التحول الديمقراطي في دول مجلس التعاون الخليجي: الواقع والآفاق المستقبلية.
ابتسام سهيل الكتبي
ندوة الديمقراطية والإصلاح السياسي في الوطن العربي، 2005
مقدمة
شهدت دول مجلس التعاون الخليجي- بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة- تطورات هامة على صعيد الإصلاح السياسي منذ مطلع تسعينات القرن العشرين، وتحديداً في أعقاب الغزو العراقي للكويت.. وقد تسارعت وتيرة الإصلاحات بعض الشيء في أعقاب هاجمات الحادي عشر من سبتمبر، وعلى الأخص في ظل قضية الإصلاح السياسي و الديمقراطي ضمن أهداف السياسية الأمريكية في المنطقة.
ويسعي هذا الفصل إلى تحليل وتقييم الإصلاح السياسي في دول المجلس، بما يسمح بالوقوف على العوامل التي دفعت- وتدفع- في أتاه الإصلاح، فضلاً عن رصد مضامين هذا الإصلاح وأبعاده على أرض الواقع، والتعرف على معوقاته، واستشراقة أفاقه المستقبلية.
أولاً: أهم العوامل الدافعة للإصلاح السياسي في دول المجلس
1- المطالبة بعقد اجتماعي جديد
لقد كانت السياسات التي اتبعتها الدولة في منطقة مجلس التعاون الخليجي خلال السبعينات والثمانينات في مجالات التعليم والتحديث والتوظيف وغيرها من وراء المطالب المتزايدة بالمشاركة السياسية والرقابة على الحكومة والتي شاهدتها هذه الدول مع تقدم التسعينات. فقد ساهمت هذه السياسات في خلق ما يعرف أدبيات العلوم الاجتماعية بالطبقة الوسطي الجديدة، وهي تضم فئات عديدة من المتعلمين والمهنيين، وقد استمر حجم هذه الطبقة في التمدد مع مرور الوقت وبخاصة التوسع في التعليم العالي، الحكومي والخاص، في الدول المعنية. وهذه الفئات وأن كانت تطرح في البداية مطالب اقتصادية واجتماعية، إلا أنه من غير المتوقع أن تقف عند هذا الحد، فالمطالب الاقتصادية والاجتماعية يعقبها في الدعاة مطالب سياسية تتعلق بالمشاركة السياسية.
وقد شكلت الطبقة الوسطي الجديدة إحدى القوي الرئيسية المحركة لعملية الإصلاح السياسي في عدد من دول المجلس، وذلك من خلال القيام بعض شرائحها بطرح مطالب تتعلق بالإصلاح الداخلي وتوسيع مجال المشاركة الشعبية في الشأن العام، ولذلك ليس من قبيل المصادفة أن يشكل رموز هذه الطبقة وعناصرها العصب الرئيسي لعدد من تنظيمات المجتمع المدني التي تزايد عددها بشكل ملحوظ في دول المجلس خلال السنوات الأخيرة، وكذلك التجمعات والحركات والجمعيات السياسية التي مارست. وتمارس. العمل السياسي في دول مثل الكويت والبحرين، كما أن رموز هذه الطبقة وعناصرها تشكل العمود الفقري للفئات السياسية والاجتماعية التي تطالب بالإصلاح، وهو ما يظهر بوضوح في أسماء وخلفيات الموقعين على المذكرات والعرائض المتتالية التي تم رفعها للسلطات منذ مطلع تسعينات القرن العشرين، والتي تضمنت مطالب إصلاحية.
2- انكماش دولة الرفاه
أتاحت العائدات النفطية الضخمة للنظم الحاكمة في دول مجلس التعاون الخليجي تبني برامج تنموية طموحة في مجالات التعليم والصحة والإسكان والرعاية الاجتماعية وغيرها. بفضل السياسات التوزيعية والوفاء بالاحتياجات الاقتصادية فيها. فدورها كموزع للمزايا والمنافع انعكس عللا علاقة الأفراد بهذه الدولة ونظرتهم إلى حقوقهم في المشاركة حيث أصبح جلهم أقل تشدداً في المطالبة بهذه الحقوق خصوصاً في ظل غياب أو ضآلة حجم الأعباء المفروضة عليهم بوجه عام، فضلاً عن قناعة المواطن العادي بأن مجرد الحديث وليس الانتقاد الصريح أو المستتر للأوضاع القائمة ألأول المطالبة بالمشاركة هو من الأمور المحفوظة بالمخاطر وأن الولاء للنظام الحاكم المطلوب للحصول على المنافع.
لقد مكن الريع النفطي الحاكمة في الدول المعنية من إقامة علاقة مباشرة مع مواطنيها، وغير المألوف في مثل هذه العلاقة أنها ذات اتجاه واحد من الأعلى إلى الأسفل؛ إذ في العادة تقدم الحكومة الخدمات لمواطنيها في مقابل قيامهم بدفع الضرائب لهذه الحكومة، وفي دمل مجلس التعاون الخليجي وجدت مجموعة ضخمة من العائدات والمنافع متاحة للمواطنين بتكلفة بسيطة أو بدون تكلفة بسيطة أو بدون تكلفة على الإطلاق، والمطلوب منهم فقط هو إبقاء نشاطهم السياسي في الحدود المرسومة من قبل الحكومة، ومن ثم فأن الأفراد يجدون مصالحهم الاقتصادية المباشرة في النظام الحاكم، وقد انعكس ذلك في ضآلة حوادث العنف السياسي وفي الدرجة العالية من الاستقرار السياسي الداخلي التي تمتعت بها هذه الدول. كما أن ضعف أو عدم تبلور القوي السياسية قد شكل عاملاً مساعداً على ذلك.
غير أن دولة الرفاه تأثرت سلباً بانخفاض أسعار النفط في منتصف الثمانينات من القرن العشرين والنمو المطرد في معدلات الزيادة السكانية، والتطورات السياسية على الساحة الإقليمية من الحرب العراقية الإيرانية إلى حرب الخليج الثانية إثر الغزو العراقي للكويت عام 1990 وما نجم عنها من تداعيات تمثلت في المزيد من الأعباء المالية على دول مجلس التعاون الخليجي سواء لجهة ما أسهمت به في تمويل أعباء الحرب وكلفتها، أو لجهة تزايد إنفاقها على التسليح.
وتحت ضغط المؤشرات الاقتصادية المتراجعة من عجز الميزانية، وتدني معدلات النمو، وتزايد المديونية سواء الداخلية أو الخارجية لبعض الدول، والتزايد الملحوظ في معدلات البطالة، بدأت دول مجلس التعاون الخليجي في إعادة النظر في السياسيات الدعم الاقتصادي والاجتماعي التي تتبعها، ولم تعد قادرة على تمويل برامج الرفاهية كما كانت تفعل خلال فترة الطفرة النفطية، بل اتجهت إلي تبني برامج الإصلاح الاقتصادي بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، تقوم إلى جانب عناصر أخري على الخصخصة، وفرض بعض الرسوم على السلع والخدمات التي كانت تقدم بصورة مجانية أو شبه مجانية، فضلاً عن اتجاه الحكومات للتخفف من أعباء التوظيف... الخ.
والمشكلة الرئيسية لعملية التحديث الهائلة في هذه الدول هي أنها أطلقت توقعات المواطنين بلا حدود، فقد ساد الاعتقاد بأن التنمية هي مشروع بلا ألم، فهي لا تتطلب تضحيات لتحقيق أهدافها، ولا تتضمن نزع الشرعية عن الامتيازات الضخمة للقوى المسيطرة اقتصاديا، كما أنها لا تنشط الفئات الشعبية المتحمسة في مشاريع تنموية وطنية، ولكنها ضاعفت في الواقع من مصاعبها عن طريق رفع توقعات جميع القوى الاجتماعية، بينما لم لديها أية أيديولوجية لإبقاء هذه التوقعات في حدود ما يمكن أن تقدمة سياسات الرفاه، وهذا هو جوهر التناقض في هذه السياسيات[[1]].
والمعضلة التي تواجهها دول مجلس التعاون الخليجي: هي أن مواطنيها قد تعودوا على أنماط حياة الرفاه واليسر وعلى ذلك النوع من الخدمات المجانية المقدمة إليهم، وحسب التصور الذي وضعه- جيمس أوكونور- للاتجاهات التاريخية في سياسات الرعاية الاجتماعية:- إن التعود على مستويات عالية من المعيشة المستندة إلى الدعم الحكومي تجعل المواطنين يعتقدون بأن هذه المستويات هي مكسب اجتماعي وإنجاز سياسي من الصعب التعلية عنه[[2]].
فدولة الرفاه تظل معرضة لمخاطر عدم الاستقرار السياسي الناجم عن احتمالات فقدان نظامها الحاكم لشرعيته؛ حيث أن شرعية هذا النظام معتمدة على إرضاء المواطنين من خلال الخدمات المقدمة إليها عبر برامج الرفاه. وفي حالة تقليص هذه الخدمات لأي سبب من الأسباب فإن ذلك قد يقود إلى شيوع حالة من عدم الرضا بين المواطنين واعتزاز شرعية النظام الحاكم ومن ثم تعرض استقرارها السياسي للخطر.
وإزاء هذا الوضع لم نجد النظم الحاكمة مفراً من اتخاذ بعض الخطوات على طريق الإصلاح السياسي لتقديم نوع من التعويض السياسي للمواطنين نتيجة استمرار المتاعب الاقتصادية من ناحية، واتخاذ ذلك كمدخل لاحتواء القوي والعناصر الراغبة في المشاركة في الحياة السياسية من ناحية ثانية، فضلا عن التجارب مع بعض لمستجدات العالمية من ناحية ثالثة[[3]].
3- حاجة النخب الحاكمة لتجديد مصادر شرعيتها
على الرغم من استناد النظم الحاكمة في دول مجلس التعاون الخليجي أساساً إلى مصادر تقليدية للشرعية السياسية كالقبيلة والدين والدور التاريخي للأسرة الحاكمة، إلا أن بعضها واجه في مراحل معنية قضية الشرعية السياسية، فقد واجهت البحرين خلال معظم سنوات التسعينات حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني من جراء تأزم العلاقة بين الحكم وقوى المعارضة التي غلب عليها الطابع الشيعي، وذلك على خلفية رفض السلطة التجاوب مع المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طرحتها المعارضة، ولجوئها إلى الحل الأمني في التعامل معها، واتهام أطراف خارجية في مقدمتها إيران بدعم هذه المعارضة، ولكن بعد أن تولي الشيخ حمد بن عيسي آل خليفة الحكم في البحرين على إثر وفاة والده عام 1999، وجد أن تبني مشروع إصلاحي هو السبيل الوحيد لتأسيس عقد اجتماعي جديد مع الشعب البحريني، الذي يمثل الشيعة نحو 6- % منه حسب بعض التقديرات، بحيث يشكل هذا العقد قاعدة لشرعية حكمه، ويحقق السلم الأهلي، والاستقرار السياسي، ومن هنا انطلقت مسيرة الإصلاح السياسي في البحرين.
وفي قطر، وجد الشيخ حمد بن خليفة آ ل ثاني، الذي انتزع السلطة من أبيه 1995 أن أفضل طريق لتثبيت أركان حكمه وبناء وترسيخ شرعيته هو رح مشروع للإصلاح السياسي يمثل نقلة نوعية في الحياة السياسية القطرية، ويعطي العهد الجديد سمات وملامح مغايرة للعهد السابق[[4]].وعلى الرغم من أن الحكم في المملكة العربية السعودية يعتمد على الدين كمصدر رئيسي الشرعية السياسية، إلا أنه تزايد المشكلات الداخلية، الاقتصادية، والاجتماعية والإدارية، التي بدأت المملكة تعاني منها في مرحلة ما بعد الحرب الخليج الثانية، وتصاعد خطر تنظيمات التطرف والعنف وانخراطها في ممارسة الإرهاب على الصعيد الداخلي خلال الآونة الأخيرة، ومع تنامي الضغوط الأمريكية على المملكة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وجدت النخبة الحاكمة أن التجاوب. في حدود معنية، مع مطالب الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإداري التي بدأت تطرحها بعض العناصر والفئات الاجتماعية والسياسية من خلال رفع المذكرات والعرائض للحكام، واتخاذ خطوات من أجل تحقيق بعض هذه المطالب بشكل تدريجي، بشكل مدخلاً رئيساً لتعزيز الشرعي السياسية من خلال الإنجاز، خاصة وأن الإصلاح المنشود ينصب في جانب هام منه على تحديث أجهزة الدولة ومؤسساتها وتطوير سياساتها العامة[[5]].
وفي الكويت وعلى أثر الاحتلال العراقي وجدت الأسرة الحاكمة أن أفضل طريق لتعزيز شرعيتها وضمان استمرار التفاف الشعب الكويتي حولها هو تأكيد التزامها بالدستور وإعادة إطلاق العملية الديمقراطية.
4- الموجة العالمية للديمقراطية وثورة المعلومات والاتصالات
كان للانتشار الواسع للديمقراطية، وتمدد المجتمع المدني العالمي، وشيوع ثورة المعلومات والاتصالات التي هي أحد المظاهر الرئيسية لعصر العولمة، انعكاسات على التطور السياسي في العديد من دول الجنوب ومنها دول مجلس التعاون الخليجي، حيث لم يعد بمقدور النظم الحاكمة في هذه الدول تجاهل حقائق ومعطيات البيئة العالمية الجديدة، خاصة وأن ثورة المعلومات والاتصالات جعلت شعوب تلك الدول على معرفة بما يجري في مناطق أخري من العالم، كما أنها وفرت لمواطنيها مصادر مستقلة للمعلومات خاصة أن مواطني معظم هذه الدول هم الأكثر احتكاكاً بالوسائل الحديثة في مجالات الأعلام والاتصالات والمعلومات مقارنة بالدول العربية الأخرى، وهو ما يظهر بوضوح من خلال مؤشر عدد مستخدمي شبكة الانترنت منسوباً لكل ألف أو عشرة آلاف من السكان.
ولذلك لم تعد النظم الحاكمة وأجهزتها تحتكر المعلومات كما كان الحال في السابق، بل إن بعض عناصر وقوي المعارضة في بعض هذه الدول وظفت بعض وسائل الاتصال الحديثة في ممارسة أنشتها، كما إن بعض منظمات المجتمع المدني العالمي وفرت أشكالاً من الدعم ولو غير المباشر لبعض القوى والتيارات الإصلاحية في دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة وأن المنظمات المتهمة بملف حقوق الإنسان دائبة على متابعة سجلات الدول المعنية بهذا الشأن ونشر تقارير حولها[[6]].
5- تصاعد الضغوط الأمريكية المطالبة بالتحول الديمقراطي
على إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، والتي كان معظم منفذيها يحملون الجنسية السعودية، بدأت واشنطن تغير من نظرتها إلى قضية الديمقراطية في المنطقة، حيث راحت تعترف بأن غياب الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي، قد أسهم في خلق بيئة ملائمة لتنامي جماعات التطرف والعنف الإرهاب التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية في العمق. ومن هنا بدأت تطالب دول المنطقة باتخاذ خطوات جادة على طريق التحقيق الديمقراطية من خلال إصلاح نظم ومناهج التعليم وبخاصة التعليم الديني، والإصلاح الاقتصادي، وتوسيع المشاركة السياسية، وتقوية المجتمع المدني، وتعزيز دور المرأة...الخ وأكثر من هذا فإن أحد المبررات الأساسية التي روجتها واشنطن لتبرير حربها ضد العراق هو تقويض نظام صدام حسين وبناء نموذج ديمقراطي في العراق تقتدي به الدول الأخرى في المنطقة ويؤثر فيها حسب نظرية- الدومينو -.
وقد شهدت العلاقات الأمريكية- السعودية سلسلة من التوترات في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وراحت دوائر سياسية وإعلامية أمريكية تتفقد المملكة بشكل حاد من زراية أن مناهج التعليم الديني السائدة فيها، وغياب المشاركة السياسية والشفافية والمساءلة في مؤسساتها إنما هي عوامل خلقت بيئة ملائمة لظهور قوى وجماعات التطرف والعنف والإرهاب، كما اتهمت هذه الدوائر بعض الجهات والشخصيات في المملكة بتمويل الإرهاب، وإزاء هذا الوضع وجدت السلطات السعودية نفسها تحت ضغوط خارجية كبيرة، ولذلك بادرت بتبني نهج صلاحي بهدف سد الذرائع أمام التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية من ناحية، وتحقيق نوع من التجاوب. بحدود معينة. مع المطالب الداخلية بالإصلاح من ناحية أخري، وفي ضوء ذلك راح الخطاب السياسي الرسمي يؤكد على الالتزام بالإصلاح، بل إن ولي العهد السعودي الأمير عبد الله- والذي أصبح ملكاً على الإبلاج بعد وفاة الملك فهد- طرح مبادرة بهذا الخصوص كما تم اتخاذ خطوات على طريق الإصلاح.
أما دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى فقد استمرت في اتخاذ بعض الخطوات على طريق الإصلاح السياسي لاعتبارات داخلية من ناحية، وكذلك لتجنب الانتقادات التي دأب البعض على توجهها لواشنطن من زاوية أن حلفاءها في المنطقة غير ديمقراطيين، وأنها تغض الطرف عن ذلك من ناحية أخري، ولذلك فإن خطوات الإصلاحية التي اتخذتها هذه الدول قد حظيت بتشجيع وترحيب من قبل الإدارة الأمريكية، خاصة في ظل اقتناع الأخيرة بان مثل هذه الخطوات لن تكون على حساب مصالحها في المنطقة وعلاقتها المتميزة مع النظم الحاكمة في هذه الدول [[7]]، أي هي تشجيع الإصلاح السياسي في إطار النظم القائمة بما يحسن من أساليب الحكم والإدارة، ويحسن كذلك من سجل حقوق الإنسان في هذه الدول، ويعزز من قدرة النظم الحاكمة فيها على استيعاب مطالب القوي الراغبة في المشاركة السياسية.
ثانياً: ملامح وآليات إدارة عملية الإصلاح السياسي
يعتبر نمط إدارة الإصلاح السياسي من قبل الحكم القوي السياسية والاجتماعية المعنية بالعملية الإصلاحية من الأمور الجوهرية بهذا الخصوص لأنه يعكس حقيقة التوازنات المرتبطة بهذه العملية من ناحية، ويحدد طبيعة مخرجاتها من ناحية أخري، ويتناول هذا الجزء بالرصد والتحليل أهم ملامح وآليات إدارة عملية الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك على النحو التالي
الإصلاح السياسي في إطار النظم القائمة
من الملاحظ أن القوي والجمعيات والتجمعات السياسية الرئيسية التي طرحت مطالب إصلاحية في بعض دول مجلس التعاون الخليجي مثل الكويت والبحرين والسعودية، قد أقرت بداية بالقبول بشرعية النظم الحاكمة، وطالبت بالإصلاح في إطار هذه النظم أي هي لم تطالب بتغييرها، وأن أقصي ما تضمنته بعض المذكرات والعرائض التي رفعت للسلطات الحاكمة بهذا الخصوص هو تحول هذه النظم إلى ملكيات دستورية، وأكثر من هذا فإن قوي المعارضة التي انخرطت في ممارسة بعض أشكال الاحتجاج الجماعي والعنف السياسي في دولة البحرين خلال بعض سنوات التسعينات من القرن العشرين لم تسع إلى تغيير الحكم، ولكن سعت إلى توصيل مطالبها بشأن إعادة العمل بالدستور والحياة البرلمانية، وإلغاء أشكال التمييز السياسي والاقتصادي القائم على أسس طائفية بين أبناء الوطن الواحد.
وهذه الظاهرة تمثل عنصراً هاماً وإيجابياً بشأن واقع ومستقبل عملية الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي، إذ تخلق أرضية مناسبة للتوافق السياسي بين النظم الحاكمة والقوي المطالبة بالإصلاح السياسي بما يسمح بالتوافق على حد أدني من القواسم المشترك التي يكون من شأن الالتزام بها تحقيق نوع من التراكم النوعي على صعيد عملية الإصلاح السياسي، فضلا عن تقليل احتمالات الاستقطاب الفكري السياسي الذي يضر بالعملية الإصلاحية، ذلك أن الإقرار بشرعية النظم الحاكمة من قبل القوى المطالبة بالإصلاح يمثل عاملاً مشجعاً لدفعها نحو اتخاذ المزيد من الخطوات الإصلاحية، إذ يبدد ذلك هواجس النظر هذه القوي كبدائل محتملة لهذه النظم، ويشجع على التعامل معها باعتبارها قوى جماعات وطنية تسعي نحو المزيد من الماركة في إطار النظم القائمة، كما أن بعض ما تطالب به هذه القوي وبخاصة فيا يتعلق بتحديث أجهزة الدولة ومؤسساتها، وتطوير السياسيات العامة، وتحقيق المزيد من الشفافية يدعم كم- شرعية الإنجاز- لهذه النظم.
الطابع السلمي لعملية رفع مطالب الإصلاح السياسي
على الرغم من أن بعض دول المجلس قد شهدت أعمال احتجاج جماعي وعنف سياسي وإرهاب في بعض الفترات، إلا أنه استثناء حالة البحرين، فإن هذه الأعمال لم تكن مرتبطة بمطالب إصلاحية، بل أن بعضها نفذته تنظيمات إسلامية راديكالية تبنت هدف التغيير الجذري للأوضاع القائمة عن طريق استخدام القوة. ومن هنا كان طابع المبادرة من أعلي الغالب على عملية الإصلاح السياسي على نحو ما حدث في كل من سلطنة عمان وقطر، كما أن الطابع السلمي كان هو الغالب على عملية رفع المطالب السياسية للإصلاح على غرار ما حدث- ويحدث- في كل من الكويت والمملكة العربية السعودية.
ففي الكويت يقر الحكم بوجود العديد من المجتمعات السياسي الإسلامية والليبرالية التي هي أقرب ما تكون إلى الأحزاب السياسية ويسمح لها بالمشاركة في الحياة السياسية من خلال الانتخابات والبرلمان ووسائل إلا علام، مما يوفر لها منابر وقنوات لتوصيل مطالبها بشكل سلمي ومشروع، أما في المملكة العربية السعودية، فإن تحديدات داخلية وضغوطاً خارجية بدأت تحدث تغييراً ولو جزئياً في البيئة السياسية الداخلية، وقد تمثل ذلك في توجه العناصر والتيارات الإصلاحية إلى رفع مطالبها للسلطة من خلال المذكرات والعرائض.
وبصفة عامة فقد تمحورت هذه المطالب حول الإصلاح الدستوري وتكريس مبدأ الفصل بين السلطات، وتوسيع مشاركة المواطنين في الشأن العام من خلال تشكيل مجلس الشورى ومجالس المناطق عن طريق الانتخاب، وتعزيز الصلاحيات التشريعية والرقابية لمجلسي الشورى، والسماح بتأسيس النقابات والجماعات ومؤسسات المجتمع المدني، وتحديث الجهاز الإداري، وإصلاح النظام القضائي، والحفاظ على المال العام ومحاربة الفساد من خلال تكريس مبادئ وأسس الشفافية والمساءلة والمحاسبة، وتكريس مبدأ المواطنة كأساس العلاقة بين الحكام والمحكوم مع توفير ضمانات تحقيق المساواة بين المواطنين بغض النظر عن انتمائهم المذهبية والجهورية، وإصلاح النظام التعليمي، وتجديد الخطاب الديني، واحترام التنوع الفكري والمذهبي، وكفالة حقوق المرأة، وتعزيز حقوق الإنسان بصفة عامة.... الخ. وبالمقابل فقد تجاوب النظام. بحدود معينة. مع هذا الأسلوب في طرح المطالب، وأفسح مجالا للحوار مع العناصر والفئات الإصلاحية [[8]]، ولكن يبقي السؤال المهم هو إلى أين ستقود هذه التطورات؟.
وتعتبر البحرين الدولة الوحيدة من دول المجلس التي لجأت فيها قوي المعارضة إلى أعه عمال الاحتجاج الجماعي والعنف السياسي خلال بعض سنوات التسعينات من القرن العشرين من أجل توصيل مطالبها التي تمحورت بالأساس حول إعادة الحياة الدستورية إلى البلاد بعد توقفها منذ عام 1975، وتحقيق المساواة بين المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم المذهبية والطائفية، ومعالجة الأزمات الاقتصادية وبخاصة مشكلة البطالة.
ومن المؤكد أن عدم تجاوب السلطة مع مطالب المعارضة، التي طغي عليها العنصر الشيعي، وتفضيلها للحل الأمني في التعامل معها، واتهام جهات خارجية وبخاصة إيران بأنها تقف خلفها، كان هو العامل الرئيسي في دفع المعارضة للجوء إلى أعمال الاحتجاج والعنف لرفع مطالبها، والدليل على ذلك هو تخلي المعارضة عن هذه المسلك بمجرد أن بدأ العهد الجديد يتبني نهجاً مختلفاً قوامه الانفتاح على هذه المعارضة وفتح قنوات الحوار معها ضمن مشروع وطني عملية الإصلاح السياسي[[9]]وبشكل عام يمكن القول، بأن الطابع السلمي هو الغالب على إدارة عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس، سواء لجهة رفع المطالب من قبل العناصر والفئات الإصلاحية، أو لجهة ممارسة المعارضة السياسية من قبل القوي والجمعيات السياسية، أو لجهة تجاوب السلطات الحاكمة مع هذه المطالب وأساليب تعاملها مع قوى المعارضة. وإن كان ذلك لم يمنع بالطبع من لجوء السلطات إلى التشدد أحياناً مع بعض الإصلاحيين مثلما يجري في المملكة العربية السعودية، حيث جرت اعتقالات ومحاكمات لرموز وعناصر إصلاحية.
التدرج في الإصلاح السياسي
تعتبر التدرجية سمة رئيسية عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس، وهذا ما تحرص النخب الحاكمة على تأكيده بشكل شبه مستمر، وذلك نظرا ألان هذا مسلك يسمح بضبط مسارات الإصلاح على النحو الذي يعزز من قدرتها على الاستمرار، ويمكنها من تجنب أي قفزات غير محسوبة قد تقضي إلى نوع من عدم الاستقرار.
ولكن التحدي الحقيقي هنا يتمثل في كيفية جعل التدرج يفضي إلى أثار تراكمية بشأن عملية الإصلاح السياسي، ولا يكون مدخلاً للجمود أو الركود السياسي على غرار ما حدث في دول عربية أخري، حيث توقف عملية الإصلاح السياسي عند بعض أشكال الديمقراطية مثل وجود التعددية الحزبية، والانتظام في إجراء الانتخابات العامة، والسماح بهامش من حرية الرأي والتعبير، وهامش من استقلال القضاء، ولكن كل هذه التطورات وغيرها لم تؤثر بشكل جوهري في طبيعة السلطة ونمط ممارسة الحكم، حيث حرصت النظم الحاكمة على إحاطة عملية الانتقال إلى التعددية السياسية بجملة من القيود السياسية والقانونية والإدارية والأمنية التي فرغتها متن مضامينها الحقيقية، وجعلتها في عديد من الحالات مجرد عملية لتحديث التسلطية أكثر من كونها مدخلا للتحول الديمقراطي.
الإصلاح من أعلى
تندرج تجارب عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس في الغالب تحت نموذج- الإصلاح من أعلي- والذي جاء في بعض الحالات كاستجابة لتصاعد مطالب بعض الفئات الداخلية بالإصلاح كما هو الحال في البحرين والكويت والمملكة العربية السعودية من ناحية، فضلا عن وجود بعض العوامل الخارجية التي دفعت في اتجاه هذا الإصلاح من ناحية أخري. ومن هذا المنطلق لعبت النخب الحاكمة الدور الرئيسي في هندسة عملية الإصلاح السياسي ورسم حدودها بما ليؤثر بشكل جوهري على طبيعة سلطاتها وقدرتها على الاستمرار، وبما يمكنها من ضبط عملية الإصلاح السياسي والتحكم في مساراتها. وهو ما يظهر بوضوح في مضمون العملية الإصلاحية وحدودها.
ثالثا: إشكاليات الإصلاح السياسي في دول المجلس
تطرح عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس جملة من القضايا والإشكاليات التي لها تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة، والمستقبلية، على هذه العملية، ومن ثم فإن معالجتها تعتبر من المتطلبات والشروط الجوهرية لتعزيز عملية الإصلاح السياسي. وتتمثل أهم هذه القضايا والإشكاليات فيما يلي
أولاها: إن مناقشة عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي في دول مجلس التعاون الخليجي والوطن العربي بصفة عامة تثير على الفوز قضية طبيعية الدولة الظنية في هذه المنطقة، حيث أن دول المجلس باستثناء المملكة العربية السعودية، هي دول صغيرة، تمتلك ثروات نفطية ضخمة، وتوجد في بيئة إقليمية تعاني من الاضطراب وعدم الاستقرار الأمني، كما أن البناء المؤسسي للدولة- بالمعني الحديث- لا يزال قيد الشكل في بعض الحالات، وبخاصة مع استمرار قوة تأثير الو لاءات الأولية فيها، وتعرف منطقة الخليج والوطن العربي بصفة عامة مظاهرة عدم تمتع الدولة باستقلالية حقيقة عن شخص الحاكم مما جعل جهاز الدولة في التحليل الأخير أداة في يد نخبة أو طبقة أو أسرة أو طائفة تستخدمها من أجل تحقيق مصالحها، وهو ما أسهم. ويسهم. في تكريس حالة عدم التوازن بين الدولة والمجتمع، وبخاصة في ظل التأثيرات الطفرة النفطية التي أضفت طابعاً ربيعيا على الدولة. وتعاني الدولة القطرية في المنطقة العربية عموماً، بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة. من التبعية البنيوية للخارج، وهي تبعية مالية واقتصادية وأمنية. كما أن أجهزة الدولة ومؤسساتها تتسم في عديد من الحالات بالضعف والهشاشة وغلبة الطابع البيروقراطي على أدائها، فضلا عن المساءلة والمحاسبة على أنشتتها وممارستها.... الخ، ، ناهيك عن اعتماد دول المجلس على العمالة الوافدة بدرجات متفاوتة بسبب قلة عدد السكان فيها[[10]].
وفي ضوء ما سبق، فإن دول المجلس وغيرها من الدول العربية تواجه في الوقت الراهن- بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة- معضلة مزدوجة تتمثل في بناء الدولة من ناحية بناء الديمقراطية من ناحية أخري. ومن هذا المنطلق، فإن إصلاح الدولة الوطنية يمثل عنصراً جوهرياً لتفعيل عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي، فاستكمال عملية بناء المؤسسات، وإضفاء الطابع المؤسسي على عمل الدولة، وتأكيد استقلاليتها عن شخص الحاكم، وتحديث أجهزتها ومؤسساتها بما يعزز من دورها في تنفيذ السياسيات العامة ومواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعانى منها المجتمع، كل هذا غيره يعتبر من المقومات الهامة لتعزيز عملية الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في المنطقة.
ثانيهما، بشكل مفهوم المواطنة بأبعاده ومقوماته القانونية والسياسية والاجتماعية جوهر الرابطة السياسية بين الحاكم والمحكوم في النظم الديمقراطية، خاصة وأنه ينطوي على منظومة الواجبات المفروضة على المواطن، والحقوق المكفولة له بغض النظر عن انتمائه العرقي أو الديني أو الطائفي أو الجمهوري، كما ينطوي على تأكيد سيادة القانون من خلال تطبيقه على الجميع دونما تمييز لسبب أو آخر، وأكثر من هذا فإن مفهوم المواطنة يرسخ معاني وجود ولاء أسمي للدولة على كافة الو لاءات الأخرى. وفي ضوء ما سبق، فإن اتخاذ خطوات جدية على طريق تكريس مبدأ المواطنة في دول المجلس يعتبر من المتطلبات الرئيسية لتعزيز عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي، وهو ما يتطلب إلى جانب عناصر أخري مواصلة جهود تحقيق المساواة بين أبناء الوطن الواحد بغض النظر عن انتماءاتهم القبلية أو الطائفية أو الجغرافية، وتصفية المبدون الموجودة في بعض الدول، والتي تتزايد مع مرور الوقت، ومنح المرأة حقوقها السياسية في الدول التي لم تمنحها هذه الحقوق بعد، خاصة وأنها تمثل نصف المجتمع، وتأكيد مبدأ سيادة القانون بحيث يطبق على الجميع دونما تمييز، والاهتمام بتحقيق التنمية المتوازنة في مختلف مناطق الدولة، وكل ذلك وغيره يتطلب تحديث وتطوير كثير من الأطر الدستورية والقانونية المعمول بها في دول المجلس بما يجعل منها مرجعيات وضمانات لتكريس مبدأ المواطنة، أخذا في الاعتبار أن العبرة في التحليل الأخير ليس بإصدار دساتير وقوانين جيدة على الورق فحسب، ولكن أيضاً بتطبيقها والالتزام بها على النحو الذي يرسخ مبدأ سيادة القانون [[11]].
ثالثتها، إن عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي في دول المجلس التعاون الخليجي لا تقتصر على إصدار دساتير أو إجراء انتخابات أو إنشاء جمعيات لحقوق الإنسان فحسب، ولكنها تتضمن إلى جانب كل ذلك اتخاذ خطوات جادة على طريق تأسيس ثقافة سياسية ديمقراطية ونشرها في المجتمع حتى تتحول الديمقراطية إلى أسلوب للتعامل وإداري العلاقات على صعيد الأسرة والمدرسة والجامعة والنادي والجمعية السياسية...الخ، ومن المعروف أن الثقافة السياسية الديمقراطية تعزز عملية التحول الديمقراطي وتسهم في ترسيخ المؤسسات الديمقراطية باعتبارها تتضمن منظومة قيم مثل الاعتدال والمثقفة والتسامح والمشاركة والقبول بالتعددية السياسية والفكرية وبالحق في الاختلاف واحترام القانون....الخ.
ومن المؤكد أن عملية بناء ثقافية سياسية ديمقراطية في دول المجلس يصعب إنجازها بين عشية وضحاها، حيث أنها عملية معقدة تستغرق بعض الوقت، وذلك نظراً للصعوبات التي تكتنف عملية التغيير الثقافي والقيمي في مجتمعات لا يزال يؤثر فيها الطابع التقليدي بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة. ومع ذلك فإن زيادة معدلات التعليم في دول المجل، وانتشار وسائل الإعلام فيها، وزيادة استخدام مواطنيها للوسائل الحديثة ذات الصلة بثورة المعلومات والاتصالات. كل ذلك وغيره يشكل عوامل مساعدة لنشر ثقافية سياسية ديمقراطية.
وفي التحليل الأخير تعتبر مؤسسات التعليم والإعلام والثقافة وغيرها من المؤسسات غير الحكومية بمثابة الأدوات الرئيسية لنشر ثقافة سياسية ديمقراطية بين مختلف فئاتنا المجتمع، مما يتطلب مواصلة جهود إصلاح السياسيات الإعلامية والتعليمية والثقافية في دول المجلس بما يعزز من أدوارها في نشر قيم الديمقراطية، بل وقيم النهضة والتقدم بصفة عامة.
رابعتها: يشكل المجتمع المدني ركيزة أساسية للديمقراطية شريطة أن يكون هذه المجتمع متطوراً ويتمتع باستقلالية حقيقية عن الدولة وتلتزم مؤسساته بتطبيق الديمقراطية على الصعيد الداخلي لكل منها، وهذا يرجع إلى طبيعة الأدوار التي تقوم بها تنظيمات المجتمع المدني، حيث تسهم في نشر الثقافة السياسية الديمقراطية، وتدرب أعضاءها على المشاركة، كما أنها تعمل كحلقات وصل مؤسسية بين الدول والمجتمع، ويقوم بعضها بدور في خلق وتدريب الكوادر السياسية.
وعلى الرغم من تمدد المجتمع المدني متمثلاً في الجمعيات والمنظمات الأهلية في معظم دول المجلس خلال السنوات الأخيرة، إلا أن دور هذا المجتمع يتسم بالضعف والهشاشة بصفة عامة، وبخاصة في ظل تعدد وتنوع القيود الحكومية المفروضة على تنظيماته، الأمر الذي لا يجعله يشكل قوة دفع مؤثرة في عملية الإصلاح السياسي في معظم الحالات [[12]]. ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي، في دول المجلس تتطلب إلى جانب عناصر أخري اتخاذ الإجراءات القانونية السياسية التي من شأنها خلق الظروف المناسبة لتقوية تنظيمات المجتمع المدني، وتحقيق استقلاليتها عن الدولة. وإذا كان هذا العنصر يرتبط بالسلطات الحاكمة، فغن هناك عصرا ذاتيا في تقوية هذه التنظيمات، حيث يتعين عملية تطوير أطرها المؤسسية، والالتزام بتطبيق الديمقراطية على الصعيد الداخلي لكل منها، وتطوير علاقاتها بالمجتمع بما يعزز من قواعدها الاجتماعية.ونظرا للدور الذي يقوم به الأحزاب السياسية في التطم الديمقراطية في العصر الحديث، ولما كانت بعض دول المجلس مثل البحرين والكويت يوجد بها جمعيات وتجمعات سياسية هي أقرب ما تكون إلى الأحزاب، فإنه من المهم أن تسمح هذه الدول بقيام الأحزاب السياسية بما يفسح المجال لتجزل الجمعيات والتجمعات السياسية القائمة إلى أحزاب، مما يكرس من مفهوم- التعددية الحزبية- الذي من المرتكزات الأساسية للديمقراطية.
خامستها: إن عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي في دول المنطقة تقتضي تحقيق الشفافية في عمل الحكومة، وتطبيق المساءلة والمحاسبة على نتائج أنشتتها وأفعالها، وهذه مسألة في منتهي الأهمية باعتبارها من أسس الحكم الجيد، حيث تضع حداً للفساد، وتسهم في صيانة المال العام وترشيد عملية تخصيص الموارد، وهذا لا يمكن أن يحقق إلا في إطار سيادة القانون. ونظراً لأن بعض دول المجلس قد شهدت رفع مذكرات وعرائض للسلطات الحاكمة تتضمن إلى جانب مطالب أخري المطالبة بصيانة المال العام ومحاربة الفساد، فإنه من المؤكد أن اتخاذ خطوات جدية على طريق تعزيز إجراءات وآليات الشفافية والمساءلة والمحاسبة يدعم من نهج الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في هذه الدول، كما يعزز من شرعية النظم الحاكمة فيها.
سادستها تعاني دول المجلس بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة من بعض المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن يكون لها انعكاساتها السلبية على الإصلاح السياسي في حال استمرارها وتأتي مشكلة البطالة في مقدمة هذه المشكلات، حيث تنامت معدلات البطالة بدرجات متفاوتة في دول المجلس خلال السنوات الأخيرة، وتتركز هذه الظاهرة في شريحة الشباب وبخاصة المتعلمين منهم. وتعتبر هذه المشكلة محصلة لعوامل ومشكلات أخري منها: تعثر جهود دول المجلس في تنويع مصادر الدخل وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد غير النفطي، مما قلص من قدرتها على توليد فرص عمل جديد تستوعب الداخلين الجدد إلى سوق العمل ن ووجود فجوة بين مجريات المؤسسات التعليمية من ناحية واحتياجات سوق العمل من ناحية أخري، وعزوف القطاع الخاص في دول المجلس عن تشغيل المواطنين وتفصيل العمالة الوافدة، نظرا لأن الوافد يقبل العمل لساعات أطول وبأجر أقل. ومن المعروف أن البطالة وبخاصة في صفوف الشباب تخلق بيئة ملائمة لتنامي ظواهر التطرف والعنف والجريمة، مما يجعل من معالجة هذه المشكلة عنصراً هاما من أجل خلق ظروف مواتية للإصلاح السياسي، وهو ما يتطلب مواصلة جهود الإصلاح الاقتصادي، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، إفساح مجال أوسع للمرأة الخليلية للمشاركة في قوة العمل[[13]].
كما تعاني دول المجلس بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة من وجود خلل كبير في هياكلها السكانية، حيث تغطيي العنصر الوافد وبخاصة الأسيوي على التركيبة السكانية لعديد من دول المجلس، مما يجعل المواطنين أقلية في بعض هذه الدول، ومن المعروف لهذه المشكلة أثارها وتدعيانها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية التي لا يتسع المجال للخوض فيها. كما تشهد دول المجلس خلالا واضحا في الهيكل العمري لسكانها، حيث يشكل صغار السن والشباب نسبة يعتد بها من مواطني هذه الأول، وهو ما يعني ارتفاع معدلات الإعالة فيها، كما يضع على عاتق الحكومات المزيد من الأعباء بشأن توفير فرص التعليم والعلاج والعمل والمسكن للأجيال الجديدة التي ستحكم على أداء هذه الحكومات من خلال إنجازاتها، إي أن الإنجاز سيشكل مصدراً رئيساً لشرعية هذه النظم[[14]].
وبالإضافة إلى ما سبق فإن النظم التعليمية في دول المجلس بحاجة إلي إصلاح حقيقي، ليس لأن أطرافا خارجية تطلب بذلك، ولكن نتيجة لاعتبارات موضوعية داخلية تتعلق بالمصالح الوطنية لهذه الدول، حيث أن نمط التعليم السائد فيها يركز على الحكم دون الكيف، وتقوم العملية التعليمية على أساس التلقين والحفظ، ناهيك عن الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. ونظراً لذلك فإن هناك ضرورات وطنية لإصلاح التعليم استناداً إلى منظور شامل يعالج مختلف جوانب ومقومات العملية التعليمة[[15]].
كما أن دول المجلس أحوج ما تكون إلى إصلاح وتحديث الأجهزة والمؤسسات الإدارية، فالجهاز الإداري في أية دولة هو المنوط به تنفيذ السياسيات العامة، وبالتالي قد تكون هذه السياسات جيدة على الورق ولكن يتم تنفيذها بشكل سيئ وغير كفء مما يجعلها لا تحقق الأهداف المرجوة منها، وبالتالي يؤثر السياسي برمته، ونظراً لأن الأجهزة الإدارية في دول المجلس تعاني بدرجات متفاوتة من مشكلات التضخم والبيروقراطية وغياب أو ضعف الشفافية في عمليها...الخ، فإن هناك حاجة ماسة لاتخاذ خطوات جدية على طريق إصلاحها بما فعل من قدرتها على الأداء والإنجاز، خاصة وأن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم في ظل العولمة تفرض تحديات جديدة على ه1ه الأجهزة مما يتطلب إحداث تغيير جوهري في هياكلها وأساليب عملها. ومن المؤكد أن تحسين أداء الجهاز الإداري سوف يعزز من قدرته على التنفيذ الفعال للقرارات والسياسيات ذات الصلة بمعالجة المشكلات التي تعاني منها دول المجلس، مما يسهم في خلق بيئة ملائمة لمواصلة عملية الإصلاح السياسي[[16]].
سابعتها، لقد تصاعدت أسعار النفط بشكل حال خلال بعض الفترات من العام 2004، حيث تجاوزت، وبشكل غير مسبوق، حاجز الخمسين دولاراً للبرميل، وذلك لأسباب عديدة لأسباب عديدة لا يتسع المجال للخوض فيها، ونظراً لأن هذا الارتفاع في الأسعار يترجم إلى زيادة في عائدات الدول المصدرة للنفط، فقد أثير التساؤل حول التأثيرات المحتملة لهذه الزيادة في العائدات النفطية على عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس، وعما إذا كانت ستشكل عنصراً دافعاً ومشجيها لمزيد من الإصلاح أم العكس ستقود إلى عرقلته وتأجيله، خاصة وأن الطفرة النفطية الأولي التي امتدت منذ منتصف السبعينات حتى منتصف الثمانينات من القرن العشرين قد أدت إلى تغيب ملف عملية الإصلاح السياسي أو تأجيله، حيث سمحت للحكومات بتكريس عقد اجتماعي يقوم على معادلة- لا ضرائب ولا تمثيل- على نحو ما سبق ذكره[[17]].وبغض النظر عن الجدل حول هذه القضية، فالمرجح أن حدود تأثير الزيادة في العائدات النفطية لدول المجلس على عملية الإصلاح السياسي الداخلي فيها تتوقف على عوامل عديدة منها المدى الزمني لاستمرار حالة الارتفاع في أسعار النفط، وسياسات الحكومات في توظيف الزيادة في العائدات النفطية، خاصة أن دولا عديدة تعاني من مشكلات ومتاعب اقتصادية واجتماعية، وبالتالي فإن هذا الوضع قد يمكنها من معالجة بعض هذه المشكلات، مما يمكن أن يساعد على تهيئة ظروف أفضل لمواصلة عملية الإصلاح السياسي. ومن المؤكد أن الظروف والمعطيات الحالية سواء على الصعيد الداخلي في دول المجلس أو على الصعيدين الإقليمي والدولي هي جد مغايرة للظروف التي كانت سائدة خلال مرحلة الطفرة النفطية الأولي، وبالتالي يصعب المغامرة بالقول بأن الزيادة في عائدات الدول المعنية من النفط سوف تدفعها إلى التراجع عن عملية الإصلاح السياسي، لأن هذه العملية أصبحت مرتبطة بعيد يد من العوامل الأخرى، الداخلية والخارجية، غير العائدات النفطية، ومن هنا فإن الزيادة في العائدات يمكن أن تكون عاملاً مساعداً على تدعيم البنية التحتية ل عملية الإصلاح السياسي وذلك من خلال مواصلي جهود إصلاح التعليم، وتفعيل الإصلاح الاقتصادي وغير ذلك.
ثامنتها، توجد دول مجلسي التعاون الخليجي في منطقة إقليمه مضطربة، حيث شهدت منذ أواخر سبعينات القرن العشرين ثلاثة حروب هي الحرب العراقية- الإيرانية التي استغرقت معظم سنوات الثمانينيات، وحرب الخليج الثانية التي تفجرت إلى أثر احتلال العراق لدولة الكويت وما ترتب على ذلك من تداعيات معروفة، ثم الحرب الأمريكية- البريطانية على العراق- مارس/ أبريل 2003- التي أنهت نظام صدام حسين ولا تزال توابعها تتواصل حتى الآن.
ونظراً لآن دول المجلس لا تستطيع أن تنعزل عن المؤثرات النابعة من محيطها الإقليمي، فالأرجح أن مسارات التطور السياسي الداخلي فيها سوف تتأثر في جانب منها على الأقل بمستقبل الأوضاع في العراق، فالاستقرار في عراق ما بعد صدام حسين سوف يسهم في خلق بيئة إقليمية ملائمة لاستمرار سياسات الانفتاح السياسي التي تشهدها دول المجلس بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، والعكس صحيح، فعدم الاستقرار في هذه الدولة الرئيسية في منطقة الخليج سوف يغذى عدم الاستقرار الإقليمي بصفة عامة، بكل ما يترتب على ذلك من تداعيات قد تؤثر سلبا على جهود وعمليات الانفتاح السياسي في الدول المعنية، فإذا انزلق العراق إلى حالة من الاقتتال الداخلي والحرب الأهلية، فإن ذلك يمكن أن يفضي إلى تفكك الدولة العراقية، وعندئذ ستصبح بؤرة لتصدير التطرف والعنف والإرهاب إلى الخارج، وهذا ما تؤكده الخبرات التاريخية المقارنة، وما حدث في كل من الصومال وأفغانستان ليس بعيداً عن الأذهان. في حالة حدوث هذا السيناريو في العراق فإنه سيؤثر بالسلب على عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس، حيث أن عدم الاستقرار الإقليمي، وتعرض الأمن الداخلي للدول المعنية ليغض التهديدات الخارجية سوف يجعلها تواجه اختيارات صعبة بين أولويات الأمن الداخلي من ناحية، واعتبارات الانفتاح السياسي من ناحية أخري [[18]].
كما أن بروز دور الشيعة في العراق في ظل نظام ديمقراطي، سوف يعزز من المطالب التي يطرحها الشيعة في بعض دول المنطقة لجهة تحقيق المساواة على قاعدة المواطنة، وإفساح المجال لهم للمشاركة في الحياة السياسية والشأن العام، والاهتمام بتنبيه مناطقهم، ولذلك فإنه من المناسب أن تواصل بعض النظم الحاكمة في دول المجلس الخطوات التي اتخذتها من أجل الاستجابة لمطالب الشيعة في إطار نوع من عملية الإصلاح السياسي باعتبار أن التلكؤ في الاستجابة لهذه المطالب بطريقة سليمة يدفع القوي المعنية أو فئات منها إلى الانخراط في أعمال العنف والاحتجاج، وتقدم خبرة البحرين نموذجاً لذلك.
وبالإضافة إلى ما سبق، فإن النجاح في بناء نظام ديمقراطي في العراق، سوف يقدم لواشنطن ورقة للضغط على بعض دول المجلس من أجل تسريع عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي، والعكس صحيح، بمعني أن الفشل في ذلك سوق يكرس من عدم صدقيه خطابها السياسي وجهودها من أجل نشر الديمقراطية في الوطن العربي، ولكن هذا الأمر يتعين النظر إليه في ضوء وجود شكوك عميقة بشأن مدي جدية التزام واشنطن بالديمقراطية الحقيقية في المنطقة العربية، والتي يمكن أن تقود في حال الأخذ بها إلى تغيير بعض النظم الحالية، ولذلك فالأرجح أن الديمقراطية التي تنشدها واشنطن في العراق تقوم في جانب هام منها على ترتيب الأوضاع السياسية بما يسمح بقيام نظام موال لها في هذا البلد، ومن هنا كان رفضها لإجراء انتخابات عامة قبل أن ترتب الأوضاع بما يخدم مصالحها ولذلك قامت حساباتها على أنه ظل وجود حكومة مؤقتة غير منتجة تقوم هي الدول الرئيسي في تشكيلها، فإنها تستطيع إبرام اتفاقيات معها بشأن ترتيب مستقبل وجودها العسكري وغير العسكري في العراق، خاصة وأن هذه الاتفاقيات سوف تكون بمقتضي الدستور المؤقت ملزمة العراق باعتبارها وقعت من قبل حكومة ذات سيادة.
وفي ضوء ما سبق وغيره، فإن الديمقراطية التي تنشدها واشنطن على صعيد المنطقة هي أقرب إلى تطوير أساليب الحكم والإدارة، وتحسين سجل حقوق الإنسان، وتقليص الفساد السياسي والإداري....الخ، وذلك في إطار النظم القائمة على الأقل خلال الأجلين القصير والمتوسط. ومرد ذلك أن هذه النظم موالية للولايات المتحدة الأمريكية، وتضمن مصالحها، وحتى وأن كان الأخيرة تحفظات على بعض سياساتها وأنماط أدائها. ومن هنا فإذن واشنطن لا ترغب من الناحية العملية في قيام ديمقراطيات وطنية حقيقية، حتى وأن بدا الخطاب السياسي المعلن خلاف ذلك، فالديمقراطيات الحقيقية تعني التزام الحكومات بالاحتكام إلى الإرادة الشعبية من خلال الاستفتاء وغيره قبل أن تقرر منح قواعد أو تسهيلات عسكرية للولايات المتحدة الأمريكية أو تقرر استمرار بقاء قواعدها الموجودة حاليا على أراضيها، كما أنها تتضمن وجود برلمانات قوية تستطيع محاسبة ومساءلة الحكومات بشأن إدارة العلاقات مع واشنطن، ومن هذا المنطلق فإن هذا النوع من الديمقراطية سوف يكون على الأرجح على حساب المصالح الأمريكية في المنطقة ولو خلال الأجلين القصير والمتوسط، وبخاصة في ظل حالة الكراهية السائدة لسياسات الإدارة الأمريكية في العالمين العربي والإسلامي.
وفي سياق رصد التأثيرات الإقليمية على عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس يمكن الإشارة إلى قضية أخري مفادها أن تسارع عملية الإصلاح السياسي في بعض دول المجلس مقارنة بالمملكة العربية السعودية، وبخاصة فيما يتعلق بالانفتاح الإعلامي، وإجراء انتخابات بلدية أو برلمانية، ومنح المرأة حق التصويت والترشيح، وهو أمر له انعكاساته- القائمة والمحتملة- على الأوضاع الداخلية في المملكة سواء بشكل مباشر أو غير مباشري، خاصة عندما يقارن السعوديون أوضاعهم بما حدث في دول مجاورة لهم وتشاركهم عضوية مجلس التعاون الخليجي بخصوص عملية الإصلاح السياسي. ومن هنا فإن المذكرات والعرائض التي رفعت للسلطات في المملكة تضمنت بعض المطالب التي من شأن تنفيذها إحداث تطورات مماثلة لما حدث في بعض دول المجلس الأخرى.
رابعاً: مستقبل الإصلاح السياسي في دول المجلس
ثمة حقيقتان هامتان يتعين أخذهما في الاعتبار عند النظر في مستقبل عملية الإصلاح السياسي والديمقراطي في دول المجلس. أولهما، أن هناك متفاوتات بين الدول المعنية من حيث درجة الانفتاح السياسي، ففي بعض الدول يتم إجراء انتخابات بلدية وبرلمانية، كما تم منح المرأة حقوقها السياسية، بينما في دول أخري لم يتحقق شئ من هذا القبيل. وثانيهما، أن مستقبل التطور السياسي والديمقراطي في دول المجلس تحكمه عوامل عديدة داخلية وإقليمية ودولية، فعلي الصعيد الداخلي تعتبر القوي المطالبة بالإصلاح وصاحبة المصلحة في حدوثه من حيث حجمها وطبيعتها وقدرتها على توسيع قواعدها الاجتماعية والتنسيق فيما بينها، تعتبر من المحددات الهامة لمستقبل عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس، كما أن تجاوب النخب الحاكمة مع مطالب الإصلاح وقيامها باتخاذ خطوات تراكمية على طريقة، يعتبر هو الآخر من العوامل الحاكمة للمدى الذي يمكن أن يبلغه الإصلاح في الدول المعنية.
وعلى الصعيد الإقليمية، فإن مستقبل الوضع في العراق سوف يكون له تأثيره على الأوضاع السياسية الداخلية في دول المجلس على نحو ما سبق ذكره. أما على الصعيد الدولي فإن توقف واشنطن من عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس يعتبر من المحددات الحاكمة لمستقبل العملية الإصلاحية، وبخاصة في ظل طبيعة العلاقات التي تربط بين الجانبين.
وفي ضوء المحددات سالفة الذكر وغيرها يمكن القول: إن المسار المحتمل للتطور السياسي في دول المجلس خلال الأجلين القصير و المتوسط على الأقل يتمثل بصفة عامة في استمرار عملية الإصلاح السياسي بدرجات متفاوتة في هذه الدول، لكن دون أن يصل ذلك إلي حد حدوث تحول ديمقراطي جوهري، ومغزى هذا المسار هو أن تستمر دول المجلس في اتخاذ بعض الخطوات على طريق الإصلاح السياسي، التي سوف تتفاوت في مداها وطبيعتها من دولة إلى أخري، ولكن سيظل في نهاية المطاف إصلاحاً محدوداً ولن يفضي إلى عملية دمقرطة حقيقية بالمعني المتعارف عليه. ومن الناحية العلمية فإن هذه الدول سوف تستمر في إجراء الانتخابات البلدية والبرلمانية، ولكن مع استمرار ظاهرة عدم التوازن- بدرجات متفاوتة- بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وسوف تسمح بهامش من حرية الرأي والتعبير، ولكن مع استمرار أشكال من سيطرة الدولة على الإعلام المسموع والمرئي في بعض الحالات، فضلا عن التدخل عبر أدوات متعددة للتأثير على حرية الإعلام إذا اقتضي الأمر.
كما أنها سوف تسمح بهامش من الاستقلالية لتنظيمات المجتمع المدني، ولكن مع استمرار قدرة الحكومات على التأثير في هذه التنظيمات من خلال قيود وضوابط قانونية وسياسية ومالية وإدارية، وقد تسمح بعض الدول المعنية بقيام أحزاب سياسية، ولكن ضمن إطار سياسي وقانون لا يمكنها من أن شكل تحدياً حقيقياً للسلطات الحاكمة. كما أن سجل حقوق الإنسان سوف يشهد المزيد من التحسن في هذه الدول.
ولكن في ظل هذا النهج الإصلاحي، فإنه من غير المستبعد أن تشهد بعض دول المجلس حالة من الجمود السياسي، بحيث يقف عملية الإصلاح السياسي عند حدود معينة، خاصة في ظل استمرار الاعتقاد الراسخ لدي النخب الحاكمة في بعض الدول بضرورة التدرجية في الإصلاح، والتدرجية في حد ذاتها ليست عيباً شريطة أن تستمر بقوة دفع مناسبة، وتحدث أثرها التراكمي مع مرور الوقت، ولكن المشكلة أن التدرجية يمكن أن تتخذ كمدخل للالتفاف على عملية الإصلاح وتجميدها من الناحية العملية بحيث تسيرا بمنطق خطوة للأمام وخطوة للخلف على نحو ما سبق ذكره، وهو ما يمكن أن يفتح الباب لحالة من الاحتقان السياسي الذي قد يقضي إلى أزمات وتوترات في العلاقة بين السلطة وقوي المعارضة وبخاصة في الدول التي توج بها معارضة سياسية تتسم بدرجة ملحوظة من النشاط والفاعلية.
وفي ضوء ما سبق، فإن عملية الإصلاح السياسي سوف تتواصل في دول المجلس، ولكن سيبقي أمام هذه الدول شوط طويل حبيس يفضي هذا الإصلاح إلى تحول ديمقراطي حقيقي بما ينطوي عليه من تطبيق لمبدأ التداول السلمي للسلطة على مستوي الحكومة من خلال انتخابات حرة ونزيهة، وتكريس لأسس ومبادئ الشفافية والمساءلة، فضلاً عن تحقيق توازن حقيقي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وتأكيد استقلال السلطة القضائية، وإطلاق حرية تشكيل الأحزاب والجمعيات السياسية، وتوفير ضمانات احترام حقوق الإنسان بمعناها الواسع، وترسيخ المشاركة السياسية الحقيقية للمواطنين في عملية صنع القرار، وتأكيد سيادة القانون.,.
وثمة عدة عوامل وشروط يمكن أن تدفع التطور السياسي ف بعض دول المجلس في هذا الاتجاه على المدى الطويل من أهمها النجاح في معالجة بعض معوقات التحول الديمقراطي في دول المجلس وبخاصة فيما يتعلق بإصلاح أجهزة الدولة ومؤسساتها، وتأسيسي ثقافة سياسية ديمقراطية ونشرها على صعيد المجتمع، وخلق ظروف اقتصادية واجتماعية مواتية للتحول الديمقراطي من خلال مواجهة بعض المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها هذه الدول بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، كما أن نجاح بعض القوي السياسية وتنظيمات المجتمع المدني في تعزيز دورها وقدراتها على الفعل والتأثير من خلال توسيع قواعدها الاجتماعية وانخراطها في ممارسة نضال سلمي من أجل الديمقراطية، فضلاً عن تأكيد التزامها بتطبيق الديمقراطية على الصعيد الداخلي لكال منها يعتبر من العوامل الهامة التي يمكن أن تدفع في اتجاه التحويل الديمقراطي في دول المنطقة. ومن هذه العوامل أيضاً تمكن القطاع الخاص في الدول المعنية أو الكتلة الرئيسية فيه من تأكيد استقلاليتها عن الحكومات والقيام بدور أكبر في دعم جهود تعزيز الديمقراطية والمجتمع المدني.
كما أن رؤى وتصورات عناصر الأجيال الجديد من القادة في دول المجلس لقضية عملية الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، ومدي تجاوبها مع المطالب الشعبية بهذا الخصوص تعتبر هي الأخرى من العوامل الرئيسية التي ستحدد مستقبل التطور السياسي والديمقراطي في هذه الدول خلال الأجلين المتوسط والطويل، وخاصة وأن وصول قيادتين جديدتين إلى السلطة في كل من قطرا والبحرين قد كان له تأثيراته على عملية الانفتاح السياسي في كل منهما، كما أن تبني واشنطن لنهج أكثر مصداقية ووضوحاً في دعم التحول الديمقراطي في دول المنطقة يعتبر من العناصر الحاكمة بهذا الشأن، وأن كان ذلك يتوقف بالطبع على عوامل عديدة منها حدود الاستمرارية والتغيير في السياسية الأمريكية تجاه الصراع العربية.
الإسرائيلي، لأن استمرار الانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل سوف يضعف من مصداقية واشنطن بشأن ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة، كما أن مدي حاجة الولايات المتحدة الأمريكية للنفط العربي سوف تستمر كأحد محددات صياغة السياسية الأمريكية تجاه ملف الإصلاح السياسي والديمقراطي في هذه المنطقة التي تعتبر من أهم مناطق العالم على صعيد إنتاج النفط والاحتياجات النفطية.
وتأسيساً على فاسبق يمكن القول بأن العوامل الداخلية ستبقي هي الحاكمة لمستقبل عملية الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في دول المجلس والمنطقة العربية بصفة عامة، وسوف يظل دور العوامل الخارجية مساعداً في أفضل الأحوال، خاصة وأن العوامل الخارجية لا تؤتي تأثيراتها في دعم التحول الديمقراطي إل إذا كانت هناك عوامل داخلية مواتية لذلك، وهذا هو درس التاريخ الذي تؤكده تجارب التحول الديمقراطي في عديد من دول العالم، حيث أن الديمقراطية عملية نضالية تطورت في عديد من المجتمعات الإنسانية عبر فترات ممتدة من الزمن، واقترنت بتحولات وتطورات اقتصادية واجتماعية وثقافية شاهدتها هذه المجتمعات، كما ارتبطت بوجود قوي وتيارات سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية حملت المشروع الديمقراطي وكافحت بأشكال سلمية من أجل تطبيقه.
المصدر : إسلام أون لاين.نت – ببليو إسلام.
[1] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- ابتسام الكتبي، - التحويلات الديمقراطية في دول مجلس التعاون الخليجي -، في: مجموعة من الباحثين، الديمقراطية والتنمية الديمقراطية في الوطن العربي- بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2004 -، ص ص. 312- 314.
[2] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- O, conor, James,- The Fiscal Criscal of the State-- New York: St. Martin ,s Press. 1973- , pp.- 5- 10.
[3] لمزيد من التفاصيل، أنظر:
- Gawat Bahgat ,- Military Security and pocurity Stability in the Gulf- , Arab Studies Quarterly, Vol. 17 , No.4- Fall 1995- ; Vahn Zanoyan ,- After Oil Boom: The Holiday Ends in the Gulf ,- Foreign Aggairs, Vol.74 , No,6- November/ December 1995- ; Giacomo Luciani ,- Resources , Revenues , and Authoritarianism in the Arab World: Beyond the Reniter State ?- Rex Brynen , Bahgat Korany & Paul No ble- eds.- , Political Liberalization & Democratization in the Arab World- Volumel- London : Lynne Rienner Publishers, 1995 -.
[4] لمزيد من التفصيل، أنظر:
فتحي ألعفيفي، - الديمقراطية والليبرالية في الممارسة السياسية لدولة قطر -، المستقبل العربي، العدد 298- ديسمبر 2003 -.
- Andrew Pathmell and Kirsten Schulze ,- Political Reform in the Gulf: The Case Of Qatar ,- Middle Eastern Studies , Vol. 36, No.4- October 2000- ; J.E.Peterson.- Succrssion in the States of the Gulf Coopration Council,- The Washington Quarterly Vol.24,No.4- Autumn2001 -.
[5] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- Michal Scott Doran ,- The Saudi Paradox,-- The Saudi Paradox ,- Foreigen Affair- January/ February 2003- ; Antony H. Cordesman , The Prospects for Stability in in 2004- Washington , Dc: Csis < February 19 , 2003 -
[6] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- حسين توفيق إبراهيم، - ثورة المعلومات والتطور الديمقراطي في العالم العربي -، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، كراسات إستراتيجية، العدد 139- مايو 2004 -.
[7] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- F. Gregory Gause , III,- GCC- U,S. Relations,- in: Gulf in a Year 2003- Dubai: Gulf Research Center . 2004 -.
[8] لمزيد من التفصيل، أنظر:
Ahmed Abdel Karem Saif ,- Patterns of political opposition in the GCC Countries ,- in: Gulf in a Year 2003 , Op. Cit pp. 63- 64
[9] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- مفيد الزبدي:- مؤشرات التحول الديمقراطي في البحرين: من الأمارة على الملكية الدستورية -، المستقبل العربي، العدد 270- أغسطس 2001 -.
[10] من التفصيل، أنظر:
على خليفة الكوراري- إعداد وتحرير -، الخليج العربي والديمقراطية: نحو رؤية مستقبلية لتعير المساعي الديمقراطية- بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2002 -، ص 77؛ أسامة عبد الرحمن، النفط....... والقبلية.... والعولمة- بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1 2000 -؛ د. محمد جواد رضا، صراع الدولة القبيلة في الخليج العربي: أزمات التنمية وتنمية الأزمات- بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1997 -.
[11] لمزيد من التفاصيل، أنظر:
على خلفية الكوري، المصدر السابق، ص 75.
[12] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- ربما الصبان ومنيرة فخور ومتروك الفالح، قضايا وهموم المجتمع المدني في دول مجلسي التعاون الخليجي- الكويت: دار قرطاس للنشر، ط1، 1998 -، سعد الين إبراهيم، - المجتمع المدني في دول الخليج العربية -، في: د. جمال سند السويدي- أعداد -، مجلس التعاون لدول الخليج العربية على مشارف القرن الحادي والعشرين- أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، ط1، 1999 -، مريم عيسي الشيرازي، - المنظمات الأهلية في الخليج العربي: الواقع والتحديات -، شئون اجتماعية، العدد 81- ربيع 2004.
[13] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- Jamal Jassem Al- fakhri ,- The GCC Non- Oil Economy ,- in: Gulf in a Year 2003. Ibid,. part Four.
[14] لمزيد من التفصيل، أنظر:
- Michael. E. Bonine.- Population Growth , the Labor Market and Gulf Securitty ,- in ; david e. Long and Christian kock- eds.- Gulf Security in the Twenty- First Century- Abu Dhabi: The Emirates Center for Strateegic Studies and Research, 1997- ; Jamal Jassem Al- fakhri ,- TheDemographic Structure of the GCC States ,- in: Gulf in a Year 2003. Ibid,. part Two.
[15] لمزيد من التفاصيل، أنظر:
- مجموعة من الباحثين، التعليم والعالم العربي: تحديات الألفية الثالثة(أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ط1، 2000).
[16] لمزيد من التفصيل/ أنظر:
على خلفية الكوري، مرجع سابق ذكره، ص، 78؛ فاهان زانويان، أن الأوان لقرارات تاريخية في منطقة الخليج- الكويت: جامعة الكويت. مركز الدراسات الإستراتيجية والمستقبلية،. سلسلة الدراسات الإستراتيجية والمستقبلية، العدد 1 نوفمبر 2002 -. Daniel Byman and John R.Wise, The Persian Gulf in the Coming Decade Trends, Threats and Opportunities- Rand . 2002 -.
[17] لمزيد من التفصيل حول خلفيات هذه القضية، أنظر على سبيل المثال:
- Hossien Askari ,- Oil Not Islam. is at The Middle east ,- The National Interest- January , 2004- ; Oystein Noreng, Oil and Islam Social and Economic Issues- New York : John Wiley & sons , 1997 -.
[18] لمزيد من التفاصيل، أنظر:
- حسنين توفيق إبراهيم، مستقبل الأوضاع في العراق وانعكاساتها على دول مجلس التعاون الخليجي -، مجلة أراء الخليج، العدد الأول- مايو/ يونيو 2004 -.
