Powered By Blogger

أرشيف المدونة الإلكترونية

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 25 أبريل 2009

حكومة العالم الخفية ج4 لـ[شيريب سبيريدوفيتش].


روسيا



((. . . ولكم كانت الآم القيصر شديدة، عندما تنبَّهت
السلطة الروسية إلى نشاط مجموعة مسيحية كبيرة
متبنِّية لعقيدة مشابهة لليهودية))(
[1])।




القيصر بولس الأول
حكم روسيا منذ سنة 1796م القيصر بولس الأول، الذي أشرف على تعليمه (بوروشين)، وقد كان بوروشين عالم رياضيات بارزًا ولغويًا ضليعًا، ونشأت بينه وبين الدوق بولس علاقة وطيدة... وبالإضافة إلى الروس، علَّم بولس فرنسيون وألمان، وتعلم اللغتين الإيطالية واللاتينية إلى جانب تعلُّمه الديني. وكان يحترم معلميه احترامًا عظيمًا، ووجدت أعمال فولتير مكانًا بارزًا في المكتبة القيصرية(
[2]).
ولما زار جوزيف الثاني إمبراطور النمسا، بطرسبورغ في سنة 1780، كتب إلى والدته: (إن الدوق الأكبر يستحق الاهتمام أكثر مما يظن عمومًا. فهو ذكي حيي، مثقف ثقافة عالية، مستقيم وصريح، وسعادة رعاياه أعظم عنده من ثروات الدنيا قاطبة)(
[3]).
ووجده دوق دارمشدات لطيفًا، مؤدبًا، حسن الحديث بشوشًا. وكتبت عنه أميرة ويرتمبرغ إلى البارونة دي أوبيركيرش قائلة: (لا يمكن أن يكون أحد أقرب إلى القلب من الدوق الأكبر بولس، فهو أكثر الأزواج توقيرًا، إنه ملاك وإنني أحبه حتى الإفراط)(
[4]).
ومما قاله أ. رابوبورت في وصف القيصر: (لما كان في السابعة من عمره كان يتناقش في السياسة مع رجال الدولة).
لا ينسى بولس الأول أيَّ شخص أسدى إليه جميلاً. ولما سافر مع زوجته عبر بولندا في سنة 1781 قابلهم الملك ستانيسلاوس، وكانوا على وفاق تامٍّ، وفي باريس كانا ناجحين وقد افتتن بهما كل إنسان رآهما، وكل ما قالاه أو فعلاه كان مصدر إعجاب، وحدث الشيء ذاته في إيطاليا.
ولما توفيت كاترين الثانية وخلفها في العرش سنة 1796 ((عامَلَ القيصر وزراء والدته وجميع أصدقائها بكرم، وأبقى زوبوف في منصبه، وفي كل ساعة بل في كل لحظة كان بولس يعلن عن تغيير حكيم أو أثر حميد، وكان حاكمًا مطلقًا خيِّرًا ثبَّت التشريعات الحكيمة الخيِّرة التي سنَّتها والدته، وألغى كل ما سبَّب قلق الشعب وغضبه)).
لقد ألغى بولس أمر التجنيد وأرسل أحد أفراد حاشيته لينهي الحرب مع بروسيا، وأعلن للدبلوماسيين ((أنه لم يرث مشاكل والدته وحروبها)).
وقام بزيارة إلى البطل البولندي المشهور كوشيزكو Kosciuszko، وهو سجين دولته، ولم يحرره وحده بل وجميع السجناء البولنديين، ودفع لهم أموالاً وساعدهم على الذهاب إلى أميركا التي كان بولس محبًا لها ككل الرومانوفيين(
[5]).

سرُّ القيصر بولس
ولكن بولس ورث من والدته جيشًا منحلاً، فكيف ينظر حفيد فريدريك بهدوء إلى ضباط يلبسون معاطف الفراء المزركشة المغرية، وإلى موظفين يلبسون معاطف السهرات ((السموكن))؟ بدأ بولس بتدريب جيشه، ومنع لبس الفراء في أثناء العروض العسكرية ولبس هو نفسه بزَّة خفيفة. لقد اعتبر عمله ذلك قسوة، ولكن القانون ذاته هو الذي يُعمل به الآن.
قال القيصر: (سوف تسيرون إلى سيبيريا إذا دعت الضرورة لتعليمكم ذلك)، وفعلاً أمر سَريَّة بذلك، وبعد مسيرة عشرة أميال أمر بإرجاعها ونسي الأمر. وكان يطلب من جيشه السرعة نفسها المطلوبة في جيوش اليوم، ولكن كل شيء فعله صوَّرته (اليد الخفية) تصويرًا سيئًا، لأنه أنقذ الكنيسة الكاثوليكية.
كان لكاترين الثانية البروسية (والدة بولس) محبُّون كُثر، وما كان لبولس أن يحتفظ بهم جميعًا فأساؤوا إليه، فقد كره الأخوين زوبوف – وكانا الروسيين الوحيدين – اللذين اشتركا في المؤامرة عليه، على الرغم من إحسانه إليهما.
ما هي (جرائم حكم الإرهاب)؟ كما يصف رابوبورت حكم بولس الأول. لقد أنكر بولس نفسه تلك الجرائم (فهو محبٌّ للسلام، ولهذا كانت سياسته في الفترة الأولى من حكمه سياسة سلام ووفاق، فسحب جيوشه من بروسيا، وترك جورجيا لقواتها المحلية، وأوقف التجنيد العسكري الذي أمرت به والدته، وأعلن أن الإنسانية لا تسمح له بحرمان رعاياه المحبوبين من السلم الذي يتشوقون إليه).
وأبدى كرمه وضيافته للويس الثامن عشر في ميتاو (كورلاند)، ولما أخذ الفرنسيون مالطا فكر فرسانها في تقديم ((السيادة الكبرى)) على نظامهم للإمبراطور بولس، ولما كان معجبًا بالاحتفالات ويرغب في الظهور أمام الأميرة غاغارينا كبطل من أبطال الفروسية، قبِلَ الشرف بسرور عظيم.

سر رومانوفا وروما الثالثة
كلما درستَ الأسباب الحقيقية للاضطراب العالمي، ازددتَ إيمانًا بأنه لما قبل بولس الأول أن يكون سيدًا أعظم للنظام الكاثوليكي لفرسان مالطا، إنما قام بما هو مستحيل،أعني الخطوة الأولى نحو إعادة توحيد الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية مع الكنيسة العالمية، ومنذ ذلك الوقت كره اليهود، ولاسيما أباطرتهم الروتشيلديون، أسرة الرومانوف. فقد صرح ليونيل روتشيلد إلى ديزرائيلي (لم تكن هناك صداقة بين بلاط بطرسبورغ وأسرتي)(
[6])، ولا غرابة بعد ذلك في أن يُقتل ستة من القياصرة الرومانوفيين.
ما هو السبب الذي يدفع الروتشيلديين – الذين يقرظون الملكية كثيرًا(
[7]) وربما اعتبروها مقدسة – إلى الرغبة في إذلال الملكيات؟ وهل هذا لمصلحة الشعوب؟ بالتأكيد لا، وإنما يهدفون إلى الحلول مكانهم، هذه هي رغبة اليهود الوحيدة. والسبب الأساسي أن الحكم المطلق قد يعيد توحيد الكنيسة الأمِّ بجرَّة قلم، وبهذا يتوحَّد ثلثا المسيحيين مما يوجه ضربة قاضية للشيطان. أخذ بولس الأول الخطوة الأولى فأرداه القتلة صريعًا. ويبدو أن هناك وحدة (صوفية) بين روما القديمة وروما – نوفز (روما – نوفا Roma-Nova). وكانت موسكو تدعى دائمًا روما الثالثة، وقد فرقت روما الثانية (بيزنطة) بين روما الأولى وروما الثالثة. وقد كان القياصرة الرومانوفيون من أفضل المسيحيين، بينما ظل الروتشيلديون أكثر الناس عداوة للمسيحيين، ولهذا لا يمكن للأسرتين أن تتعايشا.
كان الأمير الروماني بروس، أخو الإمبراطور الروماني أوغسطس August، أول رومانوفي قطنت سلالته في الأرض التي تعرف اليوم ببروسيا، وأصبحوا أمراءها، وجاء أحدهم إلى نوفغورود في روسيا سنة 1287 واتخذ اسم كابيلا. واستقر ابنه أندرو في موسكو وأصبح مستشارًا لجون (الدوق الأكبر). وأصبح تيودور بن أندرو وصيّاً على عرش روسيا في سنة 1380، وتزوجت ابنته الدوق الأكبر وأصبح حفيدة تيودور بطريركًا لروسيا، ثم انتخب ابنه ميشال قيصرًا في 1613.

سياسة بولس الأول
نقرأ في كتاب (لعنة الرومانوفيين) لـ(رابوبورت) ((بدَّل بولس سياسته السلمية، فانضم إلى تحالف إنكلترا والنمسا ونيبلس ضد بونابرت (الجمهورية الفرنسية). وعَيَّن بولس سوفاروف قائدًا أعلى، وهو الذي عبر الألب من مضيق سانت غوتارد ودخل سويسرا، ولكن كورساكوف، القائد الروسي الثاني هَزَمَهُ مايسنا (يهودي – ماناسح) فاضطر سوفاروف إلى التقهقر ليقود جيشه إلى روسيا. وتضايق القيصر من المعاملة التي لقيها من إنكلترا والنمسا، فاتهم بولس – وقد فعل سوفاروف الشيء ذاته – النمسا بالخيانة. وسعى بونابرت – الذي تأكدت مبادئه الاستبدادية(
[8]) - إلى القيصر للإفادة من غضبه على النمسا وكسبه إلى جانبه، فبدأ بإرجاع كل المسجونين الروس بعدما كساهم بألبسة جديدة وزوَّدهم بأسلحة حديثة، وهذه الحركة البارعة نالت رضا القيصر الذي تأثر بصنيع القنصل الأول بعد أن رفضت النمسا وإنكلترا أن تبادلاه بالأسرى الروس الأسرى الفرنسيين لديه))([9]).
فالذي فعلته النمسا وإنكلترا مع بولس هو ما يفعله برونشتين (تروتسكي) مع إنكلترا اليوم. ويرى رابوبورت أن القيصر ينبغي أن يحطَّم فيستمر هذا اليهودي قائلاً:
وتكلم بولس على التصرف النبيل للقنصل الأول فقال : (لقد أخمد نابليون نار الفوضى ولا عذر لروسيا في عدم الوصول إلى تفاهم معه). وقد أزعجت بولس السيادة البحرية البريطانية التي أعلنت حصار الموانئ الفرنسية، فحدد قيصر روسيا مبدأ الحياد المسلح المشهور، ودخل مع القنصل الأول في تحالف. ومن هذا النمط هي (جرائم) القيصر بولس الأول السياسية!

أنقذ بولس الأول الكنيسة الكاثوليكية فقُتل
(نتيجة لتوسل الإمبراطور وتقديرًا لوساطته، قرر بونابرت – الذي كان يخطط لغزو الصقليتين – إيقاف حملة نيبلس واحترام كرسي البابوية)(
[10]).ومن هذا النوع أيضًا (جرائم بولس الأول الرهيبة). والجريمة الأساسية للإمبراطور عاثر الحظ، في نظر أمشيل وكل المحافل الماسونية المعادية للمسيحيين، أنه أعاد سلطة الكنيسة الكاثوليكية التي كانوا قد ألغوها([11]).
((أمر غريب أن يكون القيصر الروسي رأس الكنيسة الأرثوذكسية والمدافع عنها معترفًا به سيدًا عظيمًا لنظام روماني كاثوليكي (فرسان مالطا) على رأسه البابا)). وهنا ((مدفن الكلب)) كما يقول المثل. ويستطيع المرء أن يتصور لِمَ أصبحت هذه الظاهرة من أكبر ((آلام الشيطان)) (هذا هو عنوان كتاب السيدة كورالي). فأمشيل مستعد أن يقتل نفسه غضبًا نتيجة لذلك.
لقد أنقذ بولس الكنيسة الرومانية لأنه سليل بروس الأمير الروماني؟ سنوضح سر رومانوفا (روما الجديدة): إنه تقدير القياصرة لروما.
والآن بعد هجوم لا يرحم من كل القوى الشيطانية عبر المحافل الماسونية استمر ثمانية عشر قرنًا، يمكن للبابوية أن تبقى معترفًا بقيادتها من قبل الكنيسة في الإمبراطورية الروسية.
فكل يهودي ملتزم – مثل أ. رابوبورت، وأكثر منه أمشيل اليهودي القيادي – يموت غضبًا من ((جريمة)) بشعة مثل جريمة القيصر بولس (!) فقد قال السيد رابوبورت: ((قتل بولس الأول مجموعة الضباط السكارى بوحشية))(
[12])، وكانت كلماته الأخيرة ((ماذا فعلت))؟. فالسيد رابوبورت لا يستطيع أن يقدم حقيقة واحدة توضح الذي فعله بولس الأول حتى يواجه هذه الميتة الشنيعة. وبوضوح أكثر: السبب الوحيد أنَّ بولس الأول أخاف عملاء الشيطان في فرانكفورت، بإمكانية إعادة دمج الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية في الكنيسة الأم (العالمية) في روما، وهذا ((الدفع)) لعمل المسيح في الأرض سيكون ألمًا للشيطان منذ فشله مع المسيح فوق الجبل. فكل جهد ينبغي بذله حتى لا يتم توحيد الكنيستين.
والحقيقة المُرَّة في كتاب رابوبورت هي التناقض الواضح بين رغبة اليهود في ((تسويد وجه)) القيصر، بينما الحقائق التي يوردها هو نفسه تدفع كل تهمة غير عادلة توجه للرومانوفيين، وقد فضح هذا التناقض عدد من المعاصرين في عدد من الأمم.
كانت سياسة الروتشيلديين، خلال القرن التاسع عشر، منع كل محاولة من جانب روسيا للتحالف مع إنكلترا أو روما، وقد أغري الروس باتهام الحكومة البريطانية بكل عمليات القتل أو الكوارث التي حدثت في روسيا. ((فاليد الخفية)) قبل أن تقتل القيصر بولس، الذي سعى إلى تفاهم مع البابا، لطَّخت سمعته بافتراءات خيالية حتى لا يجرؤ أحد على مساعدته أو يتحمل تبعة الكشف عن سر قتله فيما بعد، كما أفعل أنا الآن. فالقتلة هم عملاء ((اليد الخفية)) أو الأشرار أمثال الإخوة زوبوف، حتى وإن كانوا سكارى.
روي السير روبرت غونينغ أن ((طبقًا من (النقانق) وضع أمام بولس، وبينما هو يأكل منه وجد فيه شظايا من الزجاج)). أوَلَم يكن ذلك كافيًا لإثارة مخاوفه وظنونه؟
إن كل الحوادث بولغ فيها، فقد كان الهدف الأساسي تشويه سمعة القيصر المتمسك بمسيحيته، حتى يمهد لمقتله الذي أصرَّ عليه أمشيل روتشيلد الأول المتعطش للدماء. وليجعلوا بولس قلقًا، فقد أُخبِر بأنه سيُقتَل وموته مؤكد، حتى إنه سأل مرة : ((هل هم مستعدُّون لقتلي))؟. وليس بمستغرب أن يشعر بالقلق والاضطراب عندما يجد نفسه أسير مصيدة.
وكانت حياة بولس، إلى أن كُرِّس قيصرًا في الثانية والأربعين من عمره، حياة كئيبة ما جعله كثير القلق عظيم الشك. ففي مذكرات دي سانغلين(
[13]) : إنه كان لبولس (قلب دافئ رحيم شفاف، ذو مشاعر نبيلة مع حب جارف للعدالة وتذوُّق للفروسية).
وكانت زوجته تُغرى دائمًا بأنها امرأة عظيمة تستطيع أن تلعب دور كاترين الثانية مجدَّدًا، وإلا فستكون في خطر شديد من القيصر. ((لقد كانت أميرة دارمشتادت (زوجة بولس) تحت تأثير الكونت أ.رازوموفسكي، خليلها))(
[14]).

مقتل القيصر بولس
إن كل الذي سمي ((طغيانًا)) في فترة حكم بولس الأول التي امتدت خمس سنوات، لم يكن فيه من الضحايا ما يساوي ضحايا يوم واحد من الحكم البلشفي اليهودي في روسيا. (تاريخ الثورة البلشفية).
لقد نفذ قتل القيصر بولس ماسونيون أجانب هم: باهلين وبينيغسين(
[15]) وريباس والدكتور روغيرسون...الخ. (لقد أعطى بولس لباهلين وظيفة وأغناه بكثير من خيرات الأرض ومنحه أعلى درجات ثقته)([16]). فمن هو القاتل الحقيقي؟ إنني بيَّنت كل شيء.
كان بولس خطرًا على أعداء المسيحيين، ولهذا وضع الماسونيون خطة من أكثر الخطط شراسة ضده، فأرسلوا عددًا من متآمري الثورة الفرنسية إلى سانت بطرسبرغ (ليننغراد)، ورشوا كل الرجال المحيطين به. وهكذا وضعت خطة الشيطان قيد التنفيذ خطوة خطوة.
أخبر الإسكندر ابن القيصر بولس بأن والده يحسده على شعبيته ويخطط لنفيه، وكان هذا عكس الحقيقة تمامًا، بينما أوحى أحد المتآمرين، وهو باهلين، إلى القيصر بولس ونصحه بتوقيع أمر اعتقال الإسكندر، وأقنعه بأن ابنه هو المتآمر الأساسي عليه. ولينقذ نفسه، وقَّع بولس على الأمر ليحول دون جريمة ابنه المتوقَّعة. ثم عُرِض أمر الاعتقال على الإسكندر وأُقنع بالموافقة على عزل والده عن العرش بعد أن أكد له المتآمرون أنَّ شعرة واحدة من والده لن ينالها أذى، لكن بولس لم يُعزل وإنما قُتل شر قتلة.
لما وصلت أنباء مقتل بولس إلى نابليون كتب في ((المونيتير)) ’’سيبقى للتاريخ أن يكشف عن سر هذا الموت المأساوي، وليعلم أي سياسة قومية ترغب في كارثة كهذه‘‘، وقال رابوبورت إنَّ (السفير البريطاني ويتورث تصور فكرة المؤامرة في البداية)(
[17])، وأول من أشار إلى هذا هو سليمان، اليهودي الألماني([18]).

سرُّ القيصر الإسكندر الأول
(ولد الإسكندر في سنة 1777 وقد كان حسن الهيئة)، (فرح بتأسيس الجمهورية الفرنسية وتمنى نجاحها. وكانت أفكاره أفكار سنة 1789. وكان يتمنى قيام جمهوريات في كل مكان. وجهد نابليون في (تلست Tilist) سنة 1807 جهدًا عظيمًا مستعملاً كل ما أوتي من منطق ليبرهن لحاكم روسيا المطلق أن الملكية الوراثية وحدها الضمانة لسلام الأمم وسعادتها. وعلى الرغم من ذلك ظل القيصر يرى أنها فاسدة للحكم). هكذا بدت الملكية لأنبل الحكام.
لقد أجبر الإسكندر على إضفاء الشرعية على مؤامرة 1801 حتى (يحمي حياة والدته)، إذ إنَّ الماسونيين، قتلة والده، خدعوها بأن والده يريد قتلها، ولكن الإسكندر لم يوافق أبدًا على اغتيال والده. فكذب عليه الماسونيون وقالوا له إن عملهم سيكون عزلاً لوالده من السلطة فقط، وانقلابًا أبيض لا يُسفك فيه دم، تمامًا كما كذب كيرينسكي اليهودي الماسوني. ولم تفارق الإسكندر الندامة والتعاسة أبدًا، يقول زارتوريسكي : (كان عذابه الذي يتجدَّد في ضميره باستمرار عميقًا، ولم يتوقف تأنيب الضمير لديه لحظة). وتقول الكونتيسة أولينغ: (يظل ساعات جالسًا صامتًا ونظره مركَّز لا يتحرك). (لما رأي الإسكندر جثمان والده تغلَّب عليه الألم فسقط على الأرض مغشيّاً عليه، وانهمرت دموعه ودموع والدته انهمارًا، تعبيرًا عن الأسى والحزن)(
[19]). وقالت زوجته الإمبراطورة إليزابيث: (ستظل روح إمبراطور روسيا تعذبني إلى الأبد)،( إن الأشخاص القريبين من القيصر يعلمون كيف يخرج الإمبراطور فجأة من حفلة رسمية ليصلي ويبكي)([20]).
زار الإسكندر إنكلترا في حزيران 1814 ومنحته جامعة أكسفورد دكتوراه في القانون. (وقام إمبراطور روسيا المتحرر بدور بارز في مؤتمر فيينا سنة 1814)، وقال عنه الانقلابي لوي بلان: (قوة الإمبراطور (الإسكندر الأول) عظيمة وعزيمته صلبة. لقد قاد مسيرة السلام من عاصمة إلى عاصمة وتحكَّم تحكمًا مطلقًا في المؤتمرات وترأس اجتماعات الملوك. إنه أعظم من قيصر)(
[21]).
لذلك حيَّرت الحرب الروسية الفرنسية سنة 1812 المؤرخين. يقول الإسكندر: (شنَّ نابليون عليَّ حربًا بطريقة قبيحة وخدعني بأسلوب غدار). لكن الحقيقة هي أن تجاهل الإمبراطورين العظيمين (لليد الخفية) كان قاتلاً لكليهما. يقول نابليون: (لم أرد أن أحارب روسيا، أقنعني باسّانو وشامبني (الوزيران الفرنسيان للشؤون الخارجية) بأن المذكرة الروسية تعني إعلان الحرب، ما جعلني أعتقد أن روسيا تريد الحرب حقًا). وقال القائد غورغو: (ما هي الدوافع الحقيقية للحملة الروسية؟ إنني لا أعرف، ومن الممكن أن الإمبراطور نفسه لم يكن يعرف أكثر مما كنت أعرف)(
[22]).

الرومانوفيون الهدف الرئيس للشياطين
لا يعرف الأميركيون عن الرومانوفيين إلا ما تقدمه لهم الصحافة الأميركية، التي يسيطر عليها اليهود سيطرة كاملة تقريبًا، وما يكتبه مؤلفون وضيعون يدركون تمامًا أنهم سيتقاضون أجر ما يكتبون عندما يطيعون أوامر (اليد الخفية) فقط.
وهذه صورة مؤكدة عن الإسكندر الأول وكل الرومانوفيين يقدمها عدوهم اللدود اليهودي رابوبورت، غير واعٍ، على الرغم من أنه يبدأ كتابه، كيهودي، بلعنهم.
((كان الإسكندر الأول يشعر شعورًا مؤكدًا أن انتصاره على الرجل (نابليون)، الذي يفوقه عبقرية، لا يرجع إلى عظمته. ولهذا قال القيصر: (على حكام أوروبا ألا يضعوا ثقتهم في قوة جيوشهم، بل في متانة إيمانهم ودينهم)، وهكذا توصل الإسكندر إلى اتفاق التزم بموجبه حكام أوروبا بأن يحكموا رعاياهم بوحي روح المسيحية، وأن توجههم مبادئ العدالة والمحبة والسلام. وهذا الاتفاق الذي وقَّعه في 26 أيلول 1815 كلٌّ من الإسكندر، وفريدريك وليم الثالث ملك بروسيا وفرانسيس الأول إمبراطور النمسا، عُرف بالحلف المقدس))(
[23]).
ولعل هذا ما يفسر لِمَ أُمرت كل الصحف والكتَّاب الذين يعتمدون على اليهود، بأن يسوِّدوا صحائف الحلف ويصوِّروه على غير حقيقته، كأنما هو تنظيم رجعي أُلبس ثوبًا مسيحيّاً.
وفي سنة 1818، وفي حديث للإسكندر الأول مع الدكتور إيليرت، مطران بروسيا، أوضح القيصر أصل الحلف فقال: ((بعد هزائم لوتزبن ودريزدن وبوتزين اضطررنا (هو وملك بروسيا) إلى التراجع. وأصبحنا مقتنعين بأنه لولا مساعدة السماء لضاعت ألمانيا)). فقال الملك: ((ينبغي أن نصلي وسننتصر بمعونة الرب، وإذا بارك الرب – وأنا على ثقة بأنه سيفعل – جهودنا المشتركة، فسنعلن للعالم قناعتنا الكاملة بأن النصر من عنده وحده، فجاءت الانتصارات وشاركنا الإمبراطور فرانسيس الأول إمبراطور النمسا مشاعرنا المسيحية وأصبح ثالثنا في حلفنا، فالحلف المقدس ليس من عملنا، وإنما هو من عمل الرب. وقد حثَّ المسيح نفسه عليه))(
[24]).

ملاك أوروبا الطاهر
ذكر رابوبورت اليهودي عن الإسكندر الأول ما نصه: ((الإسكندر لا يعرف الراحة كبطرس الكبير، يصحو في الخامسة صباحًا ويسمح لكل واحد من رعاياه، من أيِّ طبقة كان، بالدخول عليه، ويتسلَّم بنفسه كل العرائض المرفوعة إليه))...((وهو مهتم بالنظافة الجسمانية والأخلاقية))...((إن الإسكندر مستقيم وكريم ورحيم وذو قدرة فائقة على العمل))(
[25]). وكتب لاهارب: ((على الرغم من أنَّ الإسكندر كان رابط الجأش في خضمِّ المخاطر، إلا أنه كان يخشى الحرب))...((برهن القيصر عن كرمه الفائق في الحرب بين فرنسا وألمانيا)). ((وكان ذا دوافع فاضلة وقلب رحيم وقدرات عقلية ممتازة، وموهوبًا في الوضوح الدبلوماسي والأحكام الصحيحة))([26]).
ويقول الإسكندر نفسه: ((لا أعترف بقوة إلا بتلك التي تدعمها القوانين)).((وقد خفض الضرائب بتقليل نفقات البلاط)).((وأثر تأثيرًا حسنًا في نابليون بأخلاقه الجذابة وبسمعته الشفوقة ورحمته المدهشة التي تضاهي رحمة النساء وشفقتهن))(
[27]).((وبفضل انفتاحه فقد كسب الإسكندر ثقة الشعب الفرنسي بأجمعه))([28]).
ولكن الإسكندر، المفرط في مسيحيته وحبه للسلام، لا يمكن له أن يعيش، لأن كل قوى الشيطان وأتباعه تضافرت على محاربته. فجرائمه عندهم كثيرة. لقد أعلن ((الحاكمية للمسيح والصليب(!)))، وبذلك كرر جريمة والده بولس الأول، فالتوفيق بين الكنيستين الكاثوليكيتين وجدت، من خلال عملي، أنَّ المعارضة العنيفة لإعادة توحيد الكنيستين يتولاها أكثر الرجال لا أخلاقية. وكانت إعادة توحيد الكنيستين الكاثوليكيتين الغربية (الرومانية) والشرقية (الأرثوذكسية) هي الهدف الأساسي للعبقريين: البابا ليو الثالث عشر، وسكرتير دولته الكاردينال رامبولا ديل تيندارو. ولكن ما أن وافق القيصر نقولا الثاني على إقامة مندوبهما تارناسي قاصدًا رسوليّاً في بطرسبورغ، حتى اغتالت (اليد الخفية) المندوب بالسم، مما أفزع البابا والقيصر معًا فأجَّلا خطتهما.

الروتشيلديون يعملون لتهويد روسيا
((كان الإسكندر الأول، ثالث الثلاثة الذين يقودون الحلف المقدس، يرعى مبادئ الإدارة المشتركة
والحكومة المسيحية في روسيا))(
[29]). ولكن الروتشيلديين استأجروا مجموعة من المتهودين وأمروهم بتحويل روسيا إلى بلاد جديدة لليهود. ((ولكم كانت آلام القيصر شديدة عندما تنبَّهت السلطة الروسية إلى نشاط مجموعة مسيحية كبيرة متبنية لعقيدة مشابهة لليهودية))([30]).
أبصر ((المذهب المتهوَّد)) النور بفضل جهود اليهود، فانتشرت ((الهرطقة المتهوَّدة)) بسرعة عجيبة في القرى والمدن، جاذبة إليها الزرَّاع والتجار على السواء. وأعلن المتهودون أنه حان الوقت للرجوع إلى ((العهد القديم)) للمحافظة على إيمان الآباء اليهود، مما أقلق السلطات المركزية فلجأت إلى إجراءات غير معتادة لوقف انتشار الانشقاق. وكان أن وافقت لجنة الوزراء سنة 1823 على المشروع الآتي:
[ يجب إدخال رؤساء المذهب المتهود ومعلميه في الخدمة العسكرية، ومن لا يصلح للخدمة يُرسَل إلى سيبيريا. وينبغي طرد كل اليهود من المقاطعات التي ظهرت فيها هذه الحركة].
وهكذا برهن قرار اللجنة الوزارية على أن أموال الروتشيلديين (يعني أموال وليم الهسّي الذي تنكَّر لتحذير المسيح) كانت تعمل للإفساد باستمرار في روسيا المقدسة(!) قبل مائة سنة. والمال نفسه يعمل الآن على إفساد أميركا وتهويدها بواسطة (طلاب الإنجيل العالميين)(
[31]).
(فالعقلانية) و (التحديث) ما هما إلا مصطلحان جديدان للتهويد، بدأ أولهما سبينوزا اليهودي.
وقد صدر القرار الآنف الذكر ليقف في وجه أعمالهم، ولكن ((بالنسبة إلى اليهود كانت نتائج الإجراءات غير ذات قيمة، فعدد اليهود الذين شملهم الطرد من المقاطعات المتأثرة لم يكن بذي بال))(
[32]). وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا الدفاع الضعيف الذي قام به القيصر لمصلحة شعبه المسيحي، بدا اضطهادًا حقيقيّاً للروتشيلديين، فكان قرارهم ((الثورة وإعدام القيصر)).
ولما مرضت زوجة القيصر انتقلوا إلى الجنوب (واشتغل الإسكندر بتوفير الراحة لها، ووقف كل وقته عليها)(
[33]).

تسميم الإسكندر الأول الغامض
لِنَعد إلى الاقتطاف من كتاب رابوبورت ((عَبَّر الإسكندر عن احترام متساوٍ للكاثوليكية والأرثوذكسية مقتنعًا بأن مبادئهما الأساسية واحدة))، وما بقيت الكنيسة منقسمة إلا نتيجة لجهود عملاء الشيطان. ((وخالط المسيحيين والمسلمين واليهود))(
[34]).. ((وتناول غداءه في كنيس لليهود وعاد إلى تاغانروغ مريضًا مرضًا خطيرًا))، فنادى طبيبه السير جيمز ويليز وقال له: ((آه يا صديقي! أي شرير! أي حقير! وأنا أسعى إلى خيرهم بكل إخلاص!)). لقد سُمِّم ((بسمِّ الاكواتوفانا)) المشهور، لكنه أعلن عن المرض بأنه ((حمَّى تيفوئيدية)) خوفًا من أن يقوم الشعب بأعمال جماعية معادية لليهود.
وفعل السمُّ فعله ببطء، فعانى الإسكندر عذابًا عظيمًا. وفي لحظة بدا وكأنه سيُشفى، فاستقبلت الجماهير النبأ ((بسرور عظيم))(
[35])، لكنه في الأول من كانون الأول 1825 فتح عينيه وهو غير قادر على الكلام، ثم قبَّل يد الإمبراطورة، وبعد دقائق لفظ أنفاسه الأخيرة([36])، واسوَّد وجهه نتيجة لـ(الاكواتوفانا).
وكعادتها، نشرت ((اليد الخفية)) – وهي قاتلته – تقارير زائفة تزعم أن القيصر ذهب إلى سيبيريا، ليعيش باسم فيودور كوسميش.
وجعل اليهودي رابوبورت ((نهاية الكوميديا)) عنوانًا للفصل الأخير من كتابه الذي تحدث فيه عن آلام الإسكندر الأخيرة، تعبيرًا عن سروره الشيطاني وكراهيته للإمبراطور الذي تجرَّأ واقترح أن يكون العالم تحت قيادة المسيح.
إن خوف الشيطانيين اليهود الدائم من أن يعيد الرومانوفيون ، بجرَّة من قلمهم، الكنيسة الأرثوذكسية إلى حظيرة الكنيسة العالمية، كان السبب الأساسي في اغتيال آخر ستة قياصرة رومانوفيين. واستُغِلَّ مقتل الإسكندر الأول لإحداث ثورة أريد منها القضاء على كل شيء مسيحي.

نقولا الأول
في مذكرة أسفاره، كتب نقولا الأول(
[37]): ((ولا يحتفظ البولنديون الأغنياء بأي ولاء لروسيا، فجميعهم أدى قَسم الولاء لنابليون الأول. ويرجع بؤس الزرَّاع العام إلى أعمال اليهود الذين يستغلون الجماهير التَّعسِة إلى أقصى درجة. فهم كل شيء، وبحيلهم يعتصرون الشعب ويخدعونه. إنهم طفيليَّات منتظمة تمتص كل شيء وترهق هذه المقاطعة (بولندا) إرهاقًا تامًا)). ولهذا ليس غريبًا أن يقول ليونيل روتشيلد لديزرائيلي: (لم تكن لأسرتي أية صداقة مع بلاط بطرسبورغ. ونظر القيصر بعدم رضى لتمثيلنا لمصالح البولنديين))([38]). فقد كان ليونيل يرغب في أن يجعل من كل يهودي – طفيلي – صاحب مصرف.
((ذهب نقولا الأول إلى لندن في سنة 1816، وكسب تقريظًا واحترامًا عالميين بفضل شخصيته وأخلاقه. وكان يسرُّ كل شخص بوسائله اللطيفة وطبيعته النبيلة وصراحته المحببة. وأذهل كل شخص بأفكاره المعتدلة ومحادثته السهلة ومنطقة القوي))(
[39]).
ووصفت الأميرة الملكية، التي تزوجت الأمير ليوبولد، نقولا فقالت: (شابٌّ وسيم جذاب بصورة غير عادية، مستقيم كصنوبرة، معتدل في طعامه ولا يشرب غير الماء). وقالت عنه السيدة كامبيل، المعروفة بقسوة أحكامها على الرجال: (آه! يا له من مخلوق جذاب. سيصبح أكثر الرجال وسامة في أوروبا). هذا هو نقولا الأول، أما قاتله – روتشيلد – فقد وصفه ديزرائيلي بأنه (رجل من غير مشاعر، ولا يستطيع الشخص أن يقربه، والنساء عنده دُمى والرجال آلات)(
[40]).
(تزوج نقولا الأول من شارلوت، الأميرة البروسية التي ظلَّ لها زوجًا محبًا وفيًا)(
[41]). وجعل نقولا زوجته سعيدة ببشاشته الواضحة الدائمة. وقد بدأت أولى مشاكله عندما توفي الإسكندر الأول وجعلته خليفته بدلاً عن قسطنطين الذي كان أكبر منه. وكان نقولا في الثامنة والعشرين من العمر حينذاك. ولم يرد نقولا قبول العرش – ككل الرومانوفيين الذين تميَّزوا بمبادئ فاضلة – لو لا الإصرار الكبير من جانب والدته وقسطنطين نفسه، هذا بالإضافة إلى مؤامرة الماسونيين التي عُرفت باسم (ثورة كانون الأول) التي أجبرته على تسلُّم السلطة.
كتب السفير الفرنسي الكونت لافيروناي عنه : ((يجمع الإمبراطور أكمل فضائل الفروسية، وهو أكثر الملوك سماحة خلق وعقل بالإضافة إلى المشاعر الحيَّة، هذا إلى جانب تمتعه بحيوية غير عادية. وهذا الأمير اسم على مُسمَّى وهو من أكثر الرجال المعروفين احترامًا وإجلالاً)).
وكتب عنه اللورد لوفتوس، السفير البريطاني في روسيا: ((لنقولا الأول شكل جسماني هو أحسن شكل رجل احتلَّ عرشًا من حيث الجلالة والوسامة. وفيه شيء خفي عظيم، فهو ذو شخصية مهذبة وقلب نبيل، وهو كريم محبوب من أولئك الأشخاص المحيطين به، ومهابته مفروضة عليهم أكثر مما هي سجية فيه. وكل شيء يقوله ينمُّ عن عقل وقاد، ولم يسبق أن اتهم (بنكات) فاحشة. ويقال عنه إنه مهندس ممتاز ورياضيَّاتي جيد.فهو يقرأ كثيرًا، ويمتاز بدرجة عالية من النباهة والعبقرية نفسها)).
((لا أحد ينكر أن تأثير نقولا الأول في الشؤون الأوروبية كان أخلاقيًا ودينيًا، ومعارضًا لكل شيء لا أخلاقي أو غير فاضل))(
[42]).
((عبَّر القيصر، في كل ما فعل، عن روح مخلصة مؤمنة بالتواضع المسيحي ورغبة في العمل بعدل وحكمة)).
أما ديزرائيلي فقد وصف مزاج جيمز وناثان وكل المنظمات الشيطانية السرية.. وأشار إلى أن كل قوى الروتشيلديين وُجِّهت لتدمير نقولا الأول. وكان من أهداف المؤامرة اليهودية العالمية الحؤول دون تحقيق مبدأ الملك جورج الثالث (الداعي إلى التعاون المطلق بين روسيا وبريطانيا). وفعلوا كل شيء لإجبار إنكلترا وروسيا على التحارب. وكان همُّ الروتشيلديين وعملائهم، الذين لا يُحصون، أن ينظموا مذابح للمسيحيين بأيدي الأتراك، وبذلك يوقظون روسيا من أحلامها الكسولة ويستثيرون عواطف مسيحييها وغضبهم.
وبعد أن رفضت الإمبراطورة إليزابيث أن تقبل مالاً ثابتًا من أعداء المسيح، وسار خلفاؤها على نهجها في كراهية اليهود وعدم الثقة بهم، صنع الروتشيلديون شعارهم (روسيا الكبرى خطر على إنكلترا) ونشروه.
إن اعتراف الإسكندر الأول للمسيح ((بالقيادة العليا)) لحلفه المقدس كان سبب حكم الإعدام عليه. كما أن الإعلان الحازم الشجاع لنقولا الأول عدو الحرب الذي يقول فيه: ((سأحارب من يعلن الحرب أولاً))، شلَّ خطط الروتشيلديين الهادفة إلى قتل المسيحيين بشنِّ حرب جديدة. وهذه الكلمات التي تفوَّه بها القيصر في سنة 1850 ((أنقذت أوروبا من حرب حتمية))

حرب القرم
عندما غزا البروسيون مقاطعة هسي(
[43]) عبَّأ الروتشيلديون أبطالهم. فانتُخِب بسمارك نائبًا لفرانكفورت في 1851، وجُعِل نابليون الثالث إمبراطورًا في الثاني من كانون الأول 1852، واستقالت حكومة اللورد رسّل في 23 شباط 1852، وأصبح ديزرائيلي وزيرًا للمالية في 1852.
وحالما أصبح ديزرائيلي ذا نفوذ بفضل ليونيل وعدد من عجائز النساء من المجتمع الراقي، أخذ في استثمار صداقته مع لويس نابليون التي رتبها ليونيل ((فنابليون رفيق صبا ديزرائيلي))(
[44])وكانت الشؤون الفرنسية موضوع دراسة مستمرة في إنكلترا، وكان لديزرائيلي نصيب من هذه الدراسة والمناقشة. ومن ثم حصل نابليون تدريجًا على ثقة الرأي العام الإنكليزي ابتداءً من البلاط وانتهاءً بالمجتمع([45]). وقد كان نابليون الثالث وديزرائيلي عضوين في محفل ماسوني واحد.
((وفي صدر نابليون الثالث حقد شخصي على الإمبراطور نقولا، إذ درج على مخاطبته بالسيد والصديق الفاضل بدلاً من (الأخ)، كما هي عادة الملوك. وعلى الرغم من أن نابليون أجابه معترفًا بالامتنان من الحقيقة القائلة أن الإنسان قد يختار أصدقاءه ولكن لا يد له في اختيار إخوانه، فإنه لم ينسَ قطُّ الإهانة))(
[46]). وقد كشف اليهود عن هذه الحقيقة كسبب من الأسباب التي حدَت نابليون الثالث على الانقياد لليد الخفية ويعلن الحرب على روسيا. أما السبب الآخر – حسب رأي الكذَّابين (اليهود) – فكان نابعًا من رغبة نابليون في أن يصبح بطلاً.
لقد أُشيعت سلسلة من الافتراءات على آل رومانوف، وكل كاتب عارف لهذه الحقيقة سكت عن محاسنهم وسوَّد أعمالهم.
وأوضح ديزرائيلي الغرور اليهودي المميَّز في كتابه (تنظيم الروتشيلديين) السرِّي الواسع الانتشار، وقد كانت نادرة يهودية سخيفة أن يحثَّ الروتشيلديون الأتراك لينظموا مذابح للمسيحيين حتى يستثيروا روسيا. ولما تمَّ لهم ذلك كان من الميسور إقناع نابليون الثالث بأن عرشه في حاجة ملحَّة لانتصار عسكري، وأنَّ عليه أن يدافع عن الأماكن المقدسة.
كان نابليون الثالث عضوًا في المحفل الماسوني المدعو الكاربوناري، ويحدثنا ديزرائيلي بأن الروتشيلديين كانوا يدعمون هذا المحفل. وهكذا نظمت حرب القرم وبدأت، وهي حرب الجريمة اليهودية الحقيقية، كما أنها المأساة الأم لكل الحروب التي تلتها، من دون أن نستثني الحرب العالمية الأخيرة التي كلفت – وحدها – المسيحيين 40.000.000 قتيل و350 بليونًا من الجنيهات. وكل هذا كان من فعل الروتشيلديين.
يخبر كاتب إنكليزي بأن ((نقولا الأول بذل جهده لمنع الحرب))(
[47]). لكن منذ أن قسم أمشيل روتشيلد الأول العالم بين أبنائه الخمسة، ومنذ إسقاط نابليون الأول نتيجة تخطيط الأبناء الخمسة، لم يُعصَ أمر هؤلاء الأباطرة العالميين غير المتوجين، ولم توضع العقبات في طريقهم إلا من قِبَل روسيا والولايات المتحدة. ولهذا قرر جيمز أن يحطم هاتين القوتين الكبيرتين. وبما أن نابليون الثالث ربما كان روتشيلديًا (ولد غير شرعي لناثان)، وبما أنه ماسوني أصيل – يعني خادم لليد الخفية – لم يقف جيمز عقبة في طريق سيطرته على السلطة في سنة 1848، لأن جيمز يعلم أن من الميسور تحريك نابليون هذا في حروب جديدة.
وحرَّض الروتشيلديون إنكلترا – بواسطة ديزرائيلي – على إراقة الدماء بهدف منع روسيا من وضح حد لقتل المسيحيين من قبل تركيا، وبهدف أساسي آخر هو منع تحالف إنكلترا وروسيا. وكان ديزرائيلي يردد بأن (روسيا الكبرى خطر)، وهي كذبة ردَّدتها اليد الخفية حتى تدمِّر روسيا، وقد حققت هدفها في سنة 1917.
وقد نظم اليهود مذابح حتى يستثيروا الأمم الأخرى ضد روسيا.

خيانة وزير نقولا الأول اليهودي
حتى أسوأ أعداء نقولا الأول يعترفون بأنه ((لم يرد حرب القرم، وكان عنده احترام وإعجاب صادقان ومخلصان للشعب الإنكليزي، وكان يرغب في تقوية هذه المشاعر الشخصية بتحالف سياسي))(
[48]).
كتب اللورد لوفتوس في مذكراته الدبلوماسية: ((لو كانت الدول الأربع الكبرى أعلنت للإمبراطور أن ممر بروث سيعتبر مبررًا للحرب، فمن المؤكد أن الإمبراطور ما كان ليعبره ولانتفت الحرب. ولكنه ضُلِّل بتقارير سفيريه في لندن وباريس، وكلا السفيرين أوضحا أنَّ التحالف الإنكليزي – الفرنسي أمر بعيد)). وهذان ((الحماران)) لا ينظران إلا لما يقوله الدبلوماسيون الرسميون ويتجاهلون ((نمور)) حديقة الحيوانات السياسية: جيمز روتشيلد الثالث وصنيعته نابليون الثالث في باريس، وليونيل وعميله اليهودي ديزرائيلي في لندن، أضف إلى هذا أن القيصر استقبل صِحافيين إنكليزًا من مانشستر وأكدوا له استحالة الحرب نتيجة مشاعر القيصر الودية تجاه إنكلترا. ورفع السير هاملتون سيمور Hamilton Seymour، السفير البريطاني في بطرسبورغ، إلى دولته كلمات القيصر له وقد جاء فيها: (يجب أن تكون بين بلدينا علاقات صداقة حميمة، فمصالحنا في كل القضايا متماثلة. ومن الضروري أن تكون الحكومتان على علاقات طيبة، وتركيا نفسها تتساقط إربًا. وعلى إنكلترا وروسيا أن تتواصلا إلى وفاق جيد متقن، وليس على أي منهما أن تتخذ خطوة لا توافقها الأخرى عليها).
وكانت خطة القيصر تعطي لكل من صربيا وبلغاريا الحكم الذاتي وتسمح لإنكلترا باحتلال مصر وكندا. وكل هذا حسن وجميل بالنسبة إلى إنكلترا وروسيا، ولكن أين قاتِلو الشعوب بأهدافهم التي حددها لهم الشيطان من قتل لكل المسيحيين وحكم لكل ممالك الدنيا من هذا؟ فقُتِل القيصر مسمومًا بيد طبيبه ماندت الذي رشته اليد الخفية (وبينما هو مسجَّى على فراشه مغطَّى بسترة عسكرية، حرَّك يده بعلامة الصليب ومدَّ يده الضعيفة لزوجه وأمسك بيدها، ثم أغمض عينيه غمضة الأبدية).
وفي الثاني من آذار 1855 انتهى القيصر، عدو الحرب، وانتقم اليهود نمورًا وطفيليات. وبنهاية نقولا الأول انتهى الدور الأول من حكم الروتشيلديين الظالم القاتل(
[49]).

تسميم نقولا الأول انتصار للروتشيلديين
أتاح مقتل نقولا الأول فرصة عظيمة لجيمز روتشيلد الثالث الذي كان، حتى وفاته في 1868 – عمليًا -، الحاكم المطلق للعالم وأكبر قاتل للمسيحيين، وكان يرأس المنفذين الأساسيين لسياسته وهم اليهود: ديزرائيلي ونابليون الثالث وبسمارك وغامبيرل – غامبيتا، وعصابة كاملة من الثوريين أمثال كارل ماركس ولاسال هيرتزين ... وكلهم ينعتون (بالرجال العظماء) خطأ لأننا نتلقى عملنا الخاطئ من الصَّحافة اليهودية والكتَّاب اليهود الذين يخدعوننا (بمبدأ النجاح اللاأخلاقي) بحيث نظن عندما نرى رجلاً ناجحًا أنه (رجل عظيم) بينما هو مجرم كبير رفعته اليد الخفية إلى مرتبة عليا.
بعد 1855، غدا جيمز روتشيلد ((ملاك الظلام)) والإسكندر الثاني ((الملاك الطاهر)) محرر الزرَّاع ومخلِّص الولايات المتحدة. وفي إنكلترا تابع ليونيل إفساد أخلاق ديزرائيلي وحثَّه على خوض حروب جديدة. وفي الوقت نفسه استمر جيمز في (شيطنة) غامبيتا استعدادًا لحرب 1870.
ونعرف كيف وُزعت الدول الخمس الكبرى بين خلفاء أمشيل، وكيف اتحد هؤلاء الخلفاء تحت قيادة واحدة من بينهم، وكيف كانوا يعملون على إسقاط الحكام، كلٌّ في مجال سيادته، بالإضافة إلى تحطيم الكنيسة، حتى يتسنى لهم تنصيب رؤساء للدول من بين خدامهم وصنائعهم.
إن اغتيال الرؤساء لينكولن وغارفيلد ومكينلي يُبرهن على أن اليد الخفية كانت راغبة في أن يطيعها الرؤساء. وكان مصير الرئيس ويلسون والرئيس توماس ستين، رئيس جمهورية الأورانج، المصير ذاته. وعندما أراد الرئيس هاردينغ تحرير الأسكا من سيطرة اليهودي غوغينهايم (ربما كان من الثلاثمائة) توفي فجأة، وهو الذي كان أكثر المسيحيين رقة، وقد وجدت أميركا في موته أمرًا طبيعيّاً جدّاً، ودلَّلت اليهود!
إن (حرب الانتقام) الروتشيلدية الخالصة في القرم لم تعد بفائدة مطلقًا على الأمم التي أراقت دماءها، وصرفت أموالها فيها من أجل الروتشيلديين الذين نالوا ربحًا ماليًا ضخمًا، فأضعفت الحرب الدول الكبرى وفتحت الطريق لبروسيا لتدعو إلى الجامعة الألمانية، التي حثَّ عليها اليهود الذين يحتكرون كراسي أساتذة الجامعات الألمانية، حسب قول ديزرائيلي، ويقودون الدعوة إلى القومية الألمانية، في رأي البروفسور ر.ج.أُوشير. وبرهنت حرب القرم للألمان أن روسيا ليست بالقوة التي لا تُقهر، وإنما هي عملاق ذو أقدام من طين. وهذه الحقيقة شجَّعت تشجيعًا عظيمًا الروح العسكرية في ألمانيا، وساعدت الروتشيلديين على تدبير سلسلة من الحروب بما فيها حرب 1914.

الإسكندر الثاني المحرِّر والمخلِّص
قال السفير اللورد لوفتوس: (كنت مقتنعًا بأنَّ الإمبراطور يودُّ السلام ولا يغطس في أي مشروع طموح في الهند، ولم أعلق أهمية كبيرة على وصية بطرس الأكبر المنسوبة إليه. ولما أشار القيصر إليها أعلن أنها موضوعة لُفِّقت في باريس). ووصفه المركيز دي كوستين بقوله: (أخلاقه الدائمة رقيقة فاضلة، وعباراته شفوقة، ومشيته رحيمة، فهو أمير بحق. وهو متواضع بلا ضعف، مظهره يوحي بتربيته النبيلة، فإذا حكم سيفرض طاعته بأخلاقه وكرمه الطبيعيين، وهو مسيطر ومقبول، ويبدو لي أنه أحسن مثال للأمير).
وقالت عنه الأميرة ميترنيخ في مذكراتها: (إنه وسيم مدهش، يبهر سلوكه وذكاؤه وتواضعه كل إنسان).
وتكلم عليه اللورد بالمرستون، عندما كان في لندن فقال: (إنه إنساني ذو ضمير إلى درجة عالية).
وكتب الكونت دي مورني إلى نابليون عن الإسكندر الثاني فقال: (ما علمته عنه في معاملته لأسرته، وفي علاقاته مع أصدقائه، أنه يتمتع بعقل راجح وروح فارس. فهو لا يعرف الخبث ولا يجرح مشاعر أيِّ شخص، ويحترم الكلمة التي يقولها، كريم جدّاً، ويستحيل على المرء ألا يحبه، فهو معبود شعبه، وروسيا تتنفس في عهده بحرية تامة).
التقى نابليون الإسكندر في شتوتغارت في 1857، (ولما كانت النمسا وبروسيا والسويد وحتى أسبانيا على استعداد للانضمام إلى إنكلترا وفرنسا وسردينيا في رغبتهم (الشيطانية) في إنقاذ تركيا، ومن ثم إبادة المسيحيين(
[50])، صمَّم الإسكندر على جمع كل قوى روسيا المادية والأخلاقية لصد الأعداء وتشتيتهم). وهذه الحقيقة، مضافًا إليها تقديم الإسكندر الأسكا من دون مقابل إلى الولايات المتحدة([51])، يوضحان خطأ القول بالخطر الروسي الذي اخترعه الروتشيلديون لعداوتهم للرومانوفيين. وكل أقوال اليهودي ديزرائيلي عن روسيا ما هي إلا أكاذيب افتريت لترتيب سقوط روسيا ركيزة الأرثوذكسية، وزيادة قتل البشر الذي يرغب فيه الشيطان.

القيصر يهدد أعداء الولايات المتحدة (1863)
في 1863، قدمت الولايات الكونفدرالية لنابليون الثالث ولايتي لويزيانا وتكساس مقابل تدخله في القوات الفرنسية ضد الشمال. وكانت القوات الفرنسية حينذاك تحتل عاصمة المكسيك. (وهدف نابليون تأكيد زعامة فرنسا للشعوب اللاتينية والزيادة في أثر هذه الشعوب في أميركا. ورغب بحماسة في أن يعترف باستقلال الولايات الأميركية الثائرة، وحضَّ بريطانيا كثيرًا على أن تنضَّم إليه في عمله)(
[52]).
كان الخطر عظيمًا يفوق عبقرية لينكولن وقدرات أبطال الجنرال غرانت ووطنيتهم، لكن الولايات المتحدة وجدت أصدقاء محبين مخلصين لها في أشخاص قياصرة روسيا، الذين كانوا يفكرون، منذ أمد بعيد، في تحرير أَقنان(
[53]) الأرض، لكن محاولاتهم كانت تصطدم بالتطرف البروسي، وقتذاك، وملاَّك الأرضي. ومنذ 1842 أصدر نقولا الأول قرار 14 نيسان الذي أمر فيه ملاك الأراضي أن يحرروا عبيدهم. ثم كان قرار الإسكندر الثاني في 19 شباط 1861 الداعي إلى تحرير ((القِنِّ)) الروسي، وقد أثر هذا القرار تأثيرًا كبيرًا في حركة مشابهة في الولايات المتحدة، وتحرَّر بموجب هذا القرار ما يقرب من 47.000.000 نَسَمة في روسيا. وكثيرون من الزرَّاع رفضوا هذا القرار حتى إنَّ القوات العسكرية تدخلت في كثير من الأماكن لفرضه. والأمر نفسه الذي نفذه القيصر بجرَّة قلم، احتجاج جمهورية الولايات المتحدة إلى بحر من الدماء وبلايين من الدولارات. فما هو السر في ذلك؟ لقد كانت (اليد الخفية) راغبة في إراقة تلك الدماء. وفي 19 شباط ذاته سنة 1861 احتفل بتعيين جيفرسون دافيز، الرئيس الجديد، لمجلس وزرائه.
وهكذا تتبَّع القيصر بحرص شديد كلَّ مشهد من (الدراما)، ولما عرف بخطة اليد الخفية، التي ذكرناها آنفًا، أعلم – بواسطة سفرائه – إنكلترا وفرنسا أنَّ أيَّ تدخل ضد الشمال ستعتبره روسيا إعلانًا للحرب عليها. ومن المحتمل أن لا أحد حاول التفكير في هذه الحقائق المتعلقة بخدمات روسيا لتي أسدتها إلى أميركا في أثناء الحرب الأهلية. أوَلم يُصرّ واشنطن إيرفينغ على إعادة كتابة تاريخ العالم في أميركا؟

الإسكندر الثاني يرسل أسطوله إلى أميركا
وجَّه القيصر أسطوله الأطلسي إلى نيويورك، وأسطوله الباسيفيكي إلى سان فرانسيسكو ومعه أوامر بإطلاق النار على كل أسطول أو قوة تهاجم الولايات الشمالية. ووضع سفنه الحربية تحت تصرُّف لينكولن. وفي ذلك الوقت كان الجنوب يحاول التضحية بولايتين حتى يحصل على مساعدة جيش نابليون المنتصر في المكسيك بدلاً من مجابهة الدمار التام وحيدًا. وأكدت (اليد الخفية) للجنوبيين أن الخطر الفرنسي لن يستمر طويلاً، وهكذا كان الكونفدراليون يفكرون في استعادة الولايتين بعد أن يحققوا أهدافهم، وكان الجنوبيون على استعداد للتضحية بكل شيء حتى ينتقموا من الذين يدعمون لينكولن. ونسي الجانبان أنهما مخالب لـ(اليد الخفية) ويحرِّكهما عملاؤها مثل اليهودي جودا بينجامين سكرتير الدولة للجنوب، وجون ويلكيز بوث [قاتل لينكولن] وغيرهما.
ذكر لي صديقي اللواء جيمز غرانت ويلسون من الجيش الشمالي هذه الحقائق، وسمعت في شبابي الأميرال ليسوفسكي نفسه تفاصيل عمليات الأسطول الروسي، وكان قائدًا للأسطول الروسي في المحيط الباسيفيكي الذي راقب سلامة ميناء سان فرانسيسكو. كما ورد كل الذي ذكرته آنفًا في محاضرة أُلقيت في أول عشاء سنوي لجماعة زَمَلة لينكولن في ديلمونيكو في نيويورك في 12 شباط 1908، وكان جميع الحاضرين ممن عملوا مع لينكولن في السابق وقد أكدوا كل ذلك.
وقد حفظت هذه القصة سرية في روسيا، إذ إنَّ انتصار بروسيا على الدانمارك في 1864 والنمسا في 1866 كشف الخطر الألماني للإسكندر الثاني، ذلك الخطر الذي خططته اليد الخفية، فذهب القيصر إلى باريس في 1867 محاولاً إصلاح ذات البين بينه وبين نابليون الثالث. ولم تشأ روسيا أن تذكِّر الفرنسيين والإنكليز بأنها حطمت أحلامهم الذهبية التي حرَّكها الروتشيلديون في إعادة غزو الولايات المتحدة التي امتلكوها من قبل وتقسيمها، لذلك احتفظ الروس بسرِّية هذه الحقائق. وفي سنة 1908 كان عدد كبير من الذين اشتركوا في الحرب الأهلية على قيد الحياة وكانوا يعرفون هذه الحقائق، وقد ذكرها لي رجال أميركيون متقدمون في السن فقالوا: ((نحن الأميركيين يجب أن لا ننسى كم نحن مدينون لروسيا بسبب تخليصها لنا في 1863 – 1864)).

محاولة اغتيال الإسكندر الثاني في باريس (1867)
أغضب إنقاذ الإسكندر الثاني للولايات المتحدة الروتشيلديين. فلم يستطع جيمز السيطرة على المكسيك والولايات الجنوبية، ولم يجد ليونيل الفرصة لبسط سلطانه على الولايات الشمالية وفق تخطيطهما سنة 1857، فقرَّرا اغتيال القيصر الروسي...
اغتيل لينكولن في 1865، وفي اليوم نفسه جرت محاولة اغتيال السيد سيوارد وزير الدولة الأميركي. وبعدها جاء دور القيصر. ففي 6 حزيران كان بصحبة نابليون في عربته في بوا دي بولون لما أطلق عليه بيرزوفسكي رصاصتين من مسدسه، لكن لما رأى حاجب القيصر المسدس اندفع نحو القيصر وحجبه بفرسه.. وحصل القيصر على وعد من نابليون بألا يعدم بيرزوفسكي... ومال الكاتب م.بول لانوير إلى اتهام بسمارك بهذه المؤامرة، ولكن هذا أمر بعيد. فسياسة بسمارك كانت تهدف إلى الإبقاء على أحسن صِلات الصداقة مع روسيا، إذ إنَّ ذلك الوقت كان قبيل توقيع الاتفاق الروسي – البروسي، وربما كان لا يسهل الاتفاق مع قيصر جديد. وبيرزوفسكي وحده من غير مساعدة (اليد الخفية) لا يمكنه النجاح. فالروتشيلديون كانوا يجدُّون كي لا يتحقق شعار الملك جورج الثالث (حلف إنكليزي – روسي). ومن السهل انتحال أسطورة وصية بطرس الأكبر لخلفائه ينصحهم فيها بغزو الهند، وحتى إذا ذكر بطرس الهند فلا تفسير لها إلا جنوبي القوقاز وآسيا الصغرى.
((إن الهوَّة التي فصلت أوروبا الغربية عن روسيا، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حفرتها كراهية اليهود وحافظت عليها. وسلطة اليهود العالمية من أكثر الأشياء قوة في تضليل العالم))(
[54]).
وهكذا كانت محاولة اغتيال القيصر انتقامًا من قِبَل (اليد الخفية) لأنه أوقف خطتها في إحداث اضطرابات في الولايات المتحدة. وإذا كان اليهود يُعامَلون سيئة في روسيا – كما يدَّعون – فَلِمَ يحاولون دخول هذا القطر مجددًا كما برهنت (الحرب) الأميركية – الروسية سنة 1911 التي فرضوها على الرئيس تافت؟
لقد خشي نابليون الثالث تهديد الإسكندر الثاني بإعلان الحرب على فرنسا والدول المشتركة معها إذا ما ساعدت قواتها المتجمعة في المكسيك الأميركيين في جنوبي الولايات المتحدة، فسعى إلى الانسحاب من المكسيك (بشرف). وهكذا فشلت خطة جيمز وليونيل في تجزئة الولايات المتحدة. ولهذا أمروا باغتيال لينكولن والإسكندر الثاني. وأخيرًا بعد عدد من المحاولات اغتيل القيصر في 1881. ومن بعد ذلك قرر الروتشيلديون إبعاد نابليون ومباشرة (القتل الجماعي) بواسطة بسمارك، فنابليون أصبح – بنظرهم – طيِّبًا أكثر من اللازم.

* * *


عند هذا الحد يقف الحديث عن روسيا، لكنَّ المؤلف يقول في الصفحة 184 من الطبعة الإنكليزية: (وحالما يُنشر هذا الكتاب سيكون الكتاب الثاني جاهزًا للطبع، وفيه نوضح فترة حكم ألفونس روتشيلد الرابع وإدوارد روتشيلد الخامس، المجرم الدولي وحاكم العالم المطلق، ونشرح فيه حروب الروتشيلديين وثوراتهم واغتيالهم للإسكندر الثاني والثالث ونقولا الثاني وغيرهم).
كذلك يقول في مكان آخر: (وكان واضحًا بالنسبة إلىَّ أن روسيا تسير (نحو الكارثةToward Debacle)، وهو عنوان كتابي في سنة 1913)(
[55]).
ويؤكد بكلمات يسيرة، وبأماكن متفرقة في الكتاب، ما يقول إنه سيشرحه في كتب أخرى، من أن اليهود حققوا بغيتهم في روسيا، فهو ينقل عن برسيفال فيليبس لصحيفة الديلي ميل اللندنية قوله: (لقد لمحت الجحيم (يعني روسيا)، اليهود مسيطرون على كل شيء، وقد قضى لينين أيامه الأخيرة يزحف على أربع، في حجرة، ويصرخ: اللهمَّ أنقذ روسيا واقتل اليهود. إن 90% من الوظائف المهمة في الاتحاد السوفييتي بيد اليهود). وينقل عن وزير الحربية البريطاني وقتئذٍ ونستون تشرشل قوله في مجلس العموم: (إن لينين هو رئيس أكثر حزب مرعب في العالم)
ثم يؤكد (أي الكاتب): ((والأمر غير ذلك، فمجموعة الرعب اختارت لينين وأرسلته ليكون عميلاً لها بعد أن زوَّده رابورغ بعشرة ملايين دولار)).

[1] س.هـ.دوبناو Dubnow في كتابه ((تاريخ اليهودية في روسيا)) ص 401.
[2] Rappoport, (The Curse of Ramanovs), P.49.
[3] Arneth, Maria Theresa and Joseph II. Vol. III, P.266.
[4] Memoires de D'Oberkirch, P.74.
[5] Russkayia Starina, 1882.
[6] Coningsby, P.251.
[7] انظر: Coningsby, P.303.
[8] Encyclopaedia Britannica. P.4889.
[9] Rappoport, Curse of the Ramanovs, P.222.
[10] Memoirs of Fouche, P.146.
[11] A. Rappoport, P. 221.
[12] Rappoport, P. 19.
[13] Russkayia Starina, 1883.
[14] Diaries and Correspondence of James Harris P. 212.
[15] زار فيرفيشر بطرسبورغ بعد مقتل القيصر بولس وذكر في كتابه : (The two Duchesses, P.170) أن (بينيغيسين) الهانوفري قام بتنفيذ خطة القتل كلها، وكان رأس العملية رجل من جورجيا (القوقاز). وقد اغتيل القيصر لجريمته الوحيدة وهي إنقاذ الكنيسة الكاثوليكية التي أذلها روتشيلد. وينبغي الإشارة إلى أن أمشيل قضى ثلاث سنوات في هانوفر.
[16] The two Duchesses, P. 230.
[17] Das Emordung Paul's, P.16.
[18] Rappoport, P.235.
[19] Fraser's Magazine, P.324.
[20] Rappoport, P.361.
[21] Louis Blanc, The History of 10 years.
[22] Talks of Napoleon at St. Helena, P.154.
[23] A. Rappoport, P.357.
[24] Rappoport, P.358.
[25] Rappoport, P.316.
[26] المصدر نفسه ص318.
[27] المصدر نفسه ص331.
[28] المصدر نفسه ص 349.
[29] S. M. Dubnow, (History of the Jews in Russia and Poland, Published by The Jewish Judiac Publishing Society), America, P. 390.
[30] المصدر نفسه، ص 401.
[31] من الواضح أن المؤلف قد توفي قبل أن يستفحل أمر ((الصهيونية المسيحية))، لذلك لم يتعرض لها بالتفصيل.
[32] S. M. Dubnow, (History of the Jews in Russia and Poland, Published by The Jewish Judiac Publishing Society), America, P. 403.
[33] Rappoport, P. 391.
[34] المصدر نفسه ص395.
[35] المصدر نفسه ص399.
[36] المصدر نفسه ص400.
[37] انظر: E. A. Brayley Hodgets, (The Court of Russia), P.161.
[38] Coningsby, P.251.
[39] The Court of Russia, P.167.
[40] Coningsby, P.217.
[41] The Court of Russia, P.169.
[42] Blaze de Bury, (Germany As It Is), P.321.
[43] Charles Lows, (Prince Bismark), P.108.
[44] L. Apjohn, (Earl of Beaconsfield), P.167.
[45] المصدر نفسه، ص 168.
[46] P. S. Reinsch, (Secret Diplomacy), P.56.
[47] B. Hodgets, (The Court of Russia), P.50.
[48] The Court of Russia, P. 272.
[49] لا بد أن نشير هنا إلى أن وزير مالية نقولا الأول كان يهوديًّا باسم كانكرين، وكان ذلك اليهودي يعلم بأن جيمز يحضِّر لحرب ضد روسيا، فأغرى القيصر بأن الخطوط الحديدية ما هي إلا دمى، فأخر القيصر تشييدها، وكان ذلك من أسباب فشله في الحرب. وقد أكد ديزرائيلي أن كانكرين كان يهوديّاً (انظر: Coningsby, P.257).
[50] بغض النظر عن صحة هذا الرأي أو خطئه، فإنه يظهر صليبية المؤلف وتعصبه وقلة معرفته بالإسلام، من موقفه من المملكة العثمانية (تركيا) المسلمة. مع أنَّ الإسلام والمسلمين لا يضمرون عداء للمسيحية ولجميع أهل الكتاب، على عكس اليهود الذين يعتبرون أنفسهم (شعب الله المختار)، وينظرون إلى جميع الشعوب نظرتهم للبهائم. (المحرر).
[51] صرفت روسيا في تنظيم الأسكا 7.200.000 جنية.
[52] Mr. Mackenzie in his (The 19th Century), P. 297-298.
[53] أقنان: عبيد.
[54] Wickham Steed, ex-Ed, of the Times,(Through 30 years).
[55] لم نستطع الحصول على هذين الكتابين حتى تاريخ نشر هذه الترجمة.

الجمعة، 3 أبريل 2009

العلاقات الدولية: عالم واحد ، نظريات متعددة.

العلاقات الدولية: عالم واحد، نظريات متعددة.

ستيفن وولت،
أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شيكاغو، الولايات المتحدة.
ترجمة: عادل زقاغ و زيدان زياني

لماذا يهتم صانعوا السياسة والممارسين لها بالدراسة الأكاديمية للشؤون الدولية؟
إن الذين يوجهون السياسة الخارجية عادة ما يصرفون النظر عن طروحات الأوساط النظرية (وهو ما يمكن تقبله في حالات كثيرة)، غير أن هناك علاقة لا يمكن تجاهلها بين العالم النظري المجرد والعالم الواقعي حيث تمارس السياسة، فنحن بحاجة للنظريات حتى نضفي معنى على الكم الهائل من المعلومات التي تغمرنا يوميا. وحتى صانعي السياسة الذين يتعالون على النظريات يتوجب عليهم في واقع الأمر أن يعتمدوا على أفكار خاصة بهم حول الكيفية التي تسير بها الشؤون الدولية (وفي العادة، لا يتم التصريح بها) في حال أرادوا اتخاذ قرار إزاء وضع معين، فالكل يستعمل نظريات - بإدراك أو يغيره - حيث أن التباين في وجهات النظر تجاه السياسة المتبعة يعود إلى الاختلافات الجوهرية حول القوى الأساسية التي تسهم في صياغة محصلات التفاعل الدولي.
لنأخذ على سبيل المثال، الحوار القائم حول كيفية التعامل مع الصين. إن صعود الصين من إحدى المنظورات، يعد إحدى النماذج الحديثة لتوجه القوى الصاعدة من أجل تغيير توازن القوى العالمي بأشكال يمكن أن تأخذ منحى خطيرا، خاصة وأن نفوذها المتعاظم يجعلها أكثر طموحا. ومن منظور آخر، فإن مفتاح التوجه المستقبلي للصين يتوقف على ما إذا كان سلوكها سيتغير بفعل اندماجها في الأسواق العالمية والانتشار (الذي لا يمكن تحاشيه؟) للمبادئ الديمقراطية. أما من وجهة نظر ثالثة، فإن العلاقات بين الصين وبقية العالم سوف تتشكل بتأثير عوامل الثقافة والهوية، وفقا للتساؤل التالي؛ هل ستنظر الصين لنفسها (وينظر الآخرون إليها) كعضو طبيعي في المجموعة الدولية أو كمجتمع متميز يستحق معاملة خاصة؟
بالطريقة ذاتها يمكن أن يأخذ النقاش حول حلف شمال الأطلسي أبعادا مختلفة بحسب النظرية التي تم توظيفها، فالمنظور الواقعي يعتبر أن توسيع الناتو يدخل ضمن مسعى توسيع النفوذ الغربي فيما وراء المجال التقليدي للمصالح الأمريكية الحيوية، وهذا في مرحلة تتميز بتراجع النفوذ الروسي، ولذا يحتمل أن يثير ذلك ردة فعل عنيفة من جانب موسكو. أما المنظور الليبرالي فيرى أن توسيع الناتو سيعزز الديمقراطيات الناشئة في أوربا الوسطى ويساهم في توسيع نطاق الآليات الأطلسية لإدارة النزاع إلى منطقة تبقى فيها الاضطرابات أمرا واردا. ومن منظور ثالث، يمكن التركيز على أهمية إدماج جمهورية التشيك والمجر وبولندا ضمن المجموعة الأمنية الغربية والتي يتقاسم أعضاؤها هوية مشتركة تجعل من الحرب أمرا جد مستعبد.
لا يمكن لأية مقاربة منفردة أن تستوعب التعقيد المميز للسياسة العالمية المعاصرة، ولذلك فنحن إزاء مجموعة كبيرة من الأفكار المتنافسة ولسنا إزاء تقليد نظري واحد। وهذا التنافس بين النظريات يساعد على معرفة مواطن القوة والضعف ويثير بذلك التحويرات اللازمة.

مـن أيـن أتـينا
انحصرت دراسة الشؤون الدولية في التنافس المستديم بين المنظورات الواقعية، والليبرالية والراديكالية। ففي حين يركز الواقعيون على الطابع التنازعي للعلاقات بين الدول، فإن الليبرالية تحدد طرقا متنوعة للتخفيف من حدة هذه التوجهات التنازعية، بينما يبين لنا المنظور الراديكالي كيفية تحويل نظام العلاقات الدولية برمته. الحدود بين هذه المنظورات ليست واضحة كما أن العديد من الأعمال المهمة في هذا المجال لا تتناسب وتصنيفها ضمن إحدى هذه الاتجاهات الثلاثة، غير أن النقاش بينها كان بمثابة ميزة أساسية لهذا الحقل المعرفي.

الـواقـعية
لقد هيمن المنظور الواقعي على حقل العلاقات الدولية خلال فترة الحرب الباردة، وتفترض الواقعية أن الشؤون الدولية عبارة عن صراع من أجل القوة بين دول تسعى لتعزيز مصالحها بشكل منفرد، وهي بذلك تحمل نظرة تشاؤمية حول آفاق تقليص النزاعات والحروب، غير أنها ساعدت على تزويدنا بتفسيرات بسيطة لكنها قوية للحروب، والتحالفات، والإمبريالية، وعقبات التعاون وغيرها من الظواهر الدولية. كما أن تركيزها على النزعة التنافسية كان متناسبا جدا مع جوهر الصراع الأمريكي-السوفييتي.
الواقعية ليست نظرية واحدة بطيعة الحال، كما أن الفكر الواقعي تبلور بالأساس خلال فترة الحرب الباردة. فالواقعيون الكلاسيكيون مثل هانس مورقينتو وراينهولد نايبور يعتقدون أن الدول مثلها مثل البشر تمتلك رغبة فطرية في السيطرة على الآخرين، وهو ما يقودها نحو التصادم والحروب، وقد أبرز مورقينتو فضائل نظام توازن القوى التقليدي المتعدد الأقطاب، ويرى أن نظام الثنائية القطبية الذي برزت فيه الو.م.أ. والاتحاد السوفييتي يحمل العديد من المخاطر.
وبالمقابل، فإن النظرية النيوواقعية التي يتزعمها كينيث وولتز تغفل الطبيعة البشرية وتركز على تأثير النظام الدولي، فبالنسبة لـ وولتز، فإن النظام الدولي يتشكل من مجموع القوى الكبرى، كل منها تسعى للحفاظ على وجودها. فهذا النظام فوضوي (بمعنى انتفاء سلطة مركزية تحمي كل دولة من أخرى) وفي ظله نجد أن كل دولة لا تهتم سوى بمصالحها، غير أن الدول الضعيفة تسعى لإيجاد نوع من التوازن بدلا من الدخول في صراع مع الخصوم الأقوياء. وأخيرا، وخلافا لـ مورقينتو فإن وولتز يعتقد أن النظام الثنائي القطبية أكثر استقرارا من النظام المتعدد الأقطاب.
إحدى الإضافات التنقيحية المهمة للواقعية تتمثل في ظهور التوجهين الهجومي-الدفاعي ويتزعمهما كل من روبرت جرفيس، وجورج كويستر، وستيفن فان إيفيرا. هؤلاء الباحثون يعتقدون بتزايد احتمالات الحرب بين الدول كلما كانت لدى بعضها القدرة على غزو دولة أخرى بسهولة. لكن عندما تكون القدرات الدفاعية أكثر تيسرا من القدرات الهجومية فإنه يسود الأمن وتزول حوافز النزعة التوسعية. وعندما تسود النزعة الدفاعية، ستتمكن الدول من التمييز بين الأسلحة الدفاعية والأسلحة ذات الطابع الهجومي، آنئذ يمكن للدول امتلاك الوسائل الكفيلة بالدفاع عن نفسها دون تهديد الآخرين، وهي بذلك تقلص من آثار الطابع الفوضوي للساحة الدولية.
أما الواقعيون ذوو النزعة الدفاعية، فيرون أن الدول تسعى فقط للحفاظ على وجودها، بينما تقدم القوى الكبرى ضمانات لصيانة أمنها عن طريق تشكيل تحالفات توازنية بانتقاء آليات دفاعية عسكرية (مثل القدرات النووية الانتقامية)। وليس من المفاجئ أن نجد وولتز وغيره من النيوواقعيين الذين يرون أن الو.م.أ. كانت آمنة في أغلب فترات الحرب الباردة يتخوفون من إمكانية تبديد الو.م.أ. لهذا المكسب في حال تبنيها لسياسة خارجية عدائية. وهكذا، فإنه وبنهاية الحرب الباردة تحولت الواقعية التشاؤمية لـ مورقينتو والمستمدة من الطبيعة البشرية إلى تبني نبرة أكثر تفاؤلية.

اللـيبرالـية
التحدي الأساس للواقعية يأتي من عائلة النظريات الليبرالية، التي ترى إحدى اتجاهاتها أن الاعتماد المتبادل في الجانب الاقتصادي سوف يثني الدول عن استخدام القوة ضد بعضها البعض، لأن الحرب تهدد حالة الرفاه لكلا الطرفين.
اتجاه آخر منسوب للرئيس الأمريكي الأسبق وودرو ويلسون، يرى أن انتشار الديمقراطية يعتبر مفتاحا للسلام العالمي، ويستند هذا الرأي إلى الدعوى القائلة بأن الدول الديمقراطية أكثر ميلا للسلام من الدول التسلطية. وهناك اتجاه ثالث، وهو الأحدث، يرى أن المؤسسات الدولية مثل وكالة الطاقة الذرية وصندوق النقد الدولي، يمكن أن تساعد للتغلب على النزعة الأنانية للدول عن طريق تشجيعها على ترك المصالح الآنية لصالح فوائد أكبر للتعاون الدائم. ورغم أن بعض الليبراليين احتفوا بالفكرة التي تعتبر أن الفاعلين عبر القوميين - خاصة الشركات المتعددة الجنسيات - استحوذوا تدريجيا على سلطات الدول فإن الليبرالية بصفة عامة ترى في الدول فاعلين مركزيين في الشؤون الدولية. وفي كل الحالات فإن جميع النظريات الليبرالية تطغى عليها النزعة التعاونية بشكل يتجاوز بكثير الاتجاه الدفاعي في النيوواقعية، على أن كلا منهما يقدم لنا توليفة مختلفة عن كيفية تعزيز هذا التعاون.

المقاربات الراديكالية
إلى غاية الثمانينيات كانت الماركسية بمثابة البديل الأساسي للاتجاهين المهيمنين على العلاقات الدولية (الواقعية والليبرالية) وقد تجاوزت الماركسية نظرة الواقعيين والليبراليين للنظام الدولي كمعطى مسبق، إلى تقديم تفسير مختلف للنزاعات الدولية، بل وأكثر من ذلك، فقد زودتنا بمسودة تتضمن تحويلا جوهريا للنظام الدولي.
فالنظرية الماركسية الأرثوذكسية ترى أن الرأسمالية هي السبب الأساس للنزاعات الدولية. فالدول الرأسمالية تحارب بعضها كنتيجة لصراعها الدائم من أجل الربح. كما أنها تحارب الدول الاشتراكية لأنها ترى فيها بذور فنائها. وبالمقابل، فإن النظرية النيوماركسية "التبعية" تركز على العلاقات بين القوى الرأسمالية الأكثر تطورا والدول الأقل تطورا، إذ ترى أن الأولى أصبحت أكثر غنى باستغلال مستعمراتها مدعومة في ذلك بتحالف غير مقدس مع الطبقات الحاكمة للدول السائرة في طريق النمو. وهكذا، فإن الحل في نظرها يكمن في الإطاحة بهذه النخب الطفيلية وتأسيس حكومات ثورية تلتزم بتنمية ذاتية.
في الواقع، لقد تم دحض افتراضات كلتا النظرتين (الماركسية والنيوماركسية) حتى قبل نهاية الحرب الباردة. أما بالنسبة للأولى، فإن تاريخ التعاون الاقتصادي والعسكري الوثيق بين القوى الصناعية المتقدمة، أظهر أن الرأسمالية لا تحتم الانقياد نحو التنازع، وبالمقابل، فإن الانشقاقات الكبيرة التي شهدها العالم الشيوعي مع نهاية الحرب الباردة، أظهرت أن الاشتراكية لا تقوم دوما بتعزيز الانسجام. نظرية التبعية بدورها قد عانت من شواهد إمبريقية لا تسير في اتجاه افتراضاتها، مع بروز حقيقة مفادها أن المشاركة الفاعلة في الاقتصاد العالمي كانت بمثابة الطريق الأمثل للازدهار، وذلك بخلاف نهج التنمية الذاتية بالمفهوم الاشتراكي، ومن جهة أخرى، فإن العديد من الدول السائرة في طريق النمو أثبتت أنها قادرة على المفاوضة بنجاح مع الشركات المتعددة الجنسيات والمؤسسات الدولية الرأسمالية.
ومع استسلام الماركسية لاخفاقاتها المتعددة، اتجه منظروها لاستعارة مفاهيم وتصورات من أدبيات ما بعد الحداثة، خاصة من التيار النقدي في الأدب والعلوم الاجتماعية. هذه المقاربة التي تقوم على المنهج التفكيكي أبدت تشكيكها في مساعي الليبراليين والواقعيين لتعميم افتراضاتهم، إذ ركز رواد هذا الاتجاه الجديد على أهمية اللغة والخطاب في تشكيل المحصلات الاجتماعية، إلا أن اقتصارهم على نقد المنظورات السائدة دون تقديم بدائل إيجابية جعلهم مجرد أقلية منشقة طيلة الثمانينيات.

السياسة الوطنية
لم تكن جل الأبحاث في الشؤون الدولية خلال فترة الحرب الباردة تتناسب وتصنيفها ضمن إحدى المنظورات الثلاثة السائدة، وبالذات تلك التي تركز على خصائص الدول، والمنظمات الدولية، والقيادات. مثل هذه الأعمال تناسب التوجه الديمقراطي في النظرية الليبرالية، كما هو الأمر بالنسبة لمجهودات بعض الباحثين مثل قراهام أليسون وجون ستاينبرونر باستعمالهما لنظرية المنظمة والسياسة البيروقراطية لتفسير توجهات السياسة الخارجية، أو تلك الخاصة بجيرفيس إيرفينغ وآخرين ممن حاولوا تطبيق علم النفس الاجتماعي وعلم النفس المعرفي. لكن أغلب هذه الأعمال لا تسعى لتزويدنا بنظرية عامة حول السلوك الدولي، بل تحاول تحديد العوامل الأخرى التي يمكن أن تقود الدول للتصرف بشكل يخالف توقعات الواقعيين والليبراليين. فالجزء الأكبر من هذه الأدبيات يجب اعتباره مكملا للمنظورات الثلاثة - وليس منافسا لها - في تحليل النظام الدولي ككل.

تصدعات جديدة في منظورات قديمة
أصبحت الدراسة الأكاديمية للشؤون الدولية أكثر تنوعا منذ نهاية الحرب الباردة بحيث برزت الأصوات غير الأمريكية، كما حصل عدد كبير من المناهج والنظريات على الشرعية. بل وأكثر من ذلك، فقد أدرجت مواضيع جديدة في أجندة الباحثين على الصعيد العالمي، ومن بينها النزاعات الإثنية، والبيئة ومستقبل الدولة.
ومع ذلك، فإن الاتجاه نحو التجديد لم يكن في حقيقة الأمر سوى نسخة مكررة للقديم. وبدلا من حل الصراع القائم بين مختلف المقاربات النظرية المتنافسة، فإن نهاية الحرب الباردة لم يعقبها سوى إطلاق سلسلة جديدة من النقاشات، ثم إن اعتناق أغلب التجمعات لنفس القيم المتعلقة بالديمقراطية، السوق الحرة وحقوق الإنسان لم يؤد إلى نوع من الوفاق، بل أن الباحثين الذين عكفوا على دراسة هذه التطورات هم الآن أكثر انقساما من ذي قبل.

انحسار الواقعية
رغم أن نهاية الحرب الباردة قادت بعض الكتاب للتصريح بالإفلاس الأكاديمي للواقعية، إلا أن المتداول بشأن إخفاقها الكلي مبالغ فيه.
يعتبر مفهوم المكاسب النسبية والمكاسب المطلقة إحدى الإسهامات الحديثة للواقعية. فردا على افتراض "الاتجاه المؤسساتي" الذي يعتبر أن المؤسسات الدولية ستًمكن الدول من ترك المزايا قصيرة المدى لصالح مكاسب أكثر للتعاون على المدى الطويل. بحيث يشير الواقعيون من أمثال جوزيف قريكو وستيفن كراسنر إلى أن الفوضى تدفع بالدول للقلق بشأن هذه المكاسب المطلقة من خلال التعاون، زيادة على الطريقة التي يتم وفقها توزيع هذه المكاسب بين المتعاونين، وتبرير ذلك هو أن الدول التي تستحوذ على مكاسب تفوق مكاسب شركائها ستصبح بالتدريج أقوى، بينما يصبح شركاءها أكثر هشاشة.
وفضلا عن ذلك، فقد كان الواقعيون سباقين أيضا إلى استكشاف مجموعة من القضايا المستجدة. فـ باري بوزان يقدم لنا تفسيرا واقعيا للنزاعات الإثنية، بالإشارة إلى أن تمزق الدول المتعددة الإثنيات يمكن أن يضع المجموعات الإثنية أمام وضع فوضوي. هذا الواقع الجديد، يثير مخاوف كل طرف تجاه الطرف الآخر، ويقود كليهما إلى محاولة استعمال القوة لتحسين وضعه النسبي، هذه الوضعية تتعقد أكثر عندما تكون في الإقليم، المأهول من طرف مجموعة معينة، جيوب تسكنها إثنيات أخرى، مثلما حدث فيما كان يعرف بيوغسلافيا. ذلك أن كل طرف يحاول تنفيذ تصفية إثنية (استباقية) لإنهاء وجود أية أقليات غريبة، ما يسمح بالتوسع لضم كل الأفراد المنتمين لمجموعتهم والمتواجدين خارج الحدود الحالية لإقليمهم. وبخصوص مسعى توسيع حلف شمال الأطلسي، فقد حذر الواقعيون من أن ذلك سوف يؤدي الى شل العلاقات مع روسيا في ظل غياب عدو واضح يبرر مسعى التوسيع.
وأخيرا، هناك بعض الباحثين من أمثال مايكل ماستاندونو الذين أشاروا إلى أن سياسة الو.م.أ. تتوافق مع المبادئ الواقعية، خاصة وأن مختلف تحركاتها مصممة أساسا للإبقاء على واقع الهيمنة الأمريكية، ولإقرار نظام ما بعد الحرب بشكل يعزز المصالح الأمريكية.
إن التطور الأكثر أهمية من الناحية التصورية يتمثل في الشرخ المتنامي بين الاتجاهين الدفاعي والهجومي. رواد الاتجاه الدفاعي (كينيث وولتز، فان إيفيرا، جاك سنايدر) يفترضون أنه ليس للدول مصالح كبيرة في الغزو العسكري، ويرون أن التكاليف المترتبة عن السياسات ذات النزعة العسكرية تفوق عادة الفوائد المرجوة منها. وتبعا لذلك فإنهم يرون أن الحروب التي تخوضها الدول الكبرى تحدث عموما نتيجة لشعور مبالغ فيه بالخطر والذي تغذيه مجموعات داخلية، كما تعود أيضا إلى الثقة المفرطة في فعالية العمل العسكري.
لقد تعرضت وجهة النظر هذه لموجة من الانتقادات مست مختلف الجوانب:
راندال سفيلر يشير إلى أن الافتراض النيوواقعي القاضي بأن الدول تسعى فقط للحفاظ على وجودها، ينطوي على تكريس الوضع القائم، ذلك أنها تحول دون التنبؤ بالخطر الذي تمثله الدول العدوانية مثل ألمانيا في عهد هتلر أو فرنسا في عهد نابليون بونابرت والتي لم تكن تعير اهتماما لموجوداتها بقدر اهتمامها بتلبية مطامعها، وهي مستعدة للمخاطرة بفنائها من أجل تحقيق أهدافها.
أما بيتر ليبرمان في كتابه: "ماذا يجني الغزاة؟" فيورد العديد من الشواهد التاريخية كالاحتلال النازي لأوربا الغربية والهيمنة السوفيتية على أوربا الشرقية, ليبين لنا أن فوائد الغزو تفوق تكاليفه، وهو بذلك يزيل الشك عن الادعاء القائل بأن التوسع العسكري لم يعد مربحا.
في حين أن الواقعيين الهجوميين (إيريك لابس، وجون ميرشايمر، وفريد زكريا) يرون أن الفوضى تدفع الدول للعمل على تعظيم قوتها النسبية طالما أن ظهورا مفاجئا لقوة تعيد النظر في الواقع القائم يبقى احتمالا واردا.
هذه الخلافات تساعدنا على تفسير السبب الذي يجعل الواقعيين يختلفون حول مجموعة من القضايا مثل مستقبل أوربا، فالواقعيون الدفاعيون مثل فان إيفيرا، يرون أن الحرب نادرا ما تكون ذات فائدة، وهي في العادة نتاج النزعة العسكرية والقومية المفرطة، إضافة إلى عوامل أخرى، ولأن فان إيفيرا لا يعتقد بتوفر هذه العوامل في أوربا ما بعد الحرب الباردة، فانه يخلص إلى أن المنطقة سيسودها السلام. وبالمقابل نجد ميرشايمر وغيره من الواقعيين الهجوميين يعتقدون أن الفوضى تدفع القوى الكبرى إلى التنافس بغض النظر عن خصائصها الداخلية، فهم يرون أن مناخ التنافس حول الأمن سوف يسود أوربا بمجرد انسحاب راعي السلام الأمريكي.

حياة جديدة لليبرالية
أثار انهزام الشيوعية نوعا من مشاعر الغبطة في الغرب، وقد تجلى ذلك في طروحات فوكوياما حول نهاية التاريخ، ورغم أن التاريخ لم يول اهتماما كبيرا لهذا الاعتزاز، إلا أن ذلك أعطى دفعة قوية للتيارات الثلاثة للفكر الليبرالي.
برز ذلك وبشكل واضح في النقاشات الدائرة حول "السلام الديمقراطي"، فرغم أن آخر حلقة من النقاش حول "السلام الديمقراطي"، كانت قد ابتدأت فعليا قبل سقوط الاتحاد السوفييتي، غير أن هذا المفهوم أصبح أكثر إسنادا بزيادة عدد الدول الديمقراطية وتراكم مزيد من الشواهد الإمبريقية المؤكدة للارتباط القائم بين الديمقراطية والسلام.
فنظرية "السلام الديمقراطي" تعتبر تحويرا للطرح المبكر القاضي بأن الدول الديمقراطية نادرا ما تحارب بعضها البعض بالرغم من أنها قد تدخل في حروب ضد دول أخرى. وقد قدم لنا بعض الباحثين من أمثال مايكل دويل، وجيمس لي ري وبروس راسيت، عددا من التفسيرات في هذا الاتجاه، ومن أكثرها انتشارا تلك القائلة بأن الدول الديموقراطية تعتنق ضوابط التوفيق التي تمنع استعمال القوة بين أطراف تعتنق نفس المبادئ. إنه من الصعب تصور وجود تفسير أقوى حجة من "السلام الديمقراطي" لتبرير مساعي إدارة كلينتون الهادفة إلى توسيع مجال الحكم الديمقراطي.
أصبح "السلام الديمقراطي" بذلك قاعدة للسياسة الأمريكية، مما دفع إلى الشروع في مزيد من الأبحاث حول إسنادات هذه النظرية. أولا: أشار كل من سنايدر وإدوارد مانسفيلد إلى أن الدول قد تكون أكثر ميلا للحرب عندما تمر بمرحلة الانتقال نحو الديمقراطية، مما يعني أن المساعي الحالية لتصدير الديمقراطية قد تجعل الأمور أسوأ مما هي عليه. ثانيا: أشارت انتقادات كل من دايفد سبيرو وجوان قوا إلى أن الغياب الظاهري للحروب بين الدول الديمقراطية يعود إلى الطريقة التي تمت بواسطتها تعريف الديمقراطية والعدد القليل نسبيا للدول الديمقراطية (خاصة قبل 1945). فضلا عن ذلك فإن كريستوفر لين يعتبر أن تمسك الدول الديمقراطية بخيار السلام عندما كانت احتمالات الحرب واردة لا يعود بالضرورة إلى تقاسم القيم الديمقراطية. ثالثا: إذا كانت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تقدم لنا الدليل الحاسم بعدم لجوء الدول الديمقراطية إلى خيار الحرب ضد بعضها البعض، فإن غياب حالات تنازعية في هذه الفترة يعود حسب قوا إلى وجود مصلحة مشتركة في احتواء الاتحاد السوفييتي أكثر منه تقاسم المبادئ الديمقراطية.
الليبيراليون المؤسساتيون بدورهم استمروا في تكييف نظرياتهم. ويعود ذلك من جهة، إلى أن الطرح الجوهري لهذه النظرية فقد الكثير من بريقه مع مرور الزمن، إذ أن المؤسسات أصبح ينظر إليها كعامل مسهل للتعاون طالما أن ذلك يتماشى مع مصلحة الدول، لكنه أصبح من الواضح الآن أن المؤسسات لا تستطيع فرض سلوكات معينة على الدول إذا كان يتنافى مع مصالحها الأنانية [للمزيد حول هذا الموضوع أنظر مقال روبرت كيوهان]. ومن جهة أخرى، فقد قام المؤسساتيون من أمثال جون بافيلد وروبرت ماكالا بتوضيح النظرية لتشمل مجالات متعددة. أبرزها دراسة منظمة حلف شمال الأطلسي، إذ يرى هؤلاء الباحثون أن خاصية المأسسة العالية للناتو تفسر سر بقائِه وتكيفِهِ مع التغيرات بالرغم من اختفاء خصمه التقليدي.
من جانبه لازال الاتجاه الاقتصادي للنظرية الليبرالية يحظى بنفوذ كبير، خاصة ما طرحه بعض الباحثين من أن عولمة الأسواق العالمية، وظهور الشبكات عبر الوطنية، والمنظمات غير الحكومية، والانتشار السريع لتكنولوجيا الاتصالات الكونية، كلها ساهمت في تقويض صلاحيات الدول وحولت الاهتمام من مسائل الأمن العسكري إلى قضايا الاقتصاد والرفاه الاجتماعي. وبالرغم من جدة هذه التحولات، إلا أن المنطق الذي تقوم عليه بسيط جدا، فطالما أن المجتمعات أصبحت مرتبطة ببعضها بشبكة من الارتباطات الاقتصادية والاجتماعية، فإن التكاليف المرتفعة لفك هذه الارتباطات سوف تردع التحركات الانفرادية للدول، وخاصة الاستعمال المنفرد للقوة.
هذا المنظور يتضمن حقيقة أن الحرب ستبقى احتمالا قائما بين الدول الأكثر تصنيعا، كما أنه يشير إلى أن دفع الصين وروسيا لتبنى الرأسمالية المتوحشة يعتبر الوسيلة المثلى لتعزيز الازدهار والسلام، خاصة إذا مكن ذلك من إيجاد طبقة متوسطة داخل هذه الدول وساهم في الضغط تجاه الدمقرطة. ولا شك أن جلب الازدهار وروح التنافس إلى هذه المجتمعات مهمة ذات طابع اقتصادي.
تعرضت هذه النظرة إلى الانتقاد من طرف باحثين يرون أن النطاق الحالي للعولمة لا يزال متواضعا، وبأن ما يتم من عمليات اقتصادية مختلفة لازالت تضبطها الدول। ومع ذلك، فإن الفكرة القائلة بتفوق قوى الاقتصاد على السياسة التقليدية للقوى الكبرى تحظى بانتشار واسع في أوساط الباحثين وصناع السياسة على حد سواء. ويبدو أن "دور الدولة" سيكون موضوعا مهما في الأبحاث الأكاديمية المستقبلية.


النظريات البنائية
في الوقت الذي تميل فيه كل من الواقعية والليبرالية إلى التركيز على العوامل المادية فإن المقاربات البنائية تركز على تأثير الأفكار، وبدلا من النظر إلى الدولة كمعطى مسبق والافتراض أنها تعمل من أجل بقائها، يرى البنائيون أن المصلحة والهوية تتفاعل عبر عمليات اجتماعية (تاريخية) كما يولون أهمية كبيرة للخطاب السائد في المجتمع، لأن الخطاب يعكس ويًشكلً في الوقت ذاته المعتقدات والمصالح، ويؤسس أيضا لسلوكات تحظى بالقبول. إذن، فالبنائية تهتم أساسا بمصدر التغير أو التحول. وهذه المقاربة حلت بشكل كبير محل الماركسية كمنظور راديكالي للشؤون الدولية.
ساهمت نهاية الحرب الباردة في إضفاء الشرعية على النظريات البنائية لأن الواقعية والليبرالية أخفقتا في استباق هذا الحدث كما أنهما وجدتا صعوبة كبيرة في تفسيره، بينما تمتلك البنائية تفسيرا له، خصوصا ما يتعلق بالثورة التي أحدثها ميخائيل غورباتشيف في السياسة الخارجية السوفيتية باعتناقه أفكارا جديدة "كالأمن المشترك".
زيادة على ذلك، وبالنظر إلى التحدي الذي تتعرض له الضوابط التقليدية بمجرد تحلل الحدود، وبروز القضايا المرتبطة بالهوية، فإنه ليس من المفاجئ أن نجد الباحثين قد التجؤوا إلى مقاربات تدفع بمثل هذه القضايا إلى الواجهة وتجعل منها محور الاهتمام.
ومن وجهة نظر بنائية، فإن القضية المحورية في عالم ما بعد الحرب الباردة هي كيفية إدراك المجموعات المختلفة لهوياتها ومصالحها. ورغم أن التحليل البنائي لا يستبعد متغير القوة، إلا أن البنائية ترتكز بالأساس على كيفية نشوء الأفكار والهويات، والكيفية التي تتفاعل بها مع بعضها البعض، لتشكل الطريقة التي تنظر بها الدول لمختلف المواقف، وتستجيب لها تبعا لذلك. ومن خلال ما سبق، يتضح أن معرفة ما إذا كان الأوروبيون ينظرون إلى أنفسهم بمنظور وطني أم بمنظور قاري، ينطوي على أهمية تحليلية كبيرة، وينسحب الأمر ذاته عما إذا كان الألمان واليابانيون سيعملون على إعادة النظر في ماضيهم، بحيث يتبنون أدوارا خارجية فاعلة، وعما إذا كانت الو.م.أ. ستعتنق أو سترفض هوية تقضي بأن يلعب الأمريكيون دور دركي العالم.
النظريات البنائية متعددة، وهي لا تقدم لنا تصورا موحدا لتوقعاتها حول أي من القضايا المطروحة على المستوى التصوري الصرف، إذ يرى ألكسندر ووندت أن التصور الواقعي للفوضى لا يقدم لنا تفسيرا مناسبا لأسباب حدوث النزاعات الدولية، فالقضية الجديرة بالنقاش هي كيف يتم فهم هذه الفوضى؟ وبحسب ووندت، فإن الفوضى هي ما صنعته الدول [وليست معطى مسبق]। هناك اتجاه آخر للبنائية يركز على مستقبل الدولة، ويعتبر أن الاتصالات عبر الوطنية وتقاسم القيم المدنية أدت إلى تقويض دعائم الولاءات الوطنية التقليدية، وإيجاد أشكال جديدة من الجمعيات السياسية. كما أن بعض البنائيين يركزون على دور الضوابط ويرون أن القانون الدولي وغيره من المبادئ الآمرة أدت إلى نخر المفاهيم التقليدية البدائية للسيادة، مثلما استطاعت تصوير الأغراض المشروعة التي تمارس الدول سلطاتها استنادا إليها. ومهما يكن، فإن الموضوع المشترك بين كل هذه الاتجاهات يتمثل في قدرة الخطاب على صياغة الكيفية التي يحدد بها الفاعلون هويتهم ومصالحهم وبالنتيجة يقومون بتعديل سلوكاتهم.


إعادة النظر في السياسة الوطنية
مثلما كان عليه الأمر في فترة الحرب الباردة، استمر الباحثون في استكشاف تأثير السياسة الوطنية على السلوك الخارجي للدولة، فالسياسة الوطنية تعتبر متغيرا حاسما في النقاش حول مفهوم "السلام الديمقراطي". وقد قام بعض الباحثين من أمثال "سنايدر، وجيفري فريدن وهيلين ميلنر" بفحص كيفية تأثير مجموعات المصالح في خيارات الدولة بحيث تقودها إلى سلوكات خارجية غير متوقعة. وكذلك فقد قام جورج داونس ودايفيد روك بتبيان الدور الذي تلعبه المؤسسات الوطنية في المساعدة على التعامل مع الغموض الذي يكتنف الشؤون الدولية. بينما قام بعض باحثي علم النفس بتطبيق النظرية الاستشفافية جنبا إلى جنب مع أدوات تحليلية أخرى لتفسير سبب إخفاق صناع القرار في التصرف بشكل عقلاني [لمعلومات أكثر حول صناعة القرار في السياسة الخارجية، أنظر مقال مارقاريت هيرمان، وجو هاقان.
شهدت العشرية الأخيرة من القرن العشرين تزايد الإهتمام بتصور الثقافة، وقد تزامن ذلك مع بروز الاتجاه البنائي الذي يركز على أهمية الأفكار والضوابط. فقد استعمل كل من توماس بيرقر وبيتر كاتزنشتاين المتغيرات الثقافية لتفسير نزوع ألمانيا واليابان بعيدا عن السياسات العسكرية التي تعتمد على الذات. كما قدمت إليزابيث كير تفسيرات ثقافية للعقائد العسكرية التي سادت بريطانيا وفرنسا، في فترة ما بين الحربين. أما لين جونستون فقد قامت بتقصي حالات الاستمرارية في السياسة الخارجية الصينية فيما تعتبره "واقعية ثقافية" متجذرة. في حين تعتبر التحذيرات الجريئة التي أطلقها صامويل هنتنغتون حول "صدام الحضارات" إحدى أعراض هذا الاتجاه التفكيري، حيث يستند طرحه على القول بأن الانتماءات الثقافية الواسعة أصبحت الآن تحل محل الولاءات القومية. لكن وبالرغم من أن هذه الأعمال وغيرها تقارب للثقافة في مفهومها الواسع، غير أنها أبعد من أن تقدم لنا فهما كاملا حول كيفية تفعيلها، والمدى الذي يمكن أن تأخذه آثارها، إلا أن المقاربات ثقافية-التوجه أصبحت جد شائعة في الخمس سنوات الأخيرة. يعتبر هذا الإتجاه وجها من أوجه الاهتمام الواسع بالقضايا الثقافية في الأوساط الأكاديمية (وضمن النقاش العام على حد سواء). كما أنه وفي جانب منه يعتبر ردة فعل على تصاعد حدة النزاعات الإثنية والوطنية والثقافية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

لوحة المفاتيح التصورية
تعكس هذه النقاشات تنوع الدراسات الأكاديمية المعاصرة حول الشؤون الدولية، كما وتظهر علامات واضحة حول التقاطع المنهجي. فأغلب الواقعيين يعترفون بأهمية القومية والنزعة العسكرية والإثنية وغيرها من العوامل الوطنية، كما يقر الليبراليون بدورهم بأن القوة تعتبر عاملا محوريا في السلوك الدولي، تماما مثلما يقبل البنائيون بالرأي القائل بأن الأفكار تكتسي أهمية أكبر عندما تسندها دول قوية ويتم تعزيزها بموارد قوة مادية. لقد أصبحت الحدود بين مختلف المنظورات مائعة على نحو ما، وهناك فرصة كبيرة للتحكيم العقلية.
لكن أي من هذه المنظورات تلقي الضوء أكثر على الشؤون الدولية المعاصرة؟ وأي منها يتوجب على صانعي السياسة أخذها بين الاعتبار عندما يكون بصدد تحديد مصائرنا في القرن المقبل؟ تعتبر الواقعية الإطار العام الأكثر إلزاما لفهم العلاقات الدولية، بالرغم من أن الكثير من الأكاديميين والعديد من صناع السياسة يحجمون عن الإقرار بذلك. فالدول مستمرة في إيلاء أهمية كبيرة لتوازن القوى وللقلق بشأن احتمال حدوث نزاع شامل.
إن هذا الاهتمام الكبير بالقوة والأمن يفسر لنا السبب الذي جعل الآسيويين والأوربيين يصرون على الحفاظ وربما توسيع التواجد العسكري الأمريكي في مناطقهم، حيث حذر الرئيس التشيكي فتشلاف هافل من أنه إذا فشل الناتو في التوسع شرقا فإننا قد ننقاد إلى كارثة عالمية جديدة قد تفوق تبعاتها تبعات الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهذه ليست كلمات رجل يعتقد بأن صراع القوى الكبرى قد ولى من غير رجعة.
أظهرت العشرية الأخيرة مدى رغبة الو.م.أ. في أن تكون الرقم واحد عالميا، ومدى تصميمها على البقاء في وضع المهيمن. لقد استغلت الولايات المتحدة تفوقها الحالي لفرض خياراتها حيث أمكن ذلك حتى وصل بها الأمر إلى حد استفزاز حلفائها القدامى بالرغم من المخاطر التي ينطوي عليها ذلك. إذ فرضت سلسلة من الاتفاقات أحادية الجانب لمراقبة التسلح ضد روسيا، كما هيمنت على مساعي السلام في البوسنة، واتخذت خطوات لتوسيع الناتو تجاه الحدود الروسية، وأصبحت منشغلة بشكل متزايد للقوة المتعاضمة للصين، ودعت مرارا إلى الوثوق في المساعي المتعددة الأطراف وبدور أوسع للمؤسسات الدولية، ومع ذلك، فقد تعاملت مع الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية بعدم اكتراث كلما تعارضت توجهاتها مع مصالح الولايات المتحدة. وقد رفض الأمركيون الإنضمام إلى المجموعة الدولية لحظر الألغام الأرضية المضادة للأفراد. تماما مثلما رفضوا التعاون في قمة الأرض بـ كيوتو. وطالما تفنن القادة الأمريكان في التستر وراء النظام الدولي لتمرير مصالحهم الأنانية. وهكذا، فإن نهاية الحرب الباردة لم تنه سياسة القوة، فالواقعية يبدو أنها ستبقى الأداة الأكثر نفعا في لوحة مفاتيحنا الفكرية.
ومع ذلك، فإن الواقعية لا تفسر كل شيء، وأي قائد متبصر يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الإستبصارات التي تمدها بها المنظورات الأخرى. فالنظريات الليبرالية تحدد الوسائل التي يمكن للدول استعمالها لتحقيق مصالح مشتركة، كما تحدد أهم القوى الاقتصادية التي تساعدنا على فهم سبب اختلاف الدول في خياراتها الأساسية. وفضلا عن ذلك، فإن الحماية الأمريكية ستقلص من مخاطر الصراعات الإقليمية وستعزز السلام الليبرالي الذي ظهر بعد 1945، لذا فإن الوصفة الليبرالية تصبح أكثر أهمية طالما أن الولايات المتحدة ستستمر في توفير الأمن والاستقرار للعديد من أجزاء العالم.
وفي غضون ذلك، فإن النظريات البنائية تعد الأكثر ملاءمة في تحليل كيفية تغير الهويات والمصالح بمرور الزمن، بحيث تنتج عنها تغيرات حادة في سلوك الدول، وفي حالات معينة، تفجر تحولات غير متوقعة في الشؤون الدولية. وفي هذا الإطار، يعتبر من المهم جدا معرفة ما إذا كانت الهوية في أوربا ستستمر في التحول من الدولة-الأمة إلى نطاق محلي أضيق أو إلى نطاق أوسع، إلى الهوية الأوروبانية. تماما مثلما يهم معرفة ما إذا كانت النزعة القومية سيحل محلها بالتدريج نوع من الانتماء الحضاري بحسب مفهوم هنتنغتون. ليس للواقعية الشيء الكثير لتقدمه لنا في هذا الخصوص، وصناع القرار قد يشوب نظرتهم الغموض إذا أهملوا مثل هذه الاحتمالات بشكل كلي.
باختصار، فإن كلا من هذه المنظورات المتنافسة ترصد جوانبا مهمة في السياسة العالمية. وفهمنا يعوزه القصور إذا ما نحصر تفكيرنا على إحدى هذه المنظورات، وفي المستقبل، فإن الدبلوماسي المثالي يجب أن يبقى يقظا بخصوص التركيز الواقعي على الدور الذي لا يمكن تجاهله لعامل القوة، كما أنه يجب أن يكون واعيا بدور القوى الوطنية وأن يفكر أحيانا من خلال المنظور البنائي للتغير.