعلى الأخص في ظل قضية الإصلاح السياسي و الديمقراطي ضمن أهداف السياسية الأمريكية في المنطقة.
ويسعي هذا الفصل إلى تحليل وتقييم الإصلاح السياسي في دول المجلس، بما يسمح بالوقوف على العوامل التي دفعت- وتدفع- في أتاه الإصلاح، فضلاً عن رصد مضامين هذا الإصلاح وأبعاده على أرض الواقع، والتعرف على معوقاته، واستشراقة أفاقه المستقبلية.
أولاً: أهم العوامل الدافعة للإصلاح السياسي في دول المجلس
1- المطالبة بعقد اجتماعي جديد
لقد كانت السياسات التي اتبعتها الدولة في منطقة مجلس التعاون الخليجي خلال السبعينات والثمانينات في مجالات التعليم والتحديث والتوظيف وغيرها من وراء المطالب المتزايدة بالمشاركة السياسية والرقابة على الحكومة والتي شاهدتها هذه الدول مع تقدم التسعينات. فقد ساهمت هذه السياسات في خلق ما يعرف أدبيات العلوم الاجتماعية بالطبقة الوسطي الجديدة، وهي تضم فئات عديدة من المتعلمين والمهنيين، وقد استمر حجم هذه الطبقة في التمدد مع مرور الوقت وبخاصة التوسع في التعليم العالي، الحكومي والخاص، في الدول المعنية. وهذه الفئات وأن كانت تطرح في البداية مطالب اقتصادية واجتماعية، إلا أنه من غير المتوقع أن تقف عند هذا الحد، فالمطالب الاقتصادية والاجتماعية يعقبها في الدعاة مطالب سياسية تتعلق بالمشاركة السياسية.
وقد شكلت الطبقة الوسطي الجديدة إحدى القوي الرئيسية المحركة لعملية الإصلاح السياسي في عدد من دول المجلس، وذلك من خلال القيام بعض شرائحها بطرح مطالب تتعلق بالإصلاح الداخلي وتوسيع مجال المشاركة الشعبية في الشأن العام، ولذلك ليس من قبيل المصادفة أن يشكل رموز هذه الطبقة وعناصرها العصب الرئيسي لعدد من تنظيمات المجتمع المدني التي تزايد عددها بشكل ملحوظ في دول المجلس خلال السنوات الأخيرة، وكذلك التجمعات والحركات والجمعيات السياسية التي مارست. وتمارس. العمل السياسي في دول مثل الكويت والبحرين، كما أن رموز هذه الطبقة وعناصرها تشكل العمود الفقري للفئات السياسية والاجتماعية التي تطالب بالإصلاح، وهو ما يظهر بوضوح في أسماء وخلفيات الموقعين على المذكرات والعرائض المتتالية التي تم رفعها للسلطات منذ مطلع تسعينات القرن العشرين، والتي تضمنت مطالب إصلاحية.
2- انكماش دولة الرفاه
أتاحت العائدات النفطية الضخمة للنظم الحاكمة في دول مجلس التعاون الخليجي تبني برامج تنموية طموحة في مجالات التعليم والصحة والإسكان والرعاية الاجتماعية وغيرها. بفضل السياسات التوزيعية والوفاء بالاحتياجات الاقتصادية فيها. فدورها كموزع للمزايا والمنافع انعكس عللا علاقة الأفراد بهذه الدولة ونظرتهم إلى حقوقهم في المشاركة حيث أصبح جلهم أقل تشدداً في المطالبة بهذه الحقوق خصوصاً في ظل غياب أو ضآلة حجم الأعباء المفروضة عليهم بوجه عام، فضلاً عن قناعة المواطن العادي بأن مجرد الحديث وليس الانتقاد الصريح أو المستتر للأوضاع القائمة ألأول المطالبة بالمشاركة هو من الأمور المحفوظة بالمخاطر وأن الولاء للنظام الحاكم المطلوب للحصول على المنافع.
لقد مكن الريع النفطي الحاكمة في الدول المعنية من إقامة علاقة مباشرة مع مواطنيها، وغير المألوف في مثل هذه العلاقة أنها ذات اتجاه واحد من الأعلى إلى الأسفل؛ إذ في العادة تقدم الحكومة الخدمات لمواطنيها في مقابل قيامهم بدفع الضرائب لهذه الحكومة، وفي دمل مجلس التعاون الخليجي وجدت مجموعة ضخمة من العائدات والمنافع متاحة للمواطنين بتكلفة بسيطة أو بدون تكلفة بسيطة أو بدون تكلفة على الإطلاق، والمطلوب منهم فقط هو إبقاء نشاطهم السياسي في الحدود المرسومة من قبل الحكومة، ومن ثم فأن الأفراد يجدون مصالحهم الاقتصادية المباشرة في النظام الحاكم، وقد انعكس ذلك في ضآلة حوادث العنف السياسي وفي الدرجة العالية من الاستقرار السياسي الداخلي التي تمتعت بها هذه الدول. كما أن ضعف أو عدم تبلور القوي السياسية قد شكل عاملاً مساعداً على ذلك.
غير أن دولة الرفاه تأثرت سلباً بانخفاض أسعار النفط في منتصف الثمانينات من القرن العشرين والنمو المطرد في معدلات الزيادة السكانية، والتطورات السياسية على الساحة الإقليمية من الحرب العراقية الإيرانية إلى حرب الخليج الثانية إثر الغزو العراقي للكويت عام 1990 وما نجم عنها من تداعيات تمثلت في المزيد من الأعباء المالية على دول مجلس التعاون الخليجي سواء لجهة ما أسهمت به في تمويل أعباء الحرب وكلفتها، أو لجهة تزايد إنفاقها على التسليح.
وتحت ضغط المؤشرات الاقتصادية المتراجعة من عجز الميزانية، وتدني معدلات النمو، وتزايد المديونية سواء الداخلية أو الخارجية لبعض الدول، والتزايد الملحوظ في معدلات البطالة، بدأت دول مجلس التعاون الخليجي في إعادة النظر في السياسيات الدعم الاقتصادي والاجتماعي التي تتبعها، ولم تعد قادرة على تمويل برامج الرفاهية كما كانت تفعل خلال فترة الطفرة النفطية، بل اتجهت إلي تبني برامج الإصلاح الاقتصادي بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، تقوم إلى جانب عناصر أخري على الخصخصة، وفرض بعض الرسوم على السلع والخدمات التي كانت تقدم بصورة مجانية أو شبه مجانية، فضلاً عن اتجاه الحكومات للتخفف من أعباء التوظيف... الخ.
والمشكلة الرئيسية لعملية التحديث الهائلة في هذه الدول هي أنها أطلقت توقعات المواطنين بلا حدود، فقد ساد الاعتقاد بأن التنمية هي مشروع بلا ألم، فهي لا تتطلب تضحيات لتحقيق أهدافها، ولا تتضمن نزع الشرعية عن الامتيازات الضخمة للقوى المسيطرة اقتصاديا، كما أنها لا تنشط الفئات الشعبية المتحمسة في مشاريع تنموية وطنية، ولكنها ضاعفت في الواقع من مصاعبها عن طريق رفع توقعات جميع القوى الاجتماعية، بينما لم لديها أية أيديولوجية لإبقاء هذه التوقعات في حدود ما يمكن أن تقدمة سياسات الرفاه، وهذا هو جوهر التناقض في هذه السياسيات[
[1]].
والمعضلة التي تواجهها دول مجلس التعاون الخليجي: هي أن مواطنيها قد تعودوا على أنماط حياة الرفاه واليسر وعلى ذلك النوع من الخدمات المجانية المقدمة إليهم، وحسب التصور الذي وضعه- جيمس أوكونور- للاتجاهات التاريخية في سياسات الرعاية الاجتماعية:- إن التعود على مستويات عالية من المعيشة المستندة إلى الدعم الحكومي تجعل المواطنين يعتقدون بأن هذه المستويات هي مكسب اجتماعي وإنجاز سياسي من الصعب التعلية عنه[
[2]].
فدولة الرفاه تظل معرضة لمخاطر عدم الاستقرار السياسي الناجم عن احتمالات فقدان نظامها الحاكم لشرعيته؛ حيث أن شرعية هذا النظام معتمدة على إرضاء المواطنين من خلال الخدمات المقدمة إليها عبر برامج الرفاه. وفي حالة تقليص هذه الخدمات لأي سبب من الأسباب فإن ذلك قد يقود إلى شيوع حالة من عدم الرضا بين المواطنين واعتزاز شرعية النظام الحاكم ومن ثم تعرض استقرارها السياسي للخطر.
وإزاء هذا الوضع لم نجد النظم الحاكمة مفراً من اتخاذ بعض الخطوات على طريق الإصلاح السياسي لتقديم نوع من التعويض السياسي للمواطنين نتيجة استمرار المتاعب الاقتصادية من ناحية، واتخاذ ذلك كمدخل لاحتواء القوي والعناصر الراغبة في المشاركة في الحياة السياسية من ناحية ثانية، فضلا عن التجارب مع بعض لمستجدات العالمية من ناحية ثالثة[
[3]].
3- حاجة النخب الحاكمة لتجديد مصادر شرعيتها
على الرغم من استناد النظم الحاكمة في دول مجلس التعاون الخليجي أساساً إلى مصادر تقليدية للشرعية السياسية كالقبيلة والدين والدور التاريخي للأسرة الحاكمة، إلا أن بعضها واجه في مراحل معنية قضية الشرعية السياسية، فقد واجهت البحرين خلال معظم سنوات التسعينات حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني من جراء تأزم العلاقة بين الحكم وقوى المعارضة التي غلب عليها الطابع الشيعي، وذلك على خلفية رفض السلطة التجاوب مع المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طرحتها المعارضة، ولجوئها إلى الحل الأمني في التعامل معها، واتهام أطراف خارجية في مقدمتها إيران بدعم هذه المعارضة، ولكن بعد أن تولي الشيخ حمد بن عيسي آل خليفة الحكم في البحرين على إثر وفاة والده عام 1999، وجد أن تبني مشروع إصلاحي هو السبيل الوحيد لتأسيس عقد اجتماعي جديد مع الشعب البحريني، الذي يمثل الشيعة نحو 6- % منه حسب بعض التقديرات، بحيث يشكل هذا العقد قاعدة لشرعية حكمه، ويحقق السلم الأهلي، والاستقرار السياسي، ومن هنا انطلقت مسيرة الإصلاح السياسي في البحرين.
وفي قطر، وجد الشيخ حمد بن خليفة آ ل ثاني، الذي انتزع السلطة من أبيه 1995 أن أفضل طريق لتثبيت أركان حكمه وبناء وترسيخ شرعيته هو رح مشروع للإصلاح السياسي يمثل نقلة نوعية في الحياة السياسية القطرية، ويعطي العهد الجديد سمات وملامح مغايرة للعهد السابق[
[4]].وعلى الرغم من أن الحكم في المملكة العربية السعودية يعتمد على الدين كمصدر رئيسي الشرعية السياسية، إلا أنه تزايد المشكلات الداخلية، الاقتصادية، والاجتماعية والإدارية، التي بدأت المملكة تعاني منها في مرحلة ما بعد الحرب الخليج الثانية، وتصاعد خطر تنظيمات التطرف والعنف وانخراطها في ممارسة الإرهاب على الصعيد الداخلي خلال الآونة الأخيرة، ومع تنامي الضغوط الأمريكية على المملكة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وجدت النخبة الحاكمة أن التجاوب. في حدود معنية، مع مطالب الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإداري التي بدأت تطرحها بعض العناصر والفئات الاجتماعية والسياسية من خلال رفع المذكرات والعرائض للحكام، واتخاذ خطوات من أجل تحقيق بعض هذه المطالب بشكل تدريجي، بشكل مدخلاً رئيساً لتعزيز الشرعي السياسية من خلال الإنجاز، خاصة وأن الإصلاح المنشود ينصب في جانب هام منه على تحديث أجهزة الدولة ومؤسساتها وتطوير سياساتها العامة[[5]].
وفي الكويت وعلى أثر الاحتلال العراقي وجدت الأسرة الحاكمة أن أفضل طريق لتعزيز شرعيتها وضمان استمرار التفاف الشعب الكويتي حولها هو تأكيد التزامها بالدستور وإعادة إطلاق العملية الديمقراطية.
4- الموجة العالمية للديمقراطية وثورة المعلومات والاتصالات
كان للانتشار الواسع للديمقراطية، وتمدد المجتمع المدني العالمي، وشيوع ثورة المعلومات والاتصالات التي هي أحد المظاهر الرئيسية لعصر العولمة، انعكاسات على التطور السياسي في العديد من دول الجنوب ومنها دول مجلس التعاون الخليجي، حيث لم يعد بمقدور النظم الحاكمة في هذه الدول تجاهل حقائق ومعطيات البيئة العالمية الجديدة، خاصة وأن ثورة المعلومات والاتصالات جعلت شعوب تلك الدول على معرفة بما يجري في مناطق أخري من العالم، كما أنها وفرت لمواطنيها مصادر مستقلة للمعلومات خاصة أن مواطني معظم هذه الدول هم الأكثر احتكاكاً بالوسائل الحديثة في مجالات الأعلام والاتصالات والمعلومات مقارنة بالدول العربية الأخرى، وهو ما يظهر بوضوح من خلال مؤشر عدد مستخدمي شبكة الانترنت منسوباً لكل ألف أو عشرة آلاف من السكان.
ولذلك لم تعد النظم الحاكمة وأجهزتها تحتكر المعلومات كما كان الحال في السابق، بل إن بعض عناصر وقوي المعارضة في بعض هذه الدول وظفت بعض وسائل الاتصال الحديثة في ممارسة أنشتها، كما إن بعض منظمات المجتمع المدني العالمي وفرت أشكالاً من الدعم ولو غير المباشر لبعض القوى والتيارات الإصلاحية في دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة وأن المنظمات المتهمة بملف حقوق الإنسان دائبة على متابعة سجلات الدول المعنية بهذا الشأن ونشر تقارير حولها[
[6]].
5- تصاعد الضغوط الأمريكية المطالبة بالتحول الديمقراطي
على إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، والتي كان معظم منفذيها يحملون الجنسية السعودية، بدأت واشنطن تغير من نظرتها إلى قضية الديمقراطية في المنطقة، حيث راحت تعترف بأن غياب الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي، قد أسهم في خلق بيئة ملائمة لتنامي جماعات التطرف والعنف الإرهاب التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية في العمق. ومن هنا بدأت تطالب دول المنطقة باتخاذ خطوات جادة على طريق التحقيق الديمقراطية من خلال إصلاح نظم ومناهج التعليم وبخاصة التعليم الديني، والإصلاح الاقتصادي، وتوسيع المشاركة السياسية، وتقوية المجتمع المدني، وتعزيز دور المرأة...الخ وأكثر من هذا فإن أحد المبررات الأساسية التي روجتها واشنطن لتبرير حربها ضد العراق هو تقويض نظام صدام حسين وبناء نموذج ديمقراطي في العراق تقتدي به الدول الأخرى في المنطقة ويؤثر فيها حسب نظرية- الدومينو -.
وقد شهدت العلاقات الأمريكية- السعودية سلسلة من التوترات في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وراحت دوائر سياسية وإعلامية أمريكية تتفقد المملكة بشكل حاد من زراية أن مناهج التعليم الديني السائدة فيها، وغياب المشاركة السياسية والشفافية والمساءلة في مؤسساتها إنما هي عوامل خلقت بيئة ملائمة لظهور قوى وجماعات التطرف والعنف والإرهاب، كما اتهمت هذه الدوائر بعض الجهات والشخصيات في المملكة بتمويل الإرهاب، وإزاء هذا الوضع وجدت السلطات السعودية نفسها تحت ضغوط خارجية كبيرة، ولذلك بادرت بتبني نهج صلاحي بهدف سد الذرائع أمام التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية من ناحية، وتحقيق نوع من التجاوب. بحدود معينة. مع المطالب الداخلية بالإصلاح من ناحية أخري، وفي ضوء ذلك راح الخطاب السياسي الرسمي يؤكد على الالتزام بالإصلاح، بل إن ولي العهد السعودي الأمير عبد الله- والذي أصبح ملكاً على الإبلاج بعد وفاة الملك فهد- طرح مبادرة بهذا الخصوص كما تم اتخاذ خطوات على طريق الإصلاح.
أما دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى فقد استمرت في اتخاذ بعض الخطوات على طريق الإصلاح السياسي لاعتبارات داخلية من ناحية، وكذلك لتجنب الانتقادات التي دأب البعض على توجهها لواشنطن من زاوية أن حلفاءها في المنطقة غير ديمقراطيين، وأنها تغض الطرف عن ذلك من ناحية أخري، ولذلك فإن خطوات الإصلاحية التي اتخذتها هذه الدول قد حظيت بتشجيع وترحيب من قبل الإدارة الأمريكية، خاصة في ظل اقتناع الأخيرة بان مثل هذه الخطوات لن تكون على حساب مصالحها في المنطقة وعلاقتها المتميزة مع النظم الحاكمة في هذه الدول [
[7]]، أي هي تشجيع الإصلاح السياسي في إطار النظم القائمة بما يحسن من أساليب الحكم والإدارة، ويحسن كذلك من سجل حقوق الإنسان في هذه الدول، ويعزز من قدرة النظم الحاكمة فيها على استيعاب مطالب القوي الراغبة في المشاركة السياسية.
ثانياً: ملامح وآليات إدارة عملية الإصلاح السياسي
يعتبر نمط إدارة الإصلاح السياسي من قبل الحكم القوي السياسية والاجتماعية المعنية بالعملية الإصلاحية من الأمور الجوهرية بهذا الخصوص لأنه يعكس حقيقة التوازنات المرتبطة بهذه العملية من ناحية، ويحدد طبيعة مخرجاتها من ناحية أخري، ويتناول هذا الجزء بالرصد والتحليل أهم ملامح وآليات إدارة عملية الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك على النحو التالي
الإصلاح السياسي في إطار النظم القائمة
من الملاحظ أن القوي والجمعيات والتجمعات السياسية الرئيسية التي طرحت مطالب إصلاحية في بعض دول مجلس التعاون الخليجي مثل الكويت والبحرين والسعودية، قد أقرت بداية بالقبول بشرعية النظم الحاكمة، وطالبت بالإصلاح في إطار هذه النظم أي هي لم تطالب بتغييرها، وأن أقصي ما تضمنته بعض المذكرات والعرائض التي رفعت للسلطات الحاكمة بهذا الخصوص هو تحول هذه النظم إلى ملكيات دستورية، وأكثر من هذا فإن قوي المعارضة التي انخرطت في ممارسة بعض أشكال الاحتجاج الجماعي والعنف السياسي في دولة البحرين خلال بعض سنوات التسعينات من القرن العشرين لم تسع إلى تغيير الحكم، ولكن سعت إلى توصيل مطالبها بشأن إعادة العمل بالدستور والحياة البرلمانية، وإلغاء أشكال التمييز السياسي والاقتصادي القائم على أسس طائفية بين أبناء الوطن الواحد.
وهذه الظاهرة تمثل عنصراً هاماً وإيجابياً بشأن واقع ومستقبل عملية الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي، إذ تخلق أرضية مناسبة للتوافق السياسي بين النظم الحاكمة والقوي المطالبة بالإصلاح السياسي بما يسمح بالتوافق على حد أدني من القواسم المشترك التي يكون من شأن الالتزام بها تحقيق نوع من التراكم النوعي على صعيد عملية الإصلاح السياسي، فضلا عن تقليل احتمالات الاستقطاب الفكري السياسي الذي يضر بالعملية الإصلاحية، ذلك أن الإقرار بشرعية النظم الحاكمة من قبل القوى المطالبة بالإصلاح يمثل عاملاً مشجعاً لدفعها نحو اتخاذ المزيد من الخطوات الإصلاحية، إذ يبدد ذلك هواجس النظر هذه القوي كبدائل محتملة لهذه النظم، ويشجع على التعامل معها باعتبارها قوى جماعات وطنية تسعي نحو المزيد من الماركة في إطار النظم القائمة، كما أن بعض ما تطالب به هذه القوي وبخاصة فيا يتعلق بتحديث أجهزة الدولة ومؤسساتها، وتطوير السياسيات العامة، وتحقيق المزيد من الشفافية يدعم كم- شرعية الإنجاز- لهذه النظم.
الطابع السلمي لعملية رفع مطالب الإصلاح السياسي
على الرغم من أن بعض دول المجلس قد شهدت أعمال احتجاج جماعي وعنف سياسي وإرهاب في بعض الفترات، إلا أنه استثناء حالة البحرين، فإن هذه الأعمال لم تكن مرتبطة بمطالب إصلاحية، بل أن بعضها نفذته تنظيمات إسلامية راديكالية تبنت هدف التغيير الجذري للأوضاع القائمة عن طريق استخدام القوة. ومن هنا كان طابع المبادرة من أعلي الغالب على عملية الإصلاح السياسي على نحو ما حدث في كل من سلطنة عمان وقطر، كما أن الطابع السلمي كان هو الغالب على عملية رفع المطالب السياسية للإصلاح على غرار ما حدث- ويحدث- في كل من الكويت والمملكة العربية السعودية.
ففي الكويت يقر الحكم بوجود العديد من المجتمعات السياسي الإسلامية والليبرالية التي هي أقرب ما تكون إلى الأحزاب السياسية ويسمح لها بالمشاركة في الحياة السياسية من خلال الانتخابات والبرلمان ووسائل إلا علام، مما يوفر لها منابر وقنوات لتوصيل مطالبها بشكل سلمي ومشروع، أما في المملكة العربية السعودية، فإن تحديدات داخلية وضغوطاً خارجية بدأت تحدث تغييراً ولو جزئياً في البيئة السياسية الداخلية، وقد تمثل ذلك في توجه العناصر والتيارات الإصلاحية إلى رفع مطالبها للسلطة من خلال المذكرات والعرائض.
وبصفة عامة فقد تمحورت هذه المطالب حول الإصلاح الدستوري وتكريس مبدأ الفصل بين السلطات، وتوسيع مشاركة المواطنين في الشأن العام من خلال تشكيل مجلس الشورى ومجالس المناطق عن طريق الانتخاب، وتعزيز الصلاحيات التشريعية والرقابية لمجلسي الشورى، والسماح بتأسيس النقابات والجماعات ومؤسسات المجتمع المدني، وتحديث الجهاز الإداري، وإصلاح النظام القضائي، والحفاظ على المال العام ومحاربة الفساد من خلال تكريس مبادئ وأسس الشفافية والمساءلة والمحاسبة، وتكريس مبدأ المواطنة كأساس العلاقة بين الحكام والمحكوم مع توفير ضمانات تحقيق المساواة بين المواطنين بغض النظر عن انتمائهم المذهبية والجهورية، وإصلاح النظام التعليمي، وتجديد الخطاب الديني، واحترام التنوع الفكري والمذهبي، وكفالة حقوق المرأة، وتعزيز حقوق الإنسان بصفة عامة.... الخ. وبالمقابل فقد تجاوب النظام. بحدود معينة. مع هذا الأسلوب في طرح المطالب، وأفسح مجالا للحوار مع العناصر والفئات الإصلاحية [
[8]]، ولكن يبقي السؤال المهم هو إلى أين ستقود هذه التطورات؟.
وتعتبر البحرين الدولة الوحيدة من دول المجلس التي لجأت فيها قوي المعارضة إلى أعه عمال الاحتجاج الجماعي والعنف السياسي خلال بعض سنوات التسعينات من القرن العشرين من أجل توصيل مطالبها التي تمحورت بالأساس حول إعادة الحياة الدستورية إلى البلاد بعد توقفها منذ عام 1975، وتحقيق المساواة بين المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم المذهبية والطائفية، ومعالجة الأزمات الاقتصادية وبخاصة مشكلة البطالة.
ومن المؤكد أن عدم تجاوب السلطة مع مطالب المعارضة، التي طغي عليها العنصر الشيعي، وتفضيلها للحل الأمني في التعامل معها، واتهام جهات خارجية وبخاصة إيران بأنها تقف خلفها، كان هو العامل الرئيسي في دفع المعارضة للجوء إلى أعمال الاحتجاج والعنف لرفع مطالبها، والدليل على ذلك هو تخلي المعارضة عن هذه المسلك بمجرد أن بدأ العهد الجديد يتبني نهجاً مختلفاً قوامه الانفتاح على هذه المعارضة وفتح قنوات الحوار معها ضمن مشروع وطني عملية الإصلاح السياسي[
[9]]وبشكل عام يمكن القول، بأن الطابع السلمي هو الغالب على إدارة عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس، سواء لجهة رفع المطالب من قبل العناصر والفئات الإصلاحية، أو لجهة ممارسة المعارضة السياسية من قبل القوي والجمعيات السياسية، أو لجهة تجاوب السلطات الحاكمة مع هذه المطالب وأساليب تعاملها مع قوى المعارضة. وإن كان ذلك لم يمنع بالطبع من لجوء السلطات إلى التشدد أحياناً مع بعض الإصلاحيين مثلما يجري في المملكة العربية السعودية، حيث جرت اعتقالات ومحاكمات لرموز وعناصر إصلاحية.
التدرج في الإصلاح السياسي
تعتبر التدرجية سمة رئيسية عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس، وهذا ما تحرص النخب الحاكمة على تأكيده بشكل شبه مستمر، وذلك نظرا ألان هذا مسلك يسمح بضبط مسارات الإصلاح على النحو الذي يعزز من قدرتها على الاستمرار، ويمكنها من تجنب أي قفزات غير محسوبة قد تقضي إلى نوع من عدم الاستقرار.
ولكن التحدي الحقيقي هنا يتمثل في كيفية جعل التدرج يفضي إلى أثار تراكمية بشأن عملية الإصلاح السياسي، ولا يكون مدخلاً للجمود أو الركود السياسي على غرار ما حدث في دول عربية أخري، حيث توقف عملية الإصلاح السياسي عند بعض أشكال الديمقراطية مثل وجود التعددية الحزبية، والانتظام في إجراء الانتخابات العامة، والسماح بهامش من حرية الرأي والتعبير، وهامش من استقلال القضاء، ولكن كل هذه التطورات وغيرها لم تؤثر بشكل جوهري في طبيعة السلطة ونمط ممارسة الحكم، حيث حرصت النظم الحاكمة على إحاطة عملية الانتقال إلى التعددية السياسية بجملة من القيود السياسية والقانونية والإدارية والأمنية التي فرغتها متن مضامينها الحقيقية، وجعلتها في عديد من الحالات مجرد عملية لتحديث التسلطية أكثر من كونها مدخلا للتحول الديمقراطي.
الإصلاح من أعلى
تندرج تجارب عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس في الغالب تحت نموذج- الإصلاح من أعلي- والذي جاء في بعض الحالات كاستجابة لتصاعد مطالب بعض الفئات الداخلية بالإصلاح كما هو الحال في البحرين والكويت والمملكة العربية السعودية من ناحية، فضلا عن وجود بعض العوامل الخارجية التي دفعت في اتجاه هذا الإصلاح من ناحية أخري. ومن هذا المنطلق لعبت النخب الحاكمة الدور الرئيسي في هندسة عملية الإصلاح السياسي ورسم حدودها بما ليؤثر بشكل جوهري على طبيعة سلطاتها وقدرتها على الاستمرار، وبما يمكنها من ضبط عملية الإصلاح السياسي والتحكم في مساراتها. وهو ما يظهر بوضوح في مضمون العملية الإصلاحية وحدودها.
ثالثا: إشكاليات الإصلاح السياسي في دول المجلس
تطرح عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس جملة من القضايا والإشكاليات التي لها تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة، والمستقبلية، على هذه العملية، ومن ثم فإن معالجتها تعتبر من المتطلبات والشروط الجوهرية لتعزيز عملية الإصلاح السياسي. وتتمثل أهم هذه القضايا والإشكاليات فيما يلي
أولاها: إن مناقشة عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي في دول مجلس التعاون الخليجي والوطن العربي بصفة عامة تثير على الفوز قضية طبيعية الدولة الظنية في هذه المنطقة، حيث أن دول المجلس باستثناء المملكة العربية السعودية، هي دول صغيرة، تمتلك ثروات نفطية ضخمة، وتوجد في بيئة إقليمية تعاني من الاضطراب وعدم الاستقرار الأمني، كما أن البناء المؤسسي للدولة- بالمعني الحديث- لا يزال قيد الشكل في بعض الحالات، وبخاصة مع استمرار قوة تأثير الو لاءات الأولية فيها، وتعرف منطقة الخليج والوطن العربي بصفة عامة مظاهرة عدم تمتع الدولة باستقلالية حقيقة عن شخص الحاكم مما جعل جهاز الدولة في التحليل الأخير أداة في يد نخبة أو طبقة أو أسرة أو طائفة تستخدمها من أجل تحقيق مصالحها، وهو ما أسهم. ويسهم. في تكريس حالة عدم التوازن بين الدولة والمجتمع، وبخاصة في ظل التأثيرات الطفرة النفطية التي أضفت طابعاً ربيعيا على الدولة. وتعاني الدولة القطرية في المنطقة العربية عموماً، بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة. من التبعية البنيوية للخارج، وهي تبعية مالية واقتصادية وأمنية. كما أن أجهزة الدولة ومؤسساتها تتسم في عديد من الحالات بالضعف والهشاشة وغلبة الطابع البيروقراطي على أدائها، فضلا عن المساءلة والمحاسبة على أنشتتها وممارستها.... الخ، ، ناهيك عن اعتماد دول المجلس على العمالة الوافدة بدرجات متفاوتة بسبب قلة عدد السكان فيها[
[10]].
وفي ضوء ما سبق، فإن دول المجلس وغيرها من الدول العربية تواجه في الوقت الراهن- بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة- معضلة مزدوجة تتمثل في بناء الدولة من ناحية بناء الديمقراطية من ناحية أخري. ومن هذا المنطلق، فإن إصلاح الدولة الوطنية يمثل عنصراً جوهرياً لتفعيل عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي، فاستكمال عملية بناء المؤسسات، وإضفاء الطابع المؤسسي على عمل الدولة، وتأكيد استقلاليتها عن شخص الحاكم، وتحديث أجهزتها ومؤسساتها بما يعزز من دورها في تنفيذ السياسيات العامة ومواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعانى منها المجتمع، كل هذا غيره يعتبر من المقومات الهامة لتعزيز عملية الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في المنطقة.
ثانيهما، بشكل مفهوم المواطنة بأبعاده ومقوماته القانونية والسياسية والاجتماعية جوهر الرابطة السياسية بين الحاكم والمحكوم في النظم الديمقراطية، خاصة وأنه ينطوي على منظومة الواجبات المفروضة على المواطن، والحقوق المكفولة له بغض النظر عن انتمائه العرقي أو الديني أو الطائفي أو الجمهوري، كما ينطوي على تأكيد سيادة القانون من خلال تطبيقه على الجميع دونما تمييز لسبب أو آخر، وأكثر من هذا فإن مفهوم المواطنة يرسخ معاني وجود ولاء أسمي للدولة على كافة الو لاءات الأخرى. وفي ضوء ما سبق، فإن اتخاذ خطوات جدية على طريق تكريس مبدأ المواطنة في دول المجلس يعتبر من المتطلبات الرئيسية لتعزيز عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي، وهو ما يتطلب إلى جانب عناصر أخري مواصلة جهود تحقيق المساواة بين أبناء الوطن الواحد بغض النظر عن انتماءاتهم القبلية أو الطائفية أو الجغرافية، وتصفية المبدون الموجودة في بعض الدول، والتي تتزايد مع مرور الوقت، ومنح المرأة حقوقها السياسية في الدول التي لم تمنحها هذه الحقوق بعد، خاصة وأنها تمثل نصف المجتمع، وتأكيد مبدأ سيادة القانون بحيث يطبق على الجميع دونما تمييز، والاهتمام بتحقيق التنمية المتوازنة في مختلف مناطق الدولة، وكل ذلك وغيره يتطلب تحديث وتطوير كثير من الأطر الدستورية والقانونية المعمول بها في دول المجلس بما يجعل منها مرجعيات وضمانات لتكريس مبدأ المواطنة، أخذا في الاعتبار أن العبرة في التحليل الأخير ليس بإصدار دساتير وقوانين جيدة على الورق فحسب، ولكن أيضاً بتطبيقها والالتزام بها على النحو الذي يرسخ مبدأ سيادة القانون [
[11]].
ثالثتها، إن عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي في دول المجلس التعاون الخليجي لا تقتصر على إصدار دساتير أو إجراء انتخابات أو إنشاء جمعيات لحقوق الإنسان فحسب، ولكنها تتضمن إلى جانب كل ذلك اتخاذ خطوات جادة على طريق تأسيس ثقافة سياسية ديمقراطية ونشرها في المجتمع حتى تتحول الديمقراطية إلى أسلوب للتعامل وإداري العلاقات على صعيد الأسرة والمدرسة والجامعة والنادي والجمعية السياسية...الخ، ومن المعروف أن الثقافة السياسية الديمقراطية تعزز عملية التحول الديمقراطي وتسهم في ترسيخ المؤسسات الديمقراطية باعتبارها تتضمن منظومة قيم مثل الاعتدال والمثقفة والتسامح والمشاركة والقبول بالتعددية السياسية والفكرية وبالحق في الاختلاف واحترام القانون....الخ.
ومن المؤكد أن عملية بناء ثقافية سياسية ديمقراطية في دول المجلس يصعب إنجازها بين عشية وضحاها، حيث أنها عملية معقدة تستغرق بعض الوقت، وذلك نظراً للصعوبات التي تكتنف عملية التغيير الثقافي والقيمي في مجتمعات لا يزال يؤثر فيها الطابع التقليدي بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة. ومع ذلك فإن زيادة معدلات التعليم في دول المجل، وانتشار وسائل الإعلام فيها، وزيادة استخدام مواطنيها للوسائل الحديثة ذات الصلة بثورة المعلومات والاتصالات. كل ذلك وغيره يشكل عوامل مساعدة لنشر ثقافية سياسية ديمقراطية.
وفي التحليل الأخير تعتبر مؤسسات التعليم والإعلام والثقافة وغيرها من المؤسسات غير الحكومية بمثابة الأدوات الرئيسية لنشر ثقافة سياسية ديمقراطية بين مختلف فئاتنا المجتمع، مما يتطلب مواصلة جهود إصلاح السياسيات الإعلامية والتعليمية والثقافية في دول المجلس بما يعزز من أدوارها في نشر قيم الديمقراطية، بل وقيم النهضة والتقدم بصفة عامة.
رابعتها: يشكل المجتمع المدني ركيزة أساسية للديمقراطية شريطة أن يكون هذه المجتمع متطوراً ويتمتع باستقلالية حقيقية عن الدولة وتلتزم مؤسساته بتطبيق الديمقراطية على الصعيد الداخلي لكل منها، وهذا يرجع إلى طبيعة الأدوار التي تقوم بها تنظيمات المجتمع المدني، حيث تسهم في نشر الثقافة السياسية الديمقراطية، وتدرب أعضاءها على المشاركة، كما أنها تعمل كحلقات وصل مؤسسية بين الدول والمجتمع، ويقوم بعضها بدور في خلق وتدريب الكوادر السياسية.
وعلى الرغم من تمدد المجتمع المدني متمثلاً في الجمعيات والمنظمات الأهلية في معظم دول المجلس خلال السنوات الأخيرة، إلا أن دور هذا المجتمع يتسم بالضعف والهشاشة بصفة عامة، وبخاصة في ظل تعدد وتنوع القيود الحكومية المفروضة على تنظيماته، الأمر الذي لا يجعله يشكل قوة دفع مؤثرة في عملية الإصلاح السياسي في معظم الحالات [
[12]]. ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي، في دول المجلس تتطلب إلى جانب عناصر أخري اتخاذ الإجراءات القانونية السياسية التي من شأنها خلق الظروف المناسبة لتقوية تنظيمات المجتمع المدني، وتحقيق استقلاليتها عن الدولة. وإذا كان هذا العنصر يرتبط بالسلطات الحاكمة، فغن هناك عصرا ذاتيا في تقوية هذه التنظيمات، حيث يتعين عملية تطوير أطرها المؤسسية، والالتزام بتطبيق الديمقراطية على الصعيد الداخلي لكل منها، وتطوير علاقاتها بالمجتمع بما يعزز من قواعدها الاجتماعية.ونظرا للدور الذي يقوم به الأحزاب السياسية في التطم الديمقراطية في العصر الحديث، ولما كانت بعض دول المجلس مثل البحرين والكويت يوجد بها جمعيات وتجمعات سياسية هي أقرب ما تكون إلى الأحزاب، فإنه من المهم أن تسمح هذه الدول بقيام الأحزاب السياسية بما يفسح المجال لتجزل الجمعيات والتجمعات السياسية القائمة إلى أحزاب، مما يكرس من مفهوم- التعددية الحزبية- الذي من المرتكزات الأساسية للديمقراطية.
خامستها: إن عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي في دول المنطقة تقتضي تحقيق الشفافية في عمل الحكومة، وتطبيق المساءلة والمحاسبة على نتائج أنشتتها وأفعالها، وهذه مسألة في منتهي الأهمية باعتبارها من أسس الحكم الجيد، حيث تضع حداً للفساد، وتسهم في صيانة المال العام وترشيد عملية تخصيص الموارد، وهذا لا يمكن أن يحقق إلا في إطار سيادة القانون. ونظراً لأن بعض دول المجلس قد شهدت رفع مذكرات وعرائض للسلطات الحاكمة تتضمن إلى جانب مطالب أخري المطالبة بصيانة المال العام ومحاربة الفساد، فإنه من المؤكد أن اتخاذ خطوات جدية على طريق تعزيز إجراءات وآليات الشفافية والمساءلة والمحاسبة يدعم من نهج الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في هذه الدول، كما يعزز من شرعية النظم الحاكمة فيها.
سادستها تعاني دول المجلس بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة من بعض المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن يكون لها انعكاساتها السلبية على الإصلاح السياسي في حال استمرارها وتأتي مشكلة البطالة في مقدمة هذه المشكلات، حيث تنامت معدلات البطالة بدرجات متفاوتة في دول المجلس خلال السنوات الأخيرة، وتتركز هذه الظاهرة في شريحة الشباب وبخاصة المتعلمين منهم. وتعتبر هذه المشكلة محصلة لعوامل ومشكلات أخري منها: تعثر جهود دول المجلس في تنويع مصادر الدخل وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد غير النفطي، مما قلص من قدرتها على توليد فرص عمل جديد تستوعب الداخلين الجدد إلى سوق العمل ن ووجود فجوة بين مجريات المؤسسات التعليمية من ناحية واحتياجات سوق العمل من ناحية أخري، وعزوف القطاع الخاص في دول المجلس عن تشغيل المواطنين وتفصيل العمالة الوافدة، نظرا لأن الوافد يقبل العمل لساعات أطول وبأجر أقل. ومن المعروف أن البطالة وبخاصة في صفوف الشباب تخلق بيئة ملائمة لتنامي ظواهر التطرف والعنف والجريمة، مما يجعل من معالجة هذه المشكلة عنصراً هاما من أجل خلق ظروف مواتية للإصلاح السياسي، وهو ما يتطلب مواصلة جهود الإصلاح الاقتصادي، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، إفساح مجال أوسع للمرأة الخليلية للمشاركة في قوة العمل[
[13]].
كما تعاني دول المجلس بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة من وجود خلل كبير في هياكلها السكانية، حيث تغطيي العنصر الوافد وبخاصة الأسيوي على التركيبة السكانية لعديد من دول المجلس، مما يجعل المواطنين أقلية في بعض هذه الدول، ومن المعروف لهذه المشكلة أثارها وتدعيانها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية التي لا يتسع المجال للخوض فيها. كما تشهد دول المجلس خلالا واضحا في الهيكل العمري لسكانها، حيث يشكل صغار السن والشباب نسبة يعتد بها من مواطني هذه الأول، وهو ما يعني ارتفاع معدلات الإعالة فيها، كما يضع على عاتق الحكومات المزيد من الأعباء بشأن توفير فرص التعليم والعلاج والعمل والمسكن للأجيال الجديدة التي ستحكم على أداء هذه الحكومات من خلال إنجازاتها، إي أن الإنجاز سيشكل مصدراً رئيساً لشرعية هذه النظم[
[14]].
وبالإضافة إلى ما سبق فإن النظم التعليمية في دول المجلس بحاجة إلي إصلاح حقيقي، ليس لأن أطرافا خارجية تطلب بذلك، ولكن نتيجة لاعتبارات موضوعية داخلية تتعلق بالمصالح الوطنية لهذه الدول، حيث أن نمط التعليم السائد فيها يركز على الحكم دون الكيف، وتقوم العملية التعليمية على أساس التلقين والحفظ، ناهيك عن الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. ونظراً لذلك فإن هناك ضرورات وطنية لإصلاح التعليم استناداً إلى منظور شامل يعالج مختلف جوانب ومقومات العملية التعليمة[
[15]].
كما أن دول المجلس أحوج ما تكون إلى إصلاح وتحديث الأجهزة والمؤسسات الإدارية، فالجهاز الإداري في أية دولة هو المنوط به تنفيذ السياسيات العامة، وبالتالي قد تكون هذه السياسات جيدة على الورق ولكن يتم تنفيذها بشكل سيئ وغير كفء مما يجعلها لا تحقق الأهداف المرجوة منها، وبالتالي يؤثر السياسي برمته، ونظراً لأن الأجهزة الإدارية في دول المجلس تعاني بدرجات متفاوتة من مشكلات التضخم والبيروقراطية وغياب أو ضعف الشفافية في عمليها...الخ، فإن هناك حاجة ماسة لاتخاذ خطوات جدية على طريق إصلاحها بما فعل من قدرتها على الأداء والإنجاز، خاصة وأن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم في ظل العولمة تفرض تحديات جديدة على ه1ه الأجهزة مما يتطلب إحداث تغيير جوهري في هياكلها وأساليب عملها. ومن المؤكد أن تحسين أداء الجهاز الإداري سوف يعزز من قدرته على التنفيذ الفعال للقرارات والسياسيات ذات الصلة بمعالجة المشكلات التي تعاني منها دول المجلس، مما يسهم في خلق بيئة ملائمة لمواصلة عملية الإصلاح السياسي[
[16]].
سابعتها، لقد تصاعدت أسعار النفط بشكل حال خلال بعض الفترات من العام 2004، حيث تجاوزت، وبشكل غير مسبوق، حاجز الخمسين دولاراً للبرميل، وذلك لأسباب عديدة لأسباب عديدة لا يتسع المجال للخوض فيها، ونظراً لأن هذا الارتفاع في الأسعار يترجم إلى زيادة في عائدات الدول المصدرة للنفط، فقد أثير التساؤل حول التأثيرات المحتملة لهذه الزيادة في العائدات النفطية على عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس، وعما إذا كانت ستشكل عنصراً دافعاً ومشجيها لمزيد من الإصلاح أم العكس ستقود إلى عرقلته وتأجيله، خاصة وأن الطفرة النفطية الأولي التي امتدت منذ منتصف السبعينات حتى منتصف الثمانينات من القرن العشرين قد أدت إلى تغيب ملف عملية الإصلاح السياسي أو تأجيله، حيث سمحت للحكومات بتكريس عقد اجتماعي يقوم على معادلة- لا ضرائب ولا تمثيل- على نحو ما سبق ذكره[
[17]].وبغض النظر عن الجدل حول هذه القضية، فالمرجح أن حدود تأثير الزيادة في العائدات النفطية لدول المجلس على عملية الإصلاح السياسي الداخلي فيها تتوقف على عوامل عديدة منها المدى الزمني لاستمرار حالة الارتفاع في أسعار النفط، وسياسات الحكومات في توظيف الزيادة في العائدات النفطية، خاصة أن دولا عديدة تعاني من مشكلات ومتاعب اقتصادية واجتماعية، وبالتالي فإن هذا الوضع قد يمكنها من معالجة بعض هذه المشكلات، مما يمكن أن يساعد على تهيئة ظروف أفضل لمواصلة عملية الإصلاح السياسي. ومن المؤكد أن الظروف والمعطيات الحالية سواء على الصعيد الداخلي في دول المجلس أو على الصعيدين الإقليمي والدولي هي جد مغايرة للظروف التي كانت سائدة خلال مرحلة الطفرة النفطية الأولي، وبالتالي يصعب المغامرة بالقول بأن الزيادة في عائدات الدول المعنية من النفط سوف تدفعها إلى التراجع عن عملية الإصلاح السياسي، لأن هذه العملية أصبحت مرتبطة بعيد يد من العوامل الأخرى، الداخلية والخارجية، غير العائدات النفطية، ومن هنا فإن الزيادة في العائدات يمكن أن تكون عاملاً مساعداً على تدعيم البنية التحتية ل عملية الإصلاح السياسي وذلك من خلال مواصلي جهود إصلاح التعليم، وتفعيل الإصلاح الاقتصادي وغير ذلك.
ثامنتها، توجد دول مجلسي التعاون الخليجي في منطقة إقليمه مضطربة، حيث شهدت منذ أواخر سبعينات القرن العشرين ثلاثة حروب هي الحرب العراقية- الإيرانية التي استغرقت معظم سنوات الثمانينيات، وحرب الخليج الثانية التي تفجرت إلى أثر احتلال العراق لدولة الكويت وما ترتب على ذلك من تداعيات معروفة، ثم الحرب الأمريكية- البريطانية على العراق- مارس/ أبريل 2003- التي أنهت نظام صدام حسين ولا تزال توابعها تتواصل حتى الآن.
ونظراً لآن دول المجلس لا تستطيع أن تنعزل عن المؤثرات النابعة من محيطها الإقليمي، فالأرجح أن مسارات التطور السياسي الداخلي فيها سوف تتأثر في جانب منها على الأقل بمستقبل الأوضاع في العراق، فالاستقرار في عراق ما بعد صدام حسين سوف يسهم في خلق بيئة إقليمية ملائمة لاستمرار سياسات الانفتاح السياسي التي تشهدها دول المجلس بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، والعكس صحيح، فعدم الاستقرار في هذه الدولة الرئيسية في منطقة الخليج سوف يغذى عدم الاستقرار الإقليمي بصفة عامة، بكل ما يترتب على ذلك من تداعيات قد تؤثر سلبا على جهود وعمليات الانفتاح السياسي في الدول المعنية، فإذا انزلق العراق إلى حالة من الاقتتال الداخلي والحرب الأهلية، فإن ذلك يمكن أن يفضي إلى تفكك الدولة العراقية، وعندئذ ستصبح بؤرة لتصدير التطرف والعنف والإرهاب إلى الخارج، وهذا ما تؤكده الخبرات التاريخية المقارنة، وما حدث في كل من الصومال وأفغانستان ليس بعيداً عن الأذهان. في حالة حدوث هذا السيناريو في العراق فإنه سيؤثر بالسلب على عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس، حيث أن عدم الاستقرار الإقليمي، وتعرض الأمن الداخلي للدول المعنية ليغض التهديدات الخارجية سوف يجعلها تواجه اختيارات صعبة بين أولويات الأمن الداخلي من ناحية، واعتبارات الانفتاح السياسي من ناحية أخري [
[18]].
كما أن بروز دور الشيعة في العراق في ظل نظام ديمقراطي، سوف يعزز من المطالب التي يطرحها الشيعة في بعض دول المنطقة لجهة تحقيق المساواة على قاعدة المواطنة، وإفساح المجال لهم للمشاركة في الحياة السياسية والشأن العام، والاهتمام بتنبيه مناطقهم، ولذلك فإنه من المناسب أن تواصل بعض النظم الحاكمة في دول المجلس الخطوات التي اتخذتها من أجل الاستجابة لمطالب الشيعة في إطار نوع من عملية الإصلاح السياسي باعتبار أن التلكؤ في الاستجابة لهذه المطالب بطريقة سليمة يدفع القوي المعنية أو فئات منها إلى الانخراط في أعمال العنف والاحتجاج، وتقدم خبرة البحرين نموذجاً لذلك.
وبالإضافة إلى ما سبق، فإن النجاح في بناء نظام ديمقراطي في العراق، سوف يقدم لواشنطن ورقة للضغط على بعض دول المجلس من أجل تسريع عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي، والعكس صحيح، بمعني أن الفشل في ذلك سوق يكرس من عدم صدقيه خطابها السياسي وجهودها من أجل نشر الديمقراطية في الوطن العربي، ولكن هذا الأمر يتعين النظر إليه في ضوء وجود شكوك عميقة بشأن مدي جدية التزام واشنطن بالديمقراطية الحقيقية في المنطقة العربية، والتي يمكن أن تقود في حال الأخذ بها إلى تغيير بعض النظم الحالية، ولذلك فالأرجح أن الديمقراطية التي تنشدها واشنطن في العراق تقوم في جانب هام منها على ترتيب الأوضاع السياسية بما يسمح بقيام نظام موال لها في هذا البلد، ومن هنا كان رفضها لإجراء انتخابات عامة قبل أن ترتب الأوضاع بما يخدم مصالحها ولذلك قامت حساباتها على أنه ظل وجود حكومة مؤقتة غير منتجة تقوم هي الدول الرئيسي في تشكيلها، فإنها تستطيع إبرام اتفاقيات معها بشأن ترتيب مستقبل وجودها العسكري وغير العسكري في العراق، خاصة وأن هذه الاتفاقيات سوف تكون بمقتضي الدستور المؤقت ملزمة العراق باعتبارها وقعت من قبل حكومة ذات سيادة.
وفي ضوء ما سبق وغيره، فإن الديمقراطية التي تنشدها واشنطن على صعيد المنطقة هي أقرب إلى تطوير أساليب الحكم والإدارة، وتحسين سجل حقوق الإنسان، وتقليص الفساد السياسي والإداري....الخ، وذلك في إطار النظم القائمة على الأقل خلال الأجلين القصير والمتوسط. ومرد ذلك أن هذه النظم موالية للولايات المتحدة الأمريكية، وتضمن مصالحها، وحتى وأن كان الأخيرة تحفظات على بعض سياساتها وأنماط أدائها. ومن هنا فإذن واشنطن لا ترغب من الناحية العملية في قيام ديمقراطيات وطنية حقيقية، حتى وأن بدا الخطاب السياسي المعلن خلاف ذلك، فالديمقراطيات الحقيقية تعني التزام الحكومات بالاحتكام إلى الإرادة الشعبية من خلال الاستفتاء وغيره قبل أن تقرر منح قواعد أو تسهيلات عسكرية للولايات المتحدة الأمريكية أو تقرر استمرار بقاء قواعدها الموجودة حاليا على أراضيها، كما أنها تتضمن وجود برلمانات قوية تستطيع محاسبة ومساءلة الحكومات بشأن إدارة العلاقات مع واشنطن، ومن هذا المنطلق فإن هذا النوع من الديمقراطية سوف يكون على الأرجح على حساب المصالح الأمريكية في المنطقة ولو خلال الأجلين القصير والمتوسط، وبخاصة في ظل حالة الكراهية السائدة لسياسات الإدارة الأمريكية في العالمين العربي والإسلامي.
وفي سياق رصد التأثيرات الإقليمية على عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس يمكن الإشارة إلى قضية أخري مفادها أن تسارع عملية الإصلاح السياسي في بعض دول المجلس مقارنة بالمملكة العربية السعودية، وبخاصة فيما يتعلق بالانفتاح الإعلامي، وإجراء انتخابات بلدية أو برلمانية، ومنح المرأة حق التصويت والترشيح، وهو أمر له انعكاساته- القائمة والمحتملة- على الأوضاع الداخلية في المملكة سواء بشكل مباشر أو غير مباشري، خاصة عندما يقارن السعوديون أوضاعهم بما حدث في دول مجاورة لهم وتشاركهم عضوية مجلس التعاون الخليجي بخصوص عملية الإصلاح السياسي. ومن هنا فإن المذكرات والعرائض التي رفعت للسلطات في المملكة تضمنت بعض المطالب التي من شأن تنفيذها إحداث تطورات مماثلة لما حدث في بعض دول المجلس الأخرى.
رابعاً: مستقبل الإصلاح السياسي في دول المجلس
ثمة حقيقتان هامتان يتعين أخذهما في الاعتبار عند النظر في مستقبل عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي في دول المجلس. أولهما، أن هناك متفاوتات بين الدول المعنية من حيث درجة الانفتاح السياسي، ففي بعض الدول يتم إجراء انتخابات بلدية وبرلمانية، كما تم منح المرأة حقوقها السياسية، بينما في دول أخري لم يتحقق شئ من هذا القبيل. وثانيهما، أن مستقبل التطور السياسي والديمقراطي في دول المجلس تحكمه عوامل عديدة داخلية وإقليمية ودولية، فعلي الصعيد الداخلي تعتبر القوي المطالبة بالإصلاح وصاحبة المصلحة في حدوثه من حيث حجمها وطبيعتها وقدرتها على توسيع قواعدها الاجتماعية والتنسيق فيما بينها، تعتبر من المحددات الهامة لمستقبل عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس، كما أن تجاوب النخب الحاكمة مع مطالب الإصلاح وقيامها باتخاذ خطوات تراكمية على طريقة، يعتبر هو الآخر من العوامل الحاكمة للمدى الذي يمكن أن يبلغه الإصلاح في الدول المعنية.
وعلى الصعيد الإقليمية، فإن مستقبل الوضع في العراق سوف يكون له تأثيره على الأوضاع السياسية الداخلية في دول المجلس على نحو ما سبق ذكره. أما على الصعيد الدولي فإن توقف واشنطن من عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس يعتبر من المحددات الحاكمة لمستقبل العملية الإصلاحية، وبخاصة في ظل طبيعة العلاقات التي تربط بين الجانبين.
وفي ضوء المحددات سالفة الذكر وغيرها يمكن القول: إن المسار المحتمل للتطور السياسي في دول المجلس خلال الأجلين القصير و المتوسط على الأقل يتمثل بصفة عامة في استمرار عملية الإصلاح السياسي بدرجات متفاوتة في هذه الدول، لكن دون أن يصل ذلك إلي حد حدوث تحول ديمقراطي جوهري، ومغزى هذا المسار هو أن تستمر دول المجلس في اتخاذ بعض الخطوات على طريق الإصلاح السياسي، التي سوف تتفاوت في مداها وطبيعتها من دولة إلى أخري، ولكن سيظل في نهاية المطاف إصلاحاً محدوداً ولن يفضي إلى عملية دمقرطة حقيقية بالمعني المتعارف عليه. ومن الناحية العلمية فإن هذه الدول سوف تستمر في إجراء الانتخابات البلدية والبرلمانية، ولكن مع استمرار ظاهرة عدم التوازن- بدرجات متفاوتة- بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وسوف تسمح بهامش من حرية الرأي والتعبير، ولكن مع استمرار أشكال من سيطرة الدولة على الإعلام المسموع والمرئي في بعض الحالات، فضلا عن التدخل عبر أدوات متعددة للتأثير على حرية الإعلام إذا اقتضي الأمر.
كما أنها سوف تسمح بهامش من الاستقلالية لتنظيمات المجتمع المدني، ولكن مع استمرار قدرة الحكومات على التأثير في هذه التنظيمات من خلال قيود وضوابط قانونية وسياسية ومالية وإدارية، وقد تسمح بعض الدول المعنية بقيام أحزاب سياسية، ولكن ضمن إطار سياسي وقانون لا يمكنها من أن شكل تحدياً حقيقياً للسلطات الحاكمة. كما أن سجل حقوق الإنسان سوف يشهد المزيد من التحسن في هذه الدول.
ولكن في ظل هذا النهج الإصلاحي، فإنه من غير المستبعد أن تشهد بعض دول المجلس حالة من الجمود السياسي، بحيث يقف عملية الإصلاح السياسي عند حدود معينة، خاصة في ظل استمرار الاعتقاد الراسخ لدي النخب الحاكمة في بعض الدول بضرورة التدرجية في الإصلاح، والتدرجية في حد ذاتها ليست عيباً شريطة أن تستمر بقوة دفع مناسبة، وتحدث أثرها التراكمي مع مرور الوقت، ولكن المشكلة أن التدرجية يمكن أن تتخذ كمدخل للالتفاف على عملية الإصلاح وتجميدها من الناحية العملية بحيث تسيرا بمنطق خطوة للأمام وخطوة للخلف على نحو ما سبق ذكره، وهو ما يمكن أن يفتح الباب لحالة من الاحتقان السياسي الذي قد يقضي إلى أزمات وتوترات في العلاقة بين السلطة وقوي المعارضة وبخاصة في الدول التي توج بها معارضة سياسية تتسم بدرجة ملحوظة من النشاط والفاعلية.
وفي ضوء ما سبق، فإن عملية الإصلاح السياسي سوف تتواصل في دول المجلس، ولكن سيبقي أمام هذه الدول شوط طويل حبيس يفضي هذا الإصلاح إلى تحول ديمقراطي حقيقي بما ينطوي عليه من تطبيق لمبدأ التداول السلمي للسلطة على مستوي الحكومة من خلال انتخابات حرة ونزيهة، وتكريس لأسس ومبادئ الشفافية والمساءلة، فضلاً عن تحقيق توازن حقيقي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وتأكيد استقلال السلطة القضائية، وإطلاق حرية تشكيل الأحزاب والجمعيات السياسية، وتوفير ضمانات احترام حقوق الإنسان بمعناها الواسع، وترسيخ المشاركة السياسية الحقيقية للمواطنين في عملية صنع القرار، وتأكيد سيادة القانون.,.
وثمة عدة عوامل وشروط يمكن أن تدفع التطور السياسي ف بعض دول المجلس في هذا الاتجاه على المدى الطويل من أهمها النجاح في معالجة بعض معوقات التحول الديمقراطي في دول المجلس وبخاصة فيما يتعلق بإصلاح أجهزة الدولة ومؤسساتها، وتأسيسي ثقافة سياسية ديمقراطية ونشرها على صعيد المجتمع، وخلق ظروف اقتصادية واجتماعية مواتية للتحول الديمقراطي من خلال مواجهة بعض المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها هذه الدول بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، كما أن نجاح بعض القوي السياسية وتنظيمات المجتمع المدني في تعزيز دورها وقدراتها على الفعل والتأثير من خلال توسيع قواعدها الاجتماعية وانخراطها في ممارسة نضال سلمي من أجل الديمقراطية، فضلاً عن تأكيد التزامها بتطبيق الديمقراطية على الصعيد الداخلي لكال منها يعتبر من العوامل الهامة التي يمكن أن تدفع في اتجاه التحويل الديمقراطي في دول المنطقة. ومن هذه العوامل أيضاً تمكن القطاع الخاص في الدول المعنية أو الكتلة الرئيسية فيه من تأكيد استقلاليتها عن الحكومات والقيام بدور أكبر في دعم جهود تعزيز الديمقراطية والمجتمع المدني.
كما أن رؤى وتصورات عناصر الأجيال الجديد من القادة في دول المجلس لقضية عملية الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، ومدي تجاوبها مع المطالب الشعبية بهذا الخصوص تعتبر هي الأخرى من العوامل الرئيسية التي ستحدد مستقبل التطور السياسي والديمقراطي في هذه الدول خلال الأجلين المتوسط والطويل، وخاصة وأن وصول قيادتين جديدتين إلى السلطة في كل من قطرا والبحرين قد كان له تأثيراته على عملية الانفتاح السياسي في كل منهما، كما أن تبني واشنطن لنهج أكثر مصداقية ووضوحاً في دعم التحول الديمقراطي في دول المنطقة يعتبر من العناصر الحاكمة بهذا الشأن، وأن كان ذلك يتوقف بالطبع على عوامل عديدة منها حدود الاستمرارية والتغيير في السياسية الأمريكية تجاه الصراع العربية.
الإسرائيلي، لأن استمرار الانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل سوف يضعف من مصداقية واشنطن بشأن ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة، كما أن مدي حاجة الولايات المتحدة الأمريكية للنفط العربي سوف تستمر كأحد محددات صياغة السياسية الأمريكية تجاه ملف الإصلاح السياسي والديمقراطي في هذه المنطقة التي تعتبر من أهم مناطق العالم على صعيد إنتاج النفط والاحتياجات النفطية.
وتأسيساً على فاسبق يمكن القول بأن العوامل الداخلية ستبقي هي الحاكمة لمستقبل عملية الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في دول المجلس والمنطقة العربية بصفة عامة، وسوف يظل دور العوامل الخارجية مساعداً في أفضل الأحوال، خاصة وأن العوامل الخارجية لا تؤتي تأثيراتها في دعم التحول الديمقراطي إل إذا كانت هناك عوامل داخلية مواتية لذلك، وهذا هو درس التاريخ الذي تؤكده تجارب التحول الديمقراطي في عديد من دول العالم، حيث أن الديمقراطية عملية نضالية تطورت في عديد من المجتمعات الإنسانية عبر فترات ممتدة من الزمن، واقترنت بتحولات وتطورات اقتصادية واجتماعية وثقافية شاهدتها هذه المجتمعات، كما ارتبطت بوجود قوي وتيارات سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية حملت المشروع الديمقراطي وكافحت بأشكال سلمية من أجل تطبيقه.


المصدر : إسلام أون لاين.نت – ببليو إسلام.


[1] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- ابتسام الكتبي، - التحويلات الديمقراطية في دول مجلس التعاون الخليجي -، في: مجموعة من الباحثين، الديمقراطية والتنمية الديمقراطية في الوطن العربي- بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2004 -، ص ص. 312- 314.
[2] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- O, conor, James,- The Fiscal Criscal of the State-- New York: St. Martin ,s Press. 1973- , pp.- 5- 10.
[3] لمزيد من التفاصيل، أنظر:
- Gawat Bahgat ,- Military Security and pocurity Stability in the Gulf- , Arab Studies Quarterly, Vol. 17 , No.4- Fall 1995- ; Vahn Zanoyan ,- After Oil Boom: The Holiday Ends in the Gulf ,- Foreign Aggairs, Vol.74 , No,6- November/ December 1995- ; Giacomo Luciani ,- Resources , Revenues , and Authoritarianism in the Arab World: Beyond the Reniter State ?- Rex Brynen , Bahgat Korany & Paul No ble- eds.- , Political Liberalization & Democratization in the Arab World- Volumel- London : Lynne Rienner Publishers, 1995 -.
[4] لمزيد من التفصيل، أنظر:
فتحي ألعفيفي، - الديمقراطية والليبرالية في الممارسة السياسية لدولة قطر -، المستقبل العربي، العدد 298- ديسمبر 2003 -.
- Andrew Pathmell and Kirsten Schulze ,- Political Reform in the Gulf: The Case Of Qatar ,- Middle Eastern Studies , Vol. 36, No.4- October 2000- ; J.E.Peterson.- Succrssion in the States of the Gulf Coopration Council,- The Washington Quarterly Vol.24,No.4- Autumn2001 -.
[5] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- Michal Scott Doran ,- The Saudi Paradox,-- The Saudi Paradox ,- Foreigen Affair- January/ February 2003- ; Antony H. Cordesman , The Prospects for Stability in in 2004- Washington , Dc: Csis < February 19 , 2003 -
[6] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- حسين توفيق إبراهيم، - ثورة المعلومات والتطور الديمقراطي في العالم العربي -، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، كراسات إستراتيجية، العدد 139- مايو 2004 -.
[7] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- F. Gregory Gause , III,- GCC- U,S. Relations,- in: Gulf in a Year 2003- Dubai: Gulf Research Center . 2004 -.
[8] لمزيد من التفصيل، أنظر:
Ahmed Abdel Karem Saif ,- Patterns of political opposition in the GCC Countries ,- in: Gulf in a Year 2003 , Op. Cit pp. 63- 64
[9] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- مفيد الزبدي:- مؤشرات التحول الديمقراطي في البحرين: من الأمارة على الملكية الدستورية -، المستقبل العربي، العدد 270- أغسطس 2001 -.
[10] من التفصيل، أنظر:
على خليفة الكوراري- إعداد وتحرير -، الخليج العربي والديمقراطية: نحو رؤية مستقبلية لتعير المساعي الديمقراطية- بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2002 -، ص 77؛ أسامة عبد الرحمن، النفط....... والقبلية.... والعولمة- بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1 2000 -؛ د. محمد جواد رضا، صراع الدولة القبيلة في الخليج العربي: أزمات التنمية وتنمية الأزمات- بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1997 -.
[11] لمزيد من التفاصيل، أنظر:
على خلفية الكوري، المصدر السابق، ص 75.
[12] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- ربما الصبان ومنيرة فخور ومتروك الفالح، قضايا وهموم المجتمع المدني في دول مجلسي التعاون الخليجي- الكويت: دار قرطاس للنشر، ط1، 1998 -، سعد الين إبراهيم، - المجتمع المدني في دول الخليج العربية -، في: د. جمال سند السويدي- أعداد -، مجلس التعاون لدول الخليج العربية على مشارف القرن الحادي والعشرين- أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، ط1، 1999 -، مريم عيسي الشيرازي، - المنظمات الأهلية في الخليج العربي: الواقع والتحديات -، شئون اجتماعية، العدد 81- ربيع 2004.
[13] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- Jamal Jassem Al- fakhri ,- The GCC Non- Oil Economy ,- in: Gulf in a Year 2003. Ibid,. part Four.
[14] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- Michael. E. Bonine.- Population Growth , the Labor Market and Gulf Securitty ,- in ; david e. Long and Christian kock- eds.- Gulf Security in the Twenty- First Century- Abu Dhabi: The Emirates Center for Strateegic Studies and Research, 1997- ; Jamal Jassem Al- fakhri ,- TheDemographic Structure of the GCC States ,- in: Gulf in a Year 2003. Ibid,. part Two.
[15] لمزيد من التفاصيل، أنظر:
- مجموعة من الباحثين، التعليم والعالم العربي: تحديات الألفية الثالثة(أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ط1، 2000).
[16] لمزيد من التفصيل/ أنظر:
على خلفية الكوري، مرجع سابق ذكره، ص، 78؛ فاهان زانويان، أن الأوان لقرارات تاريخية في منطقة الخليج- الكويت: جامعة الكويت. مركز الدراسات الإستراتيجية والمستقبلية،. سلسلة الدراسات الإستراتيجية والمستقبلية، العدد 1 نوفمبر 2002 -. Daniel Byman and John R.Wise, The Persian Gulf in the Coming Decade Trends, Threats and Opportunities- Rand . 2002 -.
[17] لمزيد من التفصيل حول خلفيات هذه القضية، أنظر على سبيل المثال:
- Hossien Askari ,- Oil Not Islam. is at The Middle east ,- The National Interest- January , 2004- ; Oystein Noreng, Oil and Islam Social and Economic Issues- New York : John Wiley & sons , 1997 -.
[18] لمزيد من التفاصيل، أنظر:
- حسنين توفيق إبراهيم، مستقبل الأوضاع في العراق وانعكاساتها على دول مجلس التعاون الخليجي -، مجلة أراء الخليج، العدد الأول- مايو/ يونيو 2004 -.